آخـــر الــمــواضــيــع

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 20

الموضوع: ياسر عرفات - كتاب جديد لبسام أبو شريف

  1. #1
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    ياسر عرفات - كتاب جديد لبسام أبو شريف

    بسام أبو شريف
    كان من أكثر المستشارين التصاقا بأبي عمار ..
    وأشدهم إخلاصا

    تحمل الكثير الكثير جراء إخلاصه هذا
    وارتضى كل ما قيل فيه بسبب الفتاشات (بالونات الاختبار) التي كان يطلقها بأمر من عرفات ..
    وغالبا ما تتحقق البالونات تلك .. ولو بع حين ..

    أنصح بقراءة كتابه هذا
    فهذا الرجل من القلة النادرة المتبقية على قيد الحياة ممن واكبوا عرفات حينا من الدهر ..
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  2. #2
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    نبدأ من اليوم بنقل ما تنشره "القدس العربي" من كتاب بسام أبو شريف:

    ياسر عرفات


    القدس العربي تنشر كتاب بسام ابو شريف عن ياسر عرفات

    ريغان يوسط عرفات لتأجيل تحرير الرهائن الامريكيين بايران ليهزم منافسه كارتر.
    وغاندي حذرته من زعماء دول الخليج



    2008/05/02



    لندن ـ القدس العربي :
    في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 توجه آية الله الخميني الي طهران حيث استقبله ملايين الإيرانيين. وما ان وصل الخبر الي ياسر عرفات حتي أصدر امره بالتوجه الي هناك. لكن طهران أغلقت مجالها الجوي وأوقفت اتصال برج المراقبة بالطائرات بعد هبوط طائرة الخميني. الا ان عرفات تحمل المسؤولية وأقلع. وعند دخوله المجال الجوي الإيراني احاطت طائرات مقاتلة من طراز اف ـ 15 بطائرة الزعيم وراحت تميل بأجنحتها في اشارة تعني ان المقاتلات تطلب من الطائرة الهبوط الفوري. وعندما أطلقت المقاتلات طلقات تحذيرية في الهواء هب ابو عمار عن مقعده واقترب من النافذة التي تطل علي المقاتلات وخلع الحطة وراح يحيي بها الطيارين الايرانيين. وبعد دقائق من التوتر والقلق، اجروا خلالها اتصالاتهم بالسلطة الجديدة، حرك الطيارون أجنحة طائراتهم بطريقة مختلفة تعني ..الترحيب بأول زعيم يصل طهران ويلتقي آية الله الخميني بعد الثورة الإيرانية.

    بتفاصيل غنية ومشوقة يروي وقائع تلك الحادثة بسام ابو شريف القيادي الفلسطيني المعروف في كتاب بعنوان ياسر عرفات تبدأ القدس العربي نشره اعتبارا من اليوم مسلسلا في حلقات. ولم تمض فترة طويلة علي تلك الحادثة حتي استولي الثوريون علي السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا فيها مئات الموظفين. وكان ذلك اقوي تحد واجهه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي كان علي وشك انهاء ولايته الأولي والترشح لولاية ثانية.

    وكان تحرير الرهائن الأمريكيين او النجاح في اطلاق سراحهم سيشكل ضمانة مؤكدة للفوز بالرئاسة وهزيمة منافسه الجمهوري رونالد ريغان. وذلك ما ادركه تماما الفريق الانتخابي الجمهوري فراح مستشارو ريغان يعملون بكل الطرق لتأجيل اي افراج عن المعتقلين في السفارة. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية برأيهم أهم تلك الطرق. ففي ذلك الوقت كانت الثورة الفلسطينية الجهة الأكثر قربا من الثورة الإيرانية.

    ووصل الي بيروت مايك بسيسو (أمريكي من اصل فلسطيني) حاملا رسالة من رونالد ريغان يطلب فيها من ياسر عرفات تأجيل الوساطة للافراج عن الامريكيين المعتقلين مقابل وعد بفتح أبواب البيت الأبيض لمنظمة التحرير الفلسطينية عند فوز ريغان .
    جري ذلك اللقاء في منزل بسام ابو شريف. وبعد ان ودع عرفات المبعوث الضيف وابتعد عنه مغادرا قال لبسام استفسر عن امكانية الحصول علي رسالة رسمية بهذا المعني . وافق ريغان لكنه لم يف بوعده بأعذار مختلفة!

    رحلة ابو عمار، التي هي الي حد كبير مسيرة الشعب الفلسطيني، من النسيان الي رقم صعب في معادلات السياسة الدولية، يرصدها ـ خصوصا في منعطفاتها الأساسية ـ بسام ابو شريف الذي ربطته علاقة نضالية مديدة بعرفات، قبل ان ينفصل عن المكتب السياسي لـ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ويصبح المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني اعتبارا من عام 1987. من بين فصول العلاقات الاولي يتذكر مجازفة طرابلس عام 1983. بعد الغزو الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية عام 1982 أصبح لبنان خطا احمر في السياسة الإقليمية والدولية أمام ياسر عرفات. لكنه تجاوز الخط الأحمر وعبر البحر المتوسط في رحلة سرية محفوفة بالمخاطر ليحط في طرابلس! في تلك الأيام التقي ابو شريف رئيسة وزراء الهند انديرا غاندي وطلب منها مساعدة الزعيم الذي كان يواجه خطرا شديدا. فقد اطبقت سورية الحصار عليه وانهالت نيران أدواتها الفلسطينية علي قواته محدودة العدد... تنهدت غاندي بعمق قائلة: مشكلة عرفات انه يعتمد كثيرا ويثق كثيرا بدول الجزيرة والخليج. وعليه ان يحذر من هذا وأن يكون فطنا. فهم لا يحبونه . وطلبت الرئيس حافظ الأسد بالهاتف وبكل عذوبة طلبت منه وقف ما يدور في طرابلس، وأن يسمح للرئيس عرفات ورجاله بأن يغادروا عبر الأراضي السورية لخطورة البحر الذي تتحكم به اسرائيل .

    لم يسمع ابو شريف ما قاله الأسد. لكن غاندي قالت له بعد انتهاء المكالمة: سلم لي كثيرا علي الرئيس عرفات. وقل له ان الهند تحبه وتحترمه كثيرا. وانه يواجه وضعا صعبا. لن يكون ممكنا خروجه عبر سورية. عليه ان يجري اتصالاته مع اوروبا وآمل ان يبقي علي اتصال بنا .
    من ايام المستشار يتذكر ابو شريف لحظة فريدة: حل الشخ زايد بن سلطان ضيفا علي ملكة بريطانيا وأقام في قصرها.. قصر بكينغهام الشهير. وهناك استقبله الشيخ لمدة ساعة. كان الوقت المقرر 20 دقيقة، لكن الرئيس الإماراتي الراحل كان مهتما، وقال بحزم: فلسطين أهم . وفي اليوم التالي نشرت صحيفة بريطانية يمينية خبرا بعنوان: ارهابي في بكينغهام. وقبل ان يستعرض هاتفيا للرئيس ما دار في اللقاء بادره مازحا: قصر بكينغهام يا بسام!

    الي جانب العناوين الكبري في حياة الزعيم، يرسم الكتاب صورة مقربة لشخص عرفات: مسلم ومؤمن، لا يقطع فرضا، منفتح ومتسامح، جريء وحكيم، متواضع وخجول جدا.. وعندما يتجرأ احد المساعدين علي رواية نكتة تراه يضحك بخجل واضعا كفه علي فمه، كأنه يخفي ضحكته . ولا تظهر في الكتاب هوايات للرجل عدا استمتاعه بأفلام الكارتون والمسرحيات. لقد سكنت فلسطين كل ثناياه. وانضم الي قافلة الحقائق التي سمت الي مرتبة الأساطير.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  3. #3
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    رفضوا تسليمه الدفة
    فتسلل الي فلسطين شهراً
    وعاد قائداً لـ فتح



    (1ـ 15)

    ياسر عرفات وجذور شجر الزيتون في الارض المقدسة



    2008/05/02

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك . وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!
    بسام
    ابو شريف



    صورة قلمية


    تواري العملاق ياسر عرفات. لكنه باق معنا نحن، وسيبقي مع الأجيال القادمة، وسيسجل التاريخ ان هذا العملاق قاد الفلسطينيين من وضع مشرذم الي وضع متحد، ليقوم الجميع بقيادته بنفخ الروح مرة أخري في قضية شعب ظلمه المستعمرون، واعتدي عليه الغزاة. فقد رسخ ياسر عرفات جذور شجر الزيتون في الأرض المقدسة. وأعاد لها هويتها الفلسطينية الكنعانية. وعبر المستنقعات وحقول الألغام، يقود شعبه في مسيرة العودة الطويلة.
    ياسر عرفات أصبح عملاقا لأن شعبه عملاق أيضا. وأدار بحنكة وذكاء تلك العملية التبادلية بينه وبين شعبه، تلك العملية التي رفعت مكانته كقائد وزعيم عالمي يشار له، حتي من أعدائه، ورفع هو بقيادته الفذة والحكيمة، والواقعية، من مكانة شعبه.
    من عدم الاعتراف بحقوقنا، ومحاولة طمس وجودنا (لا بل أحيانا نفي هذا الوجود، كما كان يحلو لغولدا مئير ان تفعل)، نقل ياسر عرفات شعبه المناضل والمرابط الي الاعتراف الدولي الكامل بحق هذا الشعب في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
    رجل شجاع، عندما تتطلب الظروف شجاعة تصل الي حد المغامرة، وحكيم اذا تطلب الأمر حكمة ومرونة حين تشتد العاصفة.
    جدلي في تفكيره، يربط عوامل صنع الوضع السياسي ربطا جدليا، مكنه من قيادة الفلسطينيين عبر المحن وتحت وطأة القصف التدميري، ومحاولة تهشيم ما بناه هذا الشعب من مؤسسات، الي شاطيء الدولة المستقلة.
    عندما التقيته في الكرامة، قبل المعركة الأولي بعد هزيمة حزيران (يونيو)، رأيت فيه ذلك الانسان الذي يمتلك نظرة ثاقبة ورؤية بعيدة المدي، لمعني ان نخوض معركة ضد جيش تمكن من الانتصار علي جيوش مصر وسورية والأردن في حرب 1967.
    دار نقاش حول ما العمل أمام الغزو الإسرائيلي المعد للأغوار لتدمير القواعد الفدائية التي أقيمت هناك.
    كان واضحا:
    يجب ان نلقن العدو درسا ونعطي اشقاءنا مثلا مهما كان الثمن، نحن حفنة قليلة أمام جيش الجبروت لكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بدعم من الله تعالي.
    ان قرارنا بالمواجهة سيعني الكثير، ليس علي الصعيد الفلسطيني بل لكسر طوق الهزيمة الذي احاط برقاب الجماهير العربية من المحيط الي الخليج.
    سوف نحدث التغيير، ونعلم الجميع أن بامكاننا أن نواجه، مهما بلغت قوة العدو العسكرية وهكذا كان.
    فقد شاهد المواطن العربي لأول مرة علي صفحات الصحف وعبر شاشات التلفزيون الدبابات الاسرائيلية مدمرة وجنودها المقيدين بالسلاسل محترقين.
    ونفضت الأمة العربية عن نفسها ترابا ثقيلا من الإحباط والشعور بالذل والضعف، لأنها رأت في نتائج قرار العملاق بارقة أمل جديد.
    من انتصار الكرامة انطلق العملاق ليرتفع بشعبه وليرفع مكانة شعبه في العالم.
    في العام 1948 قامت العصابات الصهيونية المسلحة بدعم من انكلترا ودول أخري، بتهجير مئات الآلاف من أهل فلسطين نحو الدول المجاورة، وتجاوزت عن سابق إصرار قرار التقسيم (تقسيم فلسطين إلي دولة لليهود ودولة للفلسطينيين ) الذي اتخذ عام 1947 في الأمم المتحدة، واحتلت كل الأرض الفلسطينية باستثناء قطاع غزة والضفة الغربية.
    ومنذ الهزيمة التي أنزلتها إسرائيل بالجيوش العربية (مصر، سورية، الأردن) في حزيران من العام 1967، أتيحت للفلسطينيين، ولأول مرة منذ العام 1948 بأن يمسكوا بأيديهم زمام قضيتهم وتحويل مركز القرار الفلسطيني إلي الفلسطينيين.
    ومنذ حزيران (يونيو) 1967 بدأ اسم ياسر عرفات بالبروز تدريجيا حتي أصبح القائد والرمز.
    ففي العام 1967 برز في الاجتماعات التي عقدت في دمشق، لإنشاء جبهة فلسطينية موحدة لخوض الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي.
    وعندما اختلفت قيادة فتح حول اختيار قائد لفتح، تسلل ياسر عرفات للأرض المحتلة، وأمضي أسابيع طويلة، ينظم صفوف حركة فتح هناك، وعاد ليقود حركة فتح دون منازع ونشر بيان مقتضب في العام 1968، في الصحف اللبنانية يعلن أن ياسر عرفات هو الناطق الرسمي الوحيد باسم حركة فتح ، ونشرت له صورة يضع فيها نظارات سوداء تخفي عينيه.
    هكذا يعرف المتابعون بداية مسيرة ياسر عرفات. لكن ياسر عرفات كان قد بدأ مسيرته قبل ذلك، فقد التحق كمتطوع في حرب 1948 مع القوات المصرية، كما انضم للمقاومة المصرية أثناء الغزو الثلاثي البريطاني، الفرنسي، الإسرائيلي، لقطاع غزة وسيناء وقناة السويس.
    أسس ياسر عرفات تنظيما طلابيا، ضم الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالجامعات المصرية، واستأجر مقرا لهذا التنظيم الطلابي، ليكون خلية عمل دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني. (تحولت رابطة الطلبة الفلسطينيين الي الاتحاد العام لطلاب فلسطين الذي يضم كافة الطلبة الجامعيين الفلسطينيين في شتي أنحاء العالم).
    وبعد نيله شهادة الهندسة، توجه إلي الكويت للعمل هناك كما كان يفعل معظم الفلسطينيين، الذين يتخرجون من الجامعات، فقد ساهم هذا الجيل من الفلسطينيين المتعلمين في بناء الخليج العربي مساهمة كبيرة.
    ولم تغب فلسطين عن ذهنه لحظة.
    إذ نشط أثناء عمله في الكويت لتكوين حركة فلسطينية هدفها تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، كما فعلت شعوب أخري لتحرير أوطانها.
    وبقي يتابع إنشاء هذه الحركة أثناء عمله في الكويت، وتنقله في البلدان العربية، لتجنيد الفلسطينيين لحركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح).
    وفي العام 1965 قررت الحركة بدء عملياتها والإعلان عن برنامجها.
    فغادر ياسر عرفات الكويت إلي المشرق العربي (سورية ولبنان)، وتعرض لملاحقة واعتقال أكثر من مرة.
    لكن الظروف التي ساعدت علي الانطلاق الحقيقي والواسع لهذا العمل الوطني التحرري، كانت ظروف ما بعد هزيمة حزيران.
    إذ لم تعد أجهزة الدول العربية المحيطة بفلسطين قادرة عمليا، ومعنويا وسياسيا علي ملاحقة الذين يعملون لتطوير الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. وكانت فرصة التقطها المناضلون ومنهم ياسر عرفات للانطلاق. ولم تعد مبررات عدم التوريط قائمة. فقد احتلت إسرائيل ما تبقي من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة ) وسيناء والجولان. وبهذا سقطت كل ذرائع منع العمل المسلح أو النشاط التنظيمي الرافد للعمل المسلح. كما سقطت ذرائع منع نقل السلاح الخفيف إلي الجبهات.
    ياسر عرفات وزملاؤه قيادات المنظمات التي رفعت شعار الكفاح المسلح كانوا يعلمون تمام العلم ان هذه الفرصة مؤقتة، وسرعان ما تزول بإعادة بناء الدول المحيطة بفلسطين أجهزتها وجيوشها.
    فأصبح عامل الوقت عاملا مركزيا في عملهم، لبناء شبكة المقاومة المسلحة داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وقواعد الإسناد خارجها.
    حتي تلك اللحظة كانت التنظيمات الفلسطينية التي تدعو للكفاح المسلح، وتعمل لتهيئة البنية التحتية له، تعتبر خارجة عن قانون الدول العربية.
    ففي العام 1964 أنشأت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني اللذين بقيا تحت سقف القرار العربي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي.
    ونالت م.ت.ف اعتراف الدول العربية ودعمها، وتعاملت معها الدول العربية كممثل للشعب الفلسطيني.
    وضع ياسر عرفات نصب عينيه السيطرة علي منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت اطارا معترفا بشرعية تمثيله للشعب الفلسطيني.
    وكان أمر قيادة الكفاح المسلح غير محسوم في تلك الفترة. فقد شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قطبا التف حوله الآلاف. وكانت الجبهة الشعبية تحظي بدعم من مصر والعراق في الوقت الذي كان زعيمها الدكتور جورج حبش يرزح في سجن الشيخ حسين بدمشق .
    من هنا رأي ياسر عرفات بنظرة ثاقبة أن الهيمنة علي م.ت.ف سوف تعطي فتح دفعة كبيرة علي طريق قيادة الثورة .
    وفي الوقت الذي كان يخطط فيه ياسر عرفات للهيمنة علي منظمة التحرير الفلسطينية، خرجت الجبهة الشعبية بموقف يرفض الانغماس في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، الذي سينتخب قيادة فلسطينية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية. والتقط ياسر عرفات موقف الجبهة الشعبية (الثوري) ليسيطر علي م.ت.ف ، وهكذا تحولت م.ت.ف (الشرعية والمعترف بها) الي هيكل كبير لحركة فتح.
    وانتخب ياسر عرفات رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (وهي عضو كامل في جامعة الدول العربية)، فأمسك ياسر عرفات بذكاء وحنكة بالموقع الشرعي والمعترف به، وبموقع الكفاح المسلح علي الأرض، وظل يمسك بهما. وتمكن في معظم الحالات والظروف من ربط الموقعين، أو الفصل بينهما بذكاء، مما وفر له اكبر قدر ممكن من الدعم والحماية، واستخدم في اللحظات الحرجة الموقعين، الواحد ضد الاخر، ليخلق ربطا فاعلا، كان في معظم الحالات يمكنه من اتخاذ القرار الذي سبكه في ذهنه.
    إذ كان عندما يواجه موقفا معارضا في صفوف قيادة فتح (اللجنة المركزية)، كان يلجأ للجنة التنفيذية، ويستخدم رأيها للضغط علي قيادة فتح، والعكس كان أيضا صحيحا، إذ عندما تعارض اللجنة التنفيذية كان يستخدم قرار فتح للضغط علي اللجنة التنفيذية.
    واحد من عمالقة العالم السياسيين وأصبح العملاق بعد وفاة جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر، وجوزيف بروز تيتو، وانديرا غاندي.
    ونقول العملاق، لان الذي واجهه ياسر عرفات في قيادة شعبة نحو الحرية والاستقلال، لم يواجهه عملاق آخر من عمالقة العالم، رغم أن ما واجهوه صعب ومعقد وتطلب تضحية عظيمة.
    كون ياسر عرفات عملاقا سياسيا، ينبع من كون قضية شعب فلسطين القضية الأعقد في تاريخ البشرية، وينبع أيضا من ضخامة معسكر أعداء القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وتكالب هذا المعسكر لتشتيت وتفتيت الشعب الفلسطيني وإذابة هويته الوطنية.
    فقد كبر ياسر عرفات بكبر قضية شعبه ونهض شعبه بفضل قيادته وحنكته السياسية، وقدرته علي عبور حقول الألغام، التي زرعت في طريق النضال الفلسطيني في كل مكان، وفي كل اتجاه.
    وكلما حوصر ياسر عرفات وقوات الثورة خارج فلسطين، هب الفلسطينيون للنصرة. وكلما اشتعلت نار الثورة داخل الأرض المحتلة، تتحرك قيادة الثورة لإسناد انتفاضة الشعب. تناغم وتضافر ووحدة دون رابط جغرافي، صنعوا المعجزات وشقوا طريق الصخر.
    المشاهدون في الغرب، عندما يشاهدون ياسر عرفات، لا يخرجون بانطباع صحيح عن شخصية هذا الرجل، خاصة عندما يتحدث باللغة الإنكليزية ـ فهو لم يدرس في انكلترا أو الولايات المتحدة ليتقن اللغة واللهجة كما يتقنها بنيامين نتنياهو مثلا.
    لكن الذين قابلوا ياسر عرفات ذهلوا لان الانطباع مختلف جدا، فشخصيته تأسر، وأدبه الجم وكرمه وسرعة بديهته تلعب دورا أساسيا في رسم الانطباع عند الآخرين.
    ياسر عرفات حازم وصارم عندما يبت بأمر بالمهام والعمل والإنجاز.
    وهو دمث ولطيف ومهذب مع ضيوفه وزواره من سياسيين وإعلاميين وقادة ومواطنين. حنون علي الضعفاء، يحب الأطفال ويحمي النساء اللواتي يتعرضن للظلم.
    ياسر عرفات مسلم ومؤمن، لا يقطع فرضا، لكنه منفتح الذهن ومتسامح ويؤمن بالتعايش والتوحيد.
    أمين علي ما عهد به إليه، ويتعامل مع المواطنين سواسية، مسيحيين كانوا، يهودا، أم مسلمين.
    جريء عندما يتطلب الظرف ذلك وأحيانا تصل جرأته حد المجازفة. لكنه حكيم في الوقت ذاته ويحسب للأمور حسابها. شجاعته ليست موضع نقاش، فالكل يعرف انه خاض ويخوض معارك شعبه بروحه وعقله وجسده، وهذا ما اكسبه احتراما وهيبة لدي شعبه منذ معركة الكرامة، مرورا بمعارك أيلول 1970 في الأردن، ومعارك لبنان العديدة وأهمها غزو شارون للبنان ومحاصرة قيادة الثورة وقيادة الحركة الوطنية اللبنانية في بيروت العاصمة.
    حسه الأمني خارق لدرجة كبيرة، ولا يعتمد في ترتيباته الأمنية الا علي نفسه وجهاز من حرسه الخاص، ينتقي أعضاءه بحذر شديد، ويخضعون لتجربة طويلة.
    نجا من عدة محاولات اغتيال حاولت الأجهزة الإسرائيلية القيام بها، وكذلك الطيران الحربي الإسرائيلي. وتراوحت هذه المحاولات من محاولة دس السم له في بيروت إلي قصفه في شوارع بيروت بطائرات اف 16 ، إلي محاولة تدمير مقره برام الله فوق رأسه.
    لكنه نجا من كل ذلك بحسه الأمني الخاص، وبسرعة تحركه، وتنقله من مكان لاخر.
    ياسر عرفات متواضع وخجول جدا، ونادرا ما يسمح لنفسه بالضحك. فهو متواضع أمام المتواضعين، لكن كبرياء شعبه المناضل تنتصر دوما. عندما يواجه مواقف يشعر فيها أن شعبه تهضم حقوقه، أو يهان، يثور عندها لكرامة شعبه، ويتخذ مواقف تتميز بالكبرياء والعزة.
    فكم من مرة رأيته يثور كبرياء أمام رؤساء وملوك تعاملوا مع شعبنا ونضاله تعاملهم مع شعب مهيض الجناح.
    يجلس علي الأرض ليتناول الطعام مع المقاتلين، ويتصرف حسب البروتوكول علي موائد الملوك والرؤساء. يقاتل في خنادق المناضلين ويتفقد حرس الشرف الرئاسي عندما يقوم بزيارة رسمية لدولة من الدول. وهو خجول كما قلت ومهذب. يقف دائما عندما يصافح امرأة أو فتاة كما يركع ليعانق طفلا أو طفلة. وعندما يتجرأ احد المساعدين علي رواية نكته من النكت، تراه يضحك بخجل واضعا كفه علي فمه، كأنه يريد أن يخفي ضحكته. يهوي رؤية أفلام الكارتون المضحكة والمسلية وكذلك المسرحيات.
    علي مائدته يحرص أن يأكل الآخرون قبله، وغالبا ما يمد لضيوفه الطعام، ويستحسن لهم أصنافا منه وعندما يريد أن يكرم احدهم بشكل خاص يقتطع من صحن الحلاوة الخاص به، شرحة ويقدمها لضيفه أو يناوله لقمة من خبز القمح الصافي مغمسة بالعسل الصافي، (الذي يحبه عرفات).
    وياسر عرفات لا يدخن، ولا يشرب الكحول، ويحافظ علي نظام طعام صارم. يحب تناول السمك، ومن الفواكه يحب الجوافة، وفي الصباح يتناول الخضار والذرة الصفراء.
    بين الحين والاخر، يحب ياسر عرفات أن يتناول صحنا من الحلوي، واهم الحلوي لديه ما يسمي أم علي .
    لكنه زاهد جدا بشكل عام في طعامه ولباسه.
    منذ أن غادر الكويت، لم يلبس ياسر عرفات سوي لباس المقاتلين الا عندما اضطر للتنكر أو التخفي، ويرفض أن يكون لباسه العسكري لباسا خاصا، بل يختاره من اللباس الذي يوزع علي المقاتلين.
    وأذكر أنني أهديته معطفا عسكري اللون لأنه كان علي وشك التوجه إلي موسكو في زيارة رسمية، ولم يكن لديه معطف حقيقي يقيه برد وصقيع موسكو. احتج في بداية الأمر كون المعطف ثمينا.
    فقلت له ان برد موسكو شديد ولا يمكن لثيابك العادية أن تقيك من بردها.
    وبعد تردد قرر أن يلبس المعطف وحماه من برد موسكو.
    وعرفات لا يحب الطقس البارد ويتحاشاه، ويحب الجو الحار خاصة عندما يخلد للنوم. واذكر أننا كنا نعاني الأمرين من حر بغداد خاصة في الليل، فقد كان الرئيس عرفات يأمر بإيقاف التبريد المركزي عندما يتوجه لغرفة النوم، وكنا نحن نعاني بينما هو يغطي نفسه، دون تبريد بعدة بطانيات.
    يحب الجمال ويعجب به سواء كان جمال البشر أو الطبيعة أو الفن.
    كان يرتاح ويسر عندما يري أن من يرافقونه يتمتعون بالأناقة والشكل الجيد. ومصدر السرور، كما احلله، هو انه كان يفتخر أمام الاخرين بالشباب الفلسطيني الكفوء والأنيق.
    لا يحب السمنة، ولا يفلت ضابط من ضباط الجيش من تعليقه اللاذع، إذا لاحظ ان وزنه زاد عن الحد المقبول، ولا يتردد في ابداء ملاحظة حول الوزن، إذا لاحظ زيادة فيه لدي أي من مساعديه أو وزرائه أو مستشاريه. ويعجب ياسر عرفات بالمرأة الجميلة ولا يتردد في ابداء ملاحظة تمدح جمالها أو أناقتها بتهذيب شديد، فهو يعلم أن هذا المديح سوف يثلج صدر المرأة ويجعلها سعيدة.
    قلائل هم الذين شاهدوا ياسر عرفات يمسك بالإبرة والخيط ليغلق ثقبا في جرابه. وأنا احد هؤلاء القلائل. وعندما سألته لماذا تفعل ذلك؟
    قال: حتي لا ارمي الجراب وحتي استخدامه مدة أطول، ولان هذا العمل يريح أعصابي قليلا، لأنه يبعدني عن العمل الذهني.
    خلال السفرات البعيدة، ينام ياسر عرفات ملء جفنيه في الطائرة، ولا يستيقظ حتي حين تهتز اهتزازا مقلقا. ويستيقظ قبل الهبوط بنصف ساعة ليستعد للعمل.
    اذكر أننا اقلعنا للجزائر من تونس في جو عاصف جدا، وكان المرحوم عبد الرحيم احمد ضمن الوفد المرافق للرئيس الذي خلد للنوم علي مقعده. اهتزت الطائرة اهتزازا شديدا، وفجأة هوت الطائرة عشرات الأمتار مما افقد الجالسين توازنهم. وعندها فتح ياسر عرفات عينيه وقال ماذا حصل ؟
    ابلغوه بأن مطبا هوائيا كبيرا واجهنا، وان الأمور الآن علي ما يرام.
    فأغلق عينيه ثانية وخلد للنوم.
    وقرر عبد الرحيم احمد ألا يعود علي نفس الطائرة الصغيرة إلي تونس وان يتوجه بطائرة تجارية كبيرة.

    وعرفات مثقف ثقافة عالية من خلال مطالعاته وخلفيته العلمية (كمهندس)، والأحب له ربط معلوماته وثقافته ربطا مفيدا بالواقع السياسي، وبالصراع دوليا وإقليميا ومحليا، فمعرفته بالتاريخ كبيرة، ومعرفته بتفاصيل بعض فصول التاريخ مذهلة. وكنت استمتع بالإصغاء له عندما يسرد قصصا تاريخية ترتبط بالبلدان التي نطير فوقها، ونحن متوجهون في زيارة لبلد ما. سرد لنا مرة تاريخ الأسطول اليمني (حضرموت) وكيف وصل إلي اندونيسيا وسنغافورة. وتحدث عن وسط مدينة سنغافورة وكيف أن اليمنيين حولوه إلي وقف يمني حتي لا يشتريه الصينيون الذين كان يدفعون بموجات بشرية كبيرة نحو سنغافورة.
    وبقيت مباني وسط المدينة في سنغافورة حتي اليوم وقفا إسلاميا يمنيا.
    وتحدث حول موزامبيق ولماذا يطلقون عليها هذا الاسم؟ فالقائد العربي الذي نزل إلي شواطئها كان يدعي موسي بن شفيق ومع الزمن لفظ اسم موسي بن شفيق موازمبيق.
    لم أكن أعرف هذه المعلومات ودهشت وسررت لسماعها.
    واكتشفت أن ياسر عرفات كان يلم بعادات وتقاليد كل بلد من البلدان التي زارها، وانه كان يلم بوضعها الاقتصادي، ومشاكلها الاجتماعية والطائفية والسياسية.
    وعلي سبيل المثال كان يلم إلماما كاملا بتاريخ وتقاليد القبائل الأفغانية، وتناقضات أفغانستان الطائفية وتناقضاتها القبلية، وكان يلم بأسماء أمراء القبائل ومنافسيهم، أو صلات القربي بينهم. كان مدهشا بالفعل.
    يلم ياسر عرفات بتاريخ اليهود، ومدارس الفكر الصهيوني، إلماما كاملا عبر التاريخ الطويل. ويدهش في كثير من الأحيان زواره من اليهود بعمق معرفته هذه.
    وبطبيعة الحال يلم ياسر عرفات بتاريخ فلسطين إلماما كبيرا جدا، ويعرف تفاصيل نضال هذا الشعب علي مدي قرون. وكيف واجه هذا الشعب الغزوات الكبري التي تعرضت لها فلسطين.
    هذه الصفات المميزة، والمعرفة الواسعة، والخلفية العلمية لدي ياسر عرفات مكنته، استنادا لنضال شعبه، بان يصبح عملاقا من عمالقة الحرية والتحرر في العالم.
    وحافظ ياسر عرفات دائما علي العلاقة الوثيقة بصفوف الشعب، وقدرته القيادية علي اتخاذ قرارات حاسمة (وان لم يعجب بها الشعب لفترة من الوقت) مكنته من الصمود والاستمرار.


    القيادة علي ارض المعركة


    في الخامس من حزيران (يونيو) 1967 ألحقت إسرائيل بالدول العربية هزيمة كبيرة. فقد دمرت خلال ساعات السلاح الجوي لكل من مصر وسورية والأردن، واجتاحت دون عقبات، سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة واحتلتها.
    وساد في العالم العربي جو من الكآبة والإحباط والشعور بالذل، وراحت إسرائيل تتباهي بعدوانها واحتلالها للأراضي العربية، وطأطأ العرب رؤوسهم خجلا وحنقا.

    وحاولت الجماهير التعبير عن هذا الحنق، والشعور بالذل بالخروج بمظاهرات عارمة، استهدفت السفارات الاميركية والبريطانية في الشرق الأوسط، وذلك تعبيرا عن قناعتها بأن هذه الهزيمة ما كانت لتلحق بمصر وسورية والأردن، لولا مساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا لإسرائيل.
    كنت آنذاك كادرا من كوادر حركة القوميين العرب، التي أسسها الدكتور جورج حبش ولفيف من زملائه، منهم الدكتور وديع حداد، والدكتور احمد الخطيب(الكويت)، وهاني الهندي (سورية)، وباسل الكبيسي (العراق)، وكانت معهم قيادات من ليبيا ومصر والمغرب والجزائر والأردن واليمن والسعودية.
    واثر تلك الهزيمة، اجتمعت اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب في بيروت، في شهر تموز (يوليو) من العام 1967، لتناقش الوضع الخطير الذي آلت إليه الحالة العربية.

    واتخذت قرارات عديدة، كان أهمها قرار تحويل الحركة من حركة مركزية التوجيه إلي حركة لا مركزية، تتولي قيادة كل إقليم (في ظل النظام الجديد) أمور الإقليم، ورسم برامجه، ووضع الآلية المناسبة لتنفيذ البرنامج القطري.
    وأن تتولي أمانة عامة يرأسها الدكتور جورج حبش التنسيق والتعاون والدعم المتبادل بين قيادات الأقاليم والأقطار.

    وعليه فقد صدر الأمر من اللجنة التنفيذية للحركة بفرز شامل في صفوف الحركة، بحيث يلتحق كل عضو باقليمه، وتم ذلك من القاعدة للقمة. كانت الخلايا عربية الطابع، أي كنت تجد مثلا في خلية من خلايا حركة القوميين العرب البحريني والقطري والفلسطيني والمغربي .

    وبعد قرار اللجنة التنفيذية أصبح لزاما علي القطري أن يلتحق بخلية قطرية لتنفيذ برنامج قيادة إقليم قطر، وهكذا.
    وفرز الفلسطينيون لخلاياهم الفلسطينية، وأصبح لزاما علي قيادة إقليم فلسطين أن ترسم برنامج عمل وآلية تنفيذه.

    وكانت حركة القوميين العرب قد فكرت بالكفاح المسلح منذ النكبة، وأنشأت عدة تنظيمات لم يكتب لها النجاح، مثل كتائب العودة في أوائل الخمسينيات. لكنها بدأت بالتحضير الجدي للكفاح المسلح منذ عام 1964، فأنشأت تنظيم شباب الثأر وتنظيم أبطال العودة .

    لكن التنسيق مع الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، أبقي هذه التنظيمات ضمن شعار فوق الصفر تحت التوريط .
    ذلك أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، صارح قيادة الحركة بان مصر غير جاهزة لمواجهة حرب مع إسرائيل في تلك الظروف وفي ذلك الزمن. فاكتفت الحركة بتدريب الكوادر والأعضاء عسكريا (معظمهم في معسكرات تدريب في مصر وسورية)، وبالاستطلاع وتخزين الذخائر والسلاح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

    واستشهد خلال تلك العمليات الاستطلاعية والتخزينية عدد من الشباب.
    لكن هزيمة 1967 غيرت كل الموازين وألقت بشعار فوق الصفر تحت التوريط جانبا. وتسلم قيادة إقليم فلسطين الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد.

    وبدأت عجلة العمل تدور. آلاف من الشباب دربوا ويعرفون كيف يستخدمون السلاح. وبدأ البحث يدور حول الشكل الذي سيتخذه الإقليم الفلسطيني لبدء القتال ضد الاحتلال. وتم الاتفاق علي الدعوة لتوحيد كافة الفصائل الفلسطينية التي رفعت وترفع شعار الكفاح المسلح طريق تحرير فلسطين. وتم ذلك بعقد اجتماع نهاية شهر تموز (يوليو) من العام 1967 في دمشق. وشارك آنذاك في الاجتماع: فتح، شباب الثأر، أبطال العودة، وجبهة التحرير الفلسطينية (بقيادة احمد جبريل).

    وبدأ الحوار لتوحيد كافة التنظيمات في جبهة فلسطينية واحدة لمواجهة الاحتلال. ونجحت الفصائل في وضع برنامج عمل مشترك، وحدد موعد لاجتماع نهائي، يعلن بعده قيام الجبهة الوطنية الفلسطينية لتحرير فلسطين. وفي الموعد المحدد لذلك الاجتماع لم يحضر ممثلو فتح.
    فأعلن عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ضمت جبهة التحرير الفلسطينية (احمد جبريل) وشباب الثأر وأبطال العودة وترك الباب مفتوحا لكل من يرغب في الانضمام للجبهة الجديدة.
    ما الذي جري؟ لماذا لم يحضر ممثلو فتح ذلك الاجتماع؟


    من هو المسؤول


    في تلك الأيام عاشت قيادة فتح (اللجنة المركزية) صراعات داخلية حول القيادة ومسؤوليات أعضاء القيادة.
    فهزيمة 1967 منحت قيادة فتح الفرصة لتظهر للعلن بعد أن كانت سرية ومطاردة من معظم الدول العربية، خشية أن تورط تلك الدول في حرب مع إسرائيل.
    وما ان بدأت اجتماعات التوحيد بين الفصائل في دمشق، حتي برزت مشكلة لم يفكر بها أحد من قيادات فتح، عندما كانت سرية الطابع.
    من هو المسؤول؟

    كانت فتح ضمن نظامها الداخلي، تعتبر أعضاء اللجنة المركزية سواسية ومتكافئين، ولهم نفس الحقوق والواجبات، وكان هذا ملائما جدا في مراحل العمل السري منذ عام 1965.
    لكن الظروف اختلفت، وأصبح من الضروري أن يكون لفتح قائد، أو رئيس للهيئة القيادية وأصبح هذا ضروريا، بشكل خاص، بعد أن طلبت المجموعة القيادية صغيرة العدد، من فروع فتح (أساسا الخليج) إرسال مرشحيها للقيادة، وذلك لتوسيع صفوف القيادة، كي تكون قادرة علي تحمل المسؤولية ومتابعة العمل الذي أصبح ضخما ومتشعبا.
    ياسر عرفات كان الأنشط والأذكي والأقدر علي القيادة، لكن ذلك لم يتم بسهولة فقد رفض أعضاء في القيادة تسليمه الدفة.
    وفي اجتماع عاصف سبق اجتماع الفصائل للوحدة الوطنية بيومين، غضب ياسر عرفات وخرج من الاجتماع.
    وفي اليوم التالي، حاول زملاؤه الاتصال به عبثا. وراحوا يبحثون عنه، فوجدوا في الغرفة التي كان يشغلها بدمشق ورقة صغيرة كتب عليها ياسر عرفات:
    القيادة في الميدان .
    أي ميدان؟ الأرض المحتلة طبعا.
    في تلك الليلة اتخذ ياسر عرفات قرارا أمام مواقف بعض زملائه في القيادة. اتخذ قرارا بان يتسلل للأرض المحتلة.
    كان ياسر عرفات قد فكر بذلك، حتي قبل نشوب خلاف حول من يقود فتح.
    فعبر الحدود للأردن، والتقي بإخوة له قرب مدينة اربد، ومن هناك توجهوا جميعا نحو غور الأردن. واقتربوا من نهر الأردن.
    كان أخوته قد اختاروا له منطقة، كان بها غاطس نهر الأردن سطحيا وليس عميقا. وعبروا جميعا للجانب الآخر من غور الأردن ـ الضفة الغربية من النهر ولم يقفوا لحظة لالتقاط الأنفاس. فقد كان معلوما أن السير من تلك النقطة إلي طوباس أو جوارها، يستغرق علي الأقل عشر ساعات، وكان عليهم أن يختبئوا في مغاور معروفة للفلسطينيين، مرتسمة علي طول تلك الطريق التي تتلوي من الغور (تحت سطح البحر) إلي جبال نابلس.
    وحث الجميع الخطي.
    وكلما تهالك أحدهم تعبا وطلب بعض الراحة، كان عرفات ينظر له ويقول الفدائي لا يتعب ـ شد حيلك قاربنا علي الوصول .
    بعد عناء وتعب شديدين، وصلت المجموعة لنقطة الاتصال مع قيادة تنظيم فتح في الضفة الغربية.
    اخذ الجميع قسطا جيدا من الراحة، وتناولوا الطعام، ثم انهال ياسر عرفات تخطيطا لاستغلال الوقت، فقد كان يعلم أن الإسرائيليين سيعلمون بوجوده أجلا أم عاجلا، وان عليه أن يستغل كل دقيقة لربط التنظيم وشده ومعرفة حاجاته وبالطبع لإعلامه انه القائد.
    تنقل ياسر عرفات من منطقة لأخري، ومن قرية إلي أخري، ونام في المغاور والبيوت وتحت الأشجار، وأوشك علي استكمال عمله بعد ثلاثة أسابيع.

    وفي ليلة من الليالي، كان عرفات نائما في إحدي المغاور قرب رام الله، عندما هزت سقف المغارة جنازير مصفحة إسرائيلية، فهب هو ومن معه من النوم وراحوا ينصتون ـ كلام بالعبرية وأوامر تصدر وجنود يتحركون. أشار ياسر عرفات للمجموعة بوضع إصبعه علي فمه، طالبا منهم عدم الكلام.
    وانتظروا. وبدت الدقائق ساعات طويلة.
    واستمر هذا الوضع قرابة ساعتين ومصفحات إسرائيلية تقف علي أرض هي سقف المغارة التي يختبيء بها ياسر عرفات.
    وبدأت أصوات الجنود تتلاشي وهدير جنازير مصفحاتهم يختفي.
    إنهم يغادرون.
    رغم ذلك أشار ياسر عرفات للمجموعة بألا تتكلم.
    وراح ينظر لساعته.
    وبعد مضي نصف ساعة علي مغادرة المصفحات والجنود ذلك الموقع أشار ياسر عرفات لأحد الإخوة (الذي كان من أهل البلد) أن يخرج ليراقب ويتأكد من عدم وجود أحد ففعل.
    عاد أحمد للمغارة وقال تجولت في المحيط، لا يوجد أحد، فقد غادروا.
    ابتسم ياسر عرفات، ونظر إلي أخ آخر كان يفهم اللغة العبرية وسأله (رغم الاطمئنان) هامسا: هل فهمت ماذا كانوا يقولون؟
    فأجاب: لقد فهمت معظم ما قالوه. كانوا يبحثون عن قائد تنظيم المخربين ولديهم أوصافه..... انه أنت؟


    عرفات يصل القدس



    ابتسم ياسر عرفات مرة أخري وقال:
    يا اخوان علينا أن نتوجه للقدس .
    القدس . صرخ الجميع بهمس.
    أجاب نعم القدس يجب أن أغادر الضفة. لقد استكملت عملي وأتمني لو كان بامكاني البقاء هنا. لكن واجبي يفرض علي أن أهيئ لكم العدة ورباط الخيل.
    بحث الأخوة بين بعضهم البعض أفضل الطرق للوصول للقدس واختاروها.
    قال ياسر عرفات: هل نتوكل ؟
    قالوا أجل.
    وتحرك الركب للقدس.
    لم تسلك المجموعة الطرق الرئيسية، بل توجهت للقدس عبر طرق فرعية ملتوية، وعبرت مجموعة من القري المحيطة بالقدس.
    وصلوا في ساعة متأخرة من الليل مخيم عناتا الذي أقيم في قرية عناتا (إحدي القري التي تشكل مدخلا من مداخل القدس).
    كان المخيم هادئا وأنواره مطفأة ولا أحد في أزقته.
    كان الجميع نياما.
    سارت المجموعة في زقاق من الأزقة يؤدي بنهايته لشارع جانبي يقودهم للقدس.

    وفجأة سمع الجميع صرير شباك يفتح ببطء، مفاصله صدئة.
    وأطل نصف رأس من فتحة الشباك وهمس من أنتم؟
    فأجاب أحد الإخوة أصدقاء
    عاد الصوت يهمس هل تحتاجون لمساعدة ؟
    فجاءه الجواب: كلا شكرا.
    ثم تذكر ياسر عرفات شيئا فقال له: هل تعرف كيف نصل لبيت أبو يوسف؟
    فأجاب انه جاري.
    عندها فتح الشباك كاملا وأشار صاحب الرأس المطل من الشباك إلي بيت مقابل بيته.
    شكره الجميع وتوجهوا للبيت المقابل.
    استقبلهم أبو يوسف بالترحيب بعد أن بدت عليه علامات الدهشة والمفاجأة عندما رأي ياسر عرفات.
    عانق ياسر عرفات عناقا حارا وأغلق الباب وراءهم بسرعة.
    ابتسم ياسر عرفات وقال لأبو يوسف: جاهز يا أبو يوسف؟
    سنبدأ العمل قريبا، أريد همتك وهمة الشباب.
    فأجاب أبو يوسف: كلنا جاهزون.
    ونظر اليه ياسر عرفات قائلا:
    الموضوع جاهز؟
    فأجاب أبو يوسف طبعا .
    وأخرج من جيبه الداخلي هوية.
    هوية القدس..
    انها هوية ياسر عرفات.
    الصورة لياسر عرفات وباقي التفاصيل لقريب من أقاربه من سكان القدس.
    شكره ياسر عرفات وقال في الصباح نتوكل علي الله .
    وهكذا كان.

    في الصباح الباكر تحركت المجموعة باتجاه أريحا، وعبر ياسر عرفات نهر الأردن شرقا، مستخدما تلك الهوية التي لم يشك بها الإسرائيليون الذين كانوا يسهلون خروج الفلسطينيين من الضفة، ويصعبون دخولهم أو عودتهم.

    وصل ياسر عرفات إلي دمشق بعد شهر من مغادرته لها، اثر ذلك الاجتماع العاصف. فقد أمضي في الأردن بضعة أيام لتنظيم الأمور، والإعداد لمرحلة جديدة من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد كان واضحا لجميع الفصائل أن نهر الأردن سيكون المعبر الرئيسي للمقاتلين، والسلاح، والذخائر للأرض الفلسطينية المحتلة.
    وعندما وصل إلي دمشق أبلغ زملاءه من قيادة فتح بوصوله من الأرض المحتلة فأسرعوا للسلام عليه وتهنئته بالعودة سالما.
    وقام ياسر عرفات بشرح مفصل لما قام به داخل الأرض المحتلة، وعن احتياجات التنظيم في الداخل وعما رتبه في الأردن. وقال لهم حان وقت الجهاد، علينا أن نعمل بلا كلل.

    كرس ياسر عرفات قيادته لفتح، وفي اليوم التالي لذلك الاجتماع، نشرت الصحف في لبنان خبرا من عدة أسطر مع صورة صغيرة لياسر عرفات يضع نظارة سوداء.
    كان الخبر إعلانا بأن ياسر عرفات هو الناطق الرسمي الوحيد باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).
    وبدأت مهمته الصعبة، وبدأ المشوار الطويل.
    وكانت الخطوة الأولي البحث عن الأسلحة والذخيرة التي تركت في الجولان بعد أوامر الانسحاب التي صدرت للقوات السورية أثناء الحرب.
    كان ذلك المصدر الأول للأسلحة والذخيرة.

    قام عدد من الأخوة بهذه المهمة بعد أن دشن ذلك ياسر عرفات بسيارته فولكسفاغن ، ليبث الحماس في عروق الأخوة لجمع أكبر كمية ممكنة من السلاح، والذخيرة، ونقلها إلي غور الأردن ليتم تهريب الجزء الأكبر منها للضفة الغربية المحتلة، والاحتفاظ بجزء منها لقواعد الارتكاز في الأغوار.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  4. #4
    مدير عام الصورة الرمزية أبو حميد
    تاريخ التسجيل
    Feb-2012-14
    الدولة
    مصر - الكويت
    المشاركات
    9,962

    افتراضي

    العنوان مضلل قليلا يا أخ أسامه وأقترح تغيره بتناسق مع عرض مذكرات بسام أبو شريف وهي المذكرات التي كنت انتوي نقلها عند نهايتها ولكن من سبق لبق.

    وبخصوص دول الخليج وعدم حبها لعرفات لم أجد شيء سوى كلام أنديرا غاندي الذي لا أعرف سببه ولكن كلام الرجل نفسه عن الشيخ زايد "فلسطين أهم" ومعلوماتي السابقة عن المساعدات الكويتية لعرفات وخصوصا من الشيخ سعد خلال أيلول الأسود وحصار بيروت ومعرفة حجم التمويل المقدم من دول الخليج لعرفات وللمنظمة يجعلوني متشككا في صحة كلام أنديرا غاندي أو على الأقل في صحة مفهومها هي لطبيعة العلاقات بين دول الخليج والمنظمة.

    وأعتقد أن صحيفة القدس ولما لها من علاقات سيئة بدول الخليج أختارت نفس العنوان الغير معبر عن مضمون الحلقة لغرض في نفسها.

  5. #5
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    القذافي يخطف عرفات خلال قمة للصمود والتصدي في طرابلس

    ليصالحه مع الملك حسين في عمان


    (3 - 15)

    بسام ابو شريف



    شاب يسلم المقاومة خطة غزو لبنان قبل 5 أشهر من تنفيذها

    2008/05/04

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.

    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!


    قمة طرابلس 1977:

    هيمنت علي تلك القمة التي حضرتها، ثلاثة مواضيع رئيسة:
    * كيفية مواجهة خط السادات السياسي.
    * إعادة توحيد صفوف م.ت.ف التي كانت منقسمة ومتصارعة.
    * رأب الصدع في العلاقة السورية العراقية.
    فشلت كافة الجهود لإقناع العراق بالانضمام لجبهة الصمود والتصدي. وكان واضحا لي أن العراق الذي اتخذ موقفا سياسيا معارضا لخط السادات لم يكن منطقيا، أو منسجما مع نفسه عندما أبرز أسباب عدم موافقته علي الانضمام لجبهة الصمود والتصدي.
    أما علي الصعيد الفلسطيني فقد نجحت الجهود في إعادة توحيد صفوف الفلسطينيين وصدر بيان للرأي العام حول ذلك وانضمت م.ت.ف لجبهة الصمود والتصدي.

    واتفق الجميع علي مواجهة خط السادات السياسي.
    هذه النتائج لم تكن سهلة المنال. لا بل كانت صعبة جدا.
    فقد دب خلاف حول من يحضر من الفلسطينيين جلسة القمة. الرئيس ياسر عرفات أراد أن يكون الوفد الحاضر وفد م.ت.ف لكن إصرار الدول مكن تنظيمات شكلت جبهة الرفض الفلسطينية، المعارضة لخط ياسر عرفات من الحضور. وقررت أن يحضر جورج حبش واحمد جبريل.
    وعندما أيقن الرئيس عرفات أن هذا سيتم أصر علي دعوة نايف حواتمة لحضور الجلسة. وكانت الجبهة الديمقراطية قد رفضت الانضمام لجبهة الرفض وبقيت في الوسط بينها وبين الرئيس عرفات.

    وأدلي الجميع بكلماتهم.
    الدكتور جورج حبش بدأ يطرح بهدوء الخط السياسي الذي يقترحه لمعارضة السادات . فقاطعه الرئيس حافظ الأسد (وكانت المرة الأولي التي يراه فيها) قائلا: أريد أن أسالك..... أنت دكتور طب أم سياسة؟ فأجابه أكثر من شخص دكتور طب.
    فاستمع الجميع له .
    وحرص الرئيس عرفات علي ترك المجال لنايف حواتمة بالحديث قبله، فبدأ كلمة طال أمدها لدرجة أن الرئيس هواري بومدين قاطعه قائلا: قل لنا ماذا تريد بالضبط.

    وعلي هامش الجلسات لقمة الصمود والتصدي، بدأت الجهود والضغوط لتوحيد الصف الفلسطيني. ولعب صلاح خلف دورا بارزا في ذلك وتعاونت معه إلي أبعد الحدود. وطلب مني أبو أياد أن أصيغ بيانا حول إعادة الوحدة لصفوف م.ت.ف فنظرت إليه متسائلا؟
    (لأن هذا لم يتم بعد).
    ابتسم قائلا: سيتم.
    صغت البيان، تدخل الليبيون والجزائريون ومورس الضغط فوافق الجميع. كان بيان إعادة التوحيد، خاليا من أي إشارة لموافقة م.ت.ف علي قرارات 242 وإقامة دولة فلسطينية علي الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. كان يشير فقط لمعارضة منهج السادات. ولم يكن الرئيس ياسر عرفات راضيا عن ذلك.
    لكنه، وتحت ضغط موازين القوي الداخلية الفلسطينية والخارجية العربية رضخ دون أن يقتنع.
    وجاء الرئيس القذافي الي القاعة المطلة علي شرفة قصر الشعب في طرابلس حيث عقد المؤتمر ـ وأمسك بذراع الرئيس عرفات وخرج به الي الشرفة.
    وخرجت مع الدكتور جورج حبش للشرفة والتقينا.
    كان الرئيس عرفات يقول للرئيس القذافي:
    ألم تقل لي يوما، عليك أن ترفع علم فلسطين المستقلة، حتي ولو علي خيمة؟ .
    أجاب معمر القذافي ـ نعم ولا زلت عند رأيي. لكن أين الخيمة؟
    فأجاب الرئيس عرفات: سأجدها وسأرفع العلم وأفهم من كلامك انك عند وعدك.
    فقال نعم .
    وتقدم الرئيس معمر القذافي وأمسك بذراع الدكتور جورج حبش وذراعي وتقدم الجميع نحو حافة الشرفة المطلة علي الساحة الكبيرة أمام قصر الشعب، حيث احتشد رجال الصحافة.
    ورفعنا الأيدي متشابكة والتقطت الصور التي تعلن إعادة الوحدة لصفوف م .ت .ف وانضمامها لجبهة الصمود والتصدي .


    محاولة تكبيل عرفات


    لم يقطع الرئيس ياسر عرفات الخيط. وأبقي عينه علي ما يدور علي جبهة المفاوضات لكن موقف بيغن الرافض للمشاركة الفلسطينية المتساوية هو الذي أغلق الباب أمام الرئيس ياسر عرفات الذي لم يرد إطلاقا إغلاقه تحت شتي المسميات.

    عندما قام السادات بزيارة القدس في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 قررت جبهة الصمود والتصدي تجميد العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وذلك في تلك القمة الأولي التي عقدت في طرابلس في شهر ديسمبر من العام 1977. ولذلك كان الرئيس عرفات ملزما بقطع العلاقات حسب قرار القمة لكن الاتصالات غير العلنية استمرت وأعلن السادات في تموز من العام 1978، دعوته لإسرائيل لإجراء مفاوضات حول انسحابها من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية بعد فترة انتقالية تدوم خمس سنوات.
    ورد بيغن برفض ذلك رفضا قاطعا.

    كان هذا هو السبب الذي دفع الرئيس عرفات للاستمرار في جبهة الصمود والتصدي. واعتقد انه لو نجح السادات في فرض تلك المفاوضات لإنهاء احتلال الضفة وغزة والقدس الشرقية، لما تردد الرئيس عرفات بإرسال وفد للمفاوضات. لكن الرئيس عرفات لا يطلق عصفورا من يده قبل أن يتأكد من أن عشرة عصافير تمسك بها يده الأخري.

    رد ريغن علي اقتراح السادات حول إجراء مفاوضات لإنهاء احتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية جاء بعد ثلاثة أسابيع من اقتراح السادات. لكن دعوة السادات تلك أثارت قلق دول الصمود والتصدي. فدعي لاجتماع قمة طاريء في الجزائر.
    أراد المجتمعون أن يكبلوا الرئيس عرفات وان يمنعوا أي نوع من التعاطي مع اقتراح المفاوضات حول الانسحاب من الضفة الغربية والقطاع والقدس الشرقية.
    لم تدم القمة طويلا. فقد حسمت جلسة مغلقه، حضرتها الي جانب الرئيس عرفات، الأمور.
    كان النقاش حادا. وأراد المجتمعون اخذ تعهد من الرئيس عرفات بعدم التعاطي مع هذه الدعوة.
    وحاول الرئيس عرفات التخلص من أي التزام لدرجة انه قال:
    أستطيع أن أعطي أمرا الآن بإطلاق مئات الصواريخ علي الجليل فمن منكم جاهز لتلقي نتائج ذلك ؟ إما أن تقاتل الأمة العربية أو أن تفاوض .
    واتخذ قرار بان ترسل م.ت.ف مذكرة للامين العام للأمم المتحدة تؤكد فيها عدم تخويلها لأي جهة بالتحدث نيابة عنها أو التفاوض نيابة عنها. وخرجنا من القاعة.
    امسك الرئيس بومدين بذراع ياسر عرفات من جهة اليمين، وامسك بذراعي من الجهة اليسري (وكانت تربطني به علاقة صداقة عميقة).
    فهمس الرئيس عرفات: لماذا هذا القرار؟
    فأجاب بومدين ضاحكا:
    لنتأكد أنك لن تتصرف بما يخالفه .
    وأغلق الباب أمام فرصة لاحت لتحقيق إنجاز سياسي استنادا لما حركته حرب أكتوبر 1973.
    لكن الإغلاق جاء من طرف بيغن.
    وعلم عندها الرئيس عرفات أن أمام الشعب الفلسطيني معارك أخري ليقتنع الإسرائيليون بضرورة التفاوض مع الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

    كل هذا كان يتم، وبرنامج م.ت.ف السياسي علي حاله، فميثاقها الأساسي علي حاله.
    وفي 23 ايلول (سبتمبر) من العام 1978 رفضت قمة الصمود والتصدي التي عقدت في دمشق رفضا قاطعا، جملة وتفصيلا اتفاق كامب ديفيد الذي وقعه السادات مع مناحيم بيغن في السابع عشر من شهر أيلول من العام نفسه.


    صدام بين الأسد والقذافي


    في تلك القمة التي حضرت جلساتها العامة والمغلقة، دار نقاش لم يخل من الحدة حول قطع كافة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع مصر، فيما ناقش البعض بالاكتفاء بتجميد العلاقات الدبلوماسية.
    كما دار نقاش معمق لم يخل من التوتر والصراحة حول دعم صمود دول الطوق و م.ت.ف.
    وتصادم في النقاش حافظ الأسد ومعمر القذافي وذلك حول الفجوة بين الموقف والعمل. وطالب الأسد بترجمة الأقوال الي الأفعال. أي أن الحديث عن التصدي يجب أن يترجم عمليا بالدعم المالي من الدول القادرة، خاصة الدول المنتجة والمصدرة للنفط وعلي رأسها ليبيا.

    وفي جلسة مصغرة جدا، ضمت اليمن والجزائر وليبيا، حاول الطرف الفلسطيني التوفيق بين الطرفين. كان خالد الحسن صريحا مع العقيد معمر القذافي وقال له إن المصداقية تذوب عندما لا يتبع الكلام بالفعل.
    وعندما احتد النقاش، اقترحت أن تضع سورية لائحة بالأسلحة المطلوبة والطائرات المطلوبة لتقوم الدول القادرة بتمويل شرائها، فأجاب العقيد معمر القذافي، أريد أن أوافق عليها سأوافق علي المساهمة لشراء السلاح والطيران اللازمين.
    فيما نحن نناقش محاولين ردم الهوة، قرر معمر القذافي الاستئذان لأن لديه ارتباطا. وترك الجميع يناقشون.
    لم تكن لدينا أية فكرة حول ارتباط العقيد معمر القذافي.
    لكن تبين انه كان ارتباطا مع الرئيس عرفات.
    كان العقيد معمر القذافي قد أجري اتصالا بالعاهل الأردني، الملك حسين وأبلغه أنه يرغب في أجراء مصالحة بينه وبين الرئيس عرفات.
    (كانت العلاقات قد قطعت منذ معارك جبال عجلون في العام 1971)
    ووافق العاهل الأردني. وكان الرئيس عرفات بحاجة لفتح هذه النافذة في ظل الالتزام بقطع العلاقات مع مصر.
    إذ لا يمكن للرئيس عرفات أن يغلق علي م.ت.ف كل الأبواب ويبقي بابا واحدا مفتوحا. لان هذا سيجعل الجهة التي تفتح بابها تتحكم بطريقة أو بأخري (أو تؤثر علي الأقل) بالقرار الفلسطيني.
    وفي هذا الإطار، كان الاقتراح مفيدا جدا من الناحية السياسية. فبداية إعادة العلاقات مع الأردن ستخفف ضغط يد دول كسورية والعراق علي م.ت.ف .
    انسحب العقيد القذافي من الجلسة.
    عندما هبطت الي قاعة الاستقبال في فندق شيراتون حيث عقدت القمة ابلغني البعض انهم شاهدوا الرئيس القذافي والرئيس عرفات ينطلقان في موكب، بسرعة شديدة وان الإشاعة تقول بأنهما متجهان للأردن.
    وانتشر الخبر كالنار في الهشيم.

    واجتمعت القيادات فورا.
    قيادة فتح، الجبهة الشعبية، القيادة العامة، والجميع.
    وتدارس المجتمعون الأمر. وقرروا إصدار بيان ضد هذه الزيارة وأهدافها. وطلب البعض الانتظار لحين عودة الرئيس عرفات للتأكد من الخبر والموضوع.

    وتعددت المؤتمرات الصحافية التي هاجمت الرئيس عرفات. وكان أقساها ذلك المؤتمر الذي عقده احمد جبريل أمين عام القيادة العامة (المقربة جدا من سورية).

    وعندما عاد الموكب، بعد إجراء المصالحة، ثارت ثائرة الجميع فيما بقي عرفات هادئا.

    وعندما هدأ المجتمعون قال الرئيس عرفات، كيف تصدرون بيانا باسم م.ت.ف وأنا غائب. أنا رئيس م.ت.ف وانهال بكلام هاديء علي قيادات فتح التي شاركت في الاجتماع ووافقت علي البيان ثم ابتسم قائلا:
    لقد خطفني العقيد معمر ليصالحني مع الملك حسين.. أتريدون أن تبقي م.ت.ف والأردن في حالة خلاف دائم.
    أليس من مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل كامب ديفيد أن تكون له علاقات طبيعية مع الأردن.


    سوف نواجه حربا أو حروبا في لبنان ألا ترون ذلك. لقد رفض بيغن فكرة التفاوض علي الانسحاب من الضفة وغزة والقدس الشرقية لأنه يبيت لنا حروبا.

    وساد الصمت.
    وبدأت الأصوات هنا وهناك تتراجع. وانتهي الأمر في جلسة القمة بأن أعلن العقيد معمر القذافي أنه قام باختطاف ياسر عرفات ليجري مصالحة بينه وبين الملك حسين لأن في هذا خيرا لجبهة الصمود والتصدي.
    وخرج ياسر عرفات وتوجه لبيروت ليواجه أول تلك الحروب التي توقعها، وكانت غزوا إسرائيليا جزئيا لجنوب لبنان قامت به قواتها في شهر آذار (مارس) من العام 1978.

    الشاب الغريب


    في بداية شهر آذار (مارس) عام 1982 جاءني من يقول لي إن إسرائيل قررت غزو لبنان. كان شابا في العشرين من العمر. لم يسبق لي أن رأيته حضر إلي مكاتب مجلة الهدف الكائنة في كورنيش المزرعة ببيروت. وأبلغ سكرتيرتي أنه يريد أن يراني لأسباب هامة جدا وضرورية.

    وطلبت من السكرتيرة إبلاغه أنني سأراه بعد أن انهي كتابة المقال الافتتاحي لمجلة الهدف.

    قادته السكرتيرة إلي مكتبي فوقفت محييا كان مرتبكا ويده مبللة بالعرق. فابتسمت له ودعوته للجلوس. وتحولت من وراء مكتبي نحو مقعد بقربه لأشعره بالاطمئنان. فسألته عن اسمه فأجاب بسرعة وبتوتر (فايز).
    أهلا بك يا فايز (خيرا ان شاء الله).
    قال بصوت متهدج وبتمتمة: لدي معلومات أن إسرائيل ستغزو لبنان، وستصل الي بيروت وتحاصركم وتقضي عليكم.

    حدقت في وجه الشاب فايز مليا، يكاد يرتجف، وحبيبات من العرق بدأت تظهر علي جبينه. قلت له: فايز هذا كلام مهم جدا كيف علمت بذلك؟.
    نظر فايز حوله وكأنه يريد أن يتأكد من عدم وجود شخص آخر في الغرفة، ثم توجه إلي ليقول لي انه اطلع بالصدفة علي أوراق وخرائط تتصل بهذا الموضوع. بقيت صامتا أنظر إليه في دعوة صامتة له أن يستمر بالكلام. فلم يزد علي ما قاله.
    فسألته: هل يمكن أن نحصل علي هذه الأوراق؟ .
    قال لا أدري، سأحاول، علقت فورا وأنا أربت علي كتفه: يا فايز هذا موضوع هام وكبير وستكون قد أديت خدمة وطنية كبيرة إن نجحت في ذلك . هب فايز عن مقعده قائلا سأحاول وكأنه يريد الهرب.
    ودعته علي أمل لقاء قريب.

    مر أسبوع من الزمن ولم يعد فايز. فبدأت تتلاشي من ذهني أهمية الموضوع وقلت في نفسي أي شاب ربما كان يتخيل الأمور .
    ولكن بعد أسبوعين تقريبا، جاءني مدير الإدارة ليقول لي إن شابا يدعي فايز قد حضر للمكتب، وطلب رؤيتي وأنه طلب منه العودة مساء لأنني سأكون موجودا في مكتبي.
    أحسست بالغبطة فقد عاد الموضوع ليحتل بسرعة مكانه في ذهني. فالموضوع هام جدا إن كان صحيحا.
    كانت الساعة تقارب التاسعة والنصف ليلا عندما عاد فايز. هذه المرة كان أكثر اضطرابا ويبدو عليه الفزع واضحا.

    هدأت من روعه وجلست علي مقعد الي جانبه وقلت له: هل نجحت ؟
    لم يتمكن من التفوه وأخرج من جيبه الداخلي بيد ترتجف بعض الأوراق وسلمها لي. صفحة كبيرة تحمل خريطة مليئة بالأسهم والإشارات. وورقة ثانية تحمل رسم خريطة ساحل بيروت الممتد من الكرنتينا حتي فندق الريفييرا ومجمع الجامعة الامريكية وكانت أيضا محملة بالأسهم والإشارات. بسطت الخريطتين علي الطاولة الصغيرة أمامي ورحت أحاول قراءة الأسهم والإشارات.
    الخريطتان نسختا علي عجل وبيد مرتجفة. وكان هذا واضحا من عدم دقة الخطوط والتعرجات. بعد دقائق أدرت وجهي نحو فايز الذي بدا اقل توترا وقلت له: فايز من أين حصلت عليها ؟

    تردد فايز فأتبعت القول فورا بطمأنته أن هذا الأمر بيد أمينة وإن علينا أن نتأكد من مدي جدية الموضوع وان هذا لا يمكن أن يقدر إلا إذا عرفنا المصدر.
    قال فايز متمتما وبسرعة شديدة خشية أن يسمعه أحد، أو حتي أن تسمع أذناه ما يقول: أنا أعمل لدي أحد قادة القوات اللبنانية، وهذه الأوراق كانت علي طاولة مكتبه في المنزل.

    لم يترك لي فايز أي مجال آخر فقد هب واقفا مادا يده للوداع. صافحته وأفهمته أهمية ما قام به وسألته عند بوابة مكاتب الهدف: فايز..... هل تعرف متي؟

    أجاب وهو يهرول هذا الصيف.. عدت لمكتبي اقرأ بشكل أدق أسهم وإشارات تلك الخرائط، من جنوب لبنان الي بيروت، ومن بيروت الشرقية الي بيروت الغربية.
    سياسيا كان الاحتمال معقولا ومنطقيا، فقد كانت قد وصلتنا رسائل أمريكية عبر قنوات عربية متعددة، حول ضرورة سحب قواتنا من جنوب لبنان مسافة أربعين كيلو مترا شمالا، والا فان الولايات المتحدة لن تتمكن من منع إسرائيل من اكتساح هذه المنطقة دفاعا عن شمال إسرائيل، الذي كان يتعرض لهجمات صاروخية بين الحين والاخر.
    لكن خطة الهجوم وأبعاده الجغرافية المدونة علي الأوراق أمامي تتعدي ذلك . فهي تصل لصيدا المشرفة علي بيروت، وجبال المتن المطلة علي بيروت، ومحاصرة بيروت من كل النواحي، وغزوها من جميع نواحيها، بما في ذلك الاندفاع من بيروت الشرقية نحو الغربية عند ساحل الجامعة الامريكية.
    هل يعقل هذا؟
    التوتر والترقب انتقل لي أنا.
    أملك الآن بين يدي سرا خطيرا إذا ثبتت صحته فهو انتصار كبير.
    لكن الأمر يحتمل وجها آخر . عندها سيصبح الأمر مضحكا. هل هي خدعة؟
    هل يريدون خداع القيادة من خلالي؟
    لماذا اختارني أنا؟
    ماذا أفعل بها؟
    الشعبية لم تصدقني

    أول من تبادر في ذهني أبو عمار وكانت تربطني به علاقات حميمة آنذاك بالرغم من تناقض الجبهة الشعبية معه حول الموقف السياسي.
    اتصلت به ولم أجده.

    علي كل حال سلمت نسخه من المخطط للأخ أبو جهاد (خليل الوزير) رحمه الله . وأبلغت الدكتور جورج حبش بالأمر وسلمته نسخة.

    ورغم عدم قناعة الجبهة الشعبية بالأمر كلفت رجال أمن الجبهة أن يسلموا نسخة من المخطط لمدير المخابرات السورية المكلف ببيروت.
    فسلمت نسخة له علمت لاحقا أنه أرسلها فورا للواء علي دوبا واللواء محمد الخولي.

    لم أشعر أنني قمت بواجبي كاملا، فبعد عدة أيام عشتها أفكر في الأمر بعمق اقتنعت تماما أن الغزو قادم.
    ولذا كان لزاما علي أن أتحدث مع أصحاب القرار حول هذا الأمر لاتخاذ الاحتياطات .

    فتحدثت مع الأخ أبو عمار الذي طلب احتياطا من المجلس العسكري الأعلي أن يضع خطة دفاع في حال قام الإسرائيليون بغزو لبنان فعلا.

    وعقدت عدة ندوات صحافية في أكثر من قطر عربي محذرا من الغزو. ولم يصدقني رفاقي في الجبهة الشعبية فقد ظنوني يمينيا أسعي لتزيين التنازلات السياسية للأخ أبو عمار واعتبروا رأيهم، وهو أن إسرائيل لن تغزو لبنان وانها ستوجه ضربات هنا وهناك، الرأي الصحيح.

    لم أعر هذا الرأي اهتماما، واتخذت إجراءات وقائية، تفرضها مسؤوليتي المباشرة تحسبا لهذا الغزو، وأثبتت الإجراءات أنها كانت فاعلة وأنقذت الكثير من الأمور عندما بدأ الغزو.

    في الرابع من حزيران 1982 قصفت الطائرات الإسرائيلية المدينة الرياضية في بيروت، وشاهدت بأم عيني سحب الدخان من مكتبي الذي كان قريبا من الموقع، وكان الإسرائيليون يظنون أن الفلسطينيين حولوا المدينة الرياضية الي مخزن للصواريخ والعربات والذخائر ـ والظن بعيد عن الحقيقة.
    والفلسطينيون لم يفعلوا ذلك. فدمرت الطائرات أجزاء كبيرة من المدينة الرياضية وأكواخ لاجئين هربوا من جنوب لبنان فأقاموا أكواخهم داخل المدينة الرياضية .
    دعيت لاجتماع فوري وأبلغت جميع العاملين بأن الحرب قد بدأت وأن عليهم تنفيذ الخطة التي وضعناها قبل شهرين فورا. وغادرت المكان الي المقر الجديد.

    في غرفة العمليات


    في الرابع من حزيران (يونيو) 1982 بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان. ومن خلال تتبعي لسير المعارك تأكدت تماما. فقد استغربت كثيرا خطة الغزو التي أحضرها لي فايز من حيث أنها حددت نقطة الاقتحام البري لتكون مواقع قوات الأمم المتحدة.

    فهذا انتهاك للقوانين والأعراف الدولية. لكن الأمر حصل واقتحمت إسرائيل لبنان انطلاقا من مواقع قوات الأمم المتحدة، وكي أكون صريحا فقد فاجأ هذا القوات الفلسطينية، لأن خطط الدفاع اعتمدت علي أخلاقية عسكرية عالية اي استبعاد اقتحام القوات الإسرائيلية لبنان انطلاقا من مواقع ترفع علم الأمم المتحدة، ويعسكر فيها الاف الجنود والضباط الذين يعتمرون القبعات الزرق.
    لكن شارون داس علي كل القوانين والأعراف ولطخ علم الأمم المتحدة واندفع بقواته من ذلك المحور، قطع الأخ أبو عمار زيارة التعزية التي كان يقوم بها للسعودية بعد وفاة الملك خالد وعاد إلي بيروت وانضممت له فورا في غرفة عمليات رقم ( 5 ).

    كانت غرفة عمليات 5 عبارة عن طابق تحت الأرض معبأ بأجهزة الاتصال والخرائط، وأثاث بسيط، وعدد من الأسرة العسكرية، وكمية من المعلبات.
    كان الرئيس أبو عمار قد طلب من اللواء سعد صايل تهيئة مجموعة غرف عمليات بعيدة كل البعد عن مراكز القيادة المعروفة ذلك أنه كان متوقعا أن تقصف إسرائيل جوا كافة مراكز القيادة المعروفة في بيروت وغيرها من المدن. لذلك كانت غرفة عمليات 5 غير مكتظة كعادة غرف العمليات المعروفة، في غرفة عمليات 5 كان الرئيس أبو عمار يتفحص عبر الخرائط خطط الدفاع الموضوعة من قبل المجلس العسكري الأعلي، والتي كان اللواء سعد صايل يقوم بشرحها له.

    خط الدفاع الأول، خط الدفاع الثاني, وبين الحين والآخر كان الرئيس يستوقف أبا الوليد مستفسرا أو معدلا أو مضيفا، وبين الحين والآخر كان العقيد أبو أحمد فؤاد القائد العسكري للجبهة الشعبية الذي كان هو الأخر موجودا معنا في غرفة عمليات 5 يتدخل شارحا، وكان يعد صيدا هي مركز الثقل في الدفاع.
    انتهي الشرح وانتهت التعليقات، ثم ساد صمت والكل ينتظر تعليمات الرئيس الذي نظر نحو لا احد ولا شيء، كان يفكر.

    بعد لحظات بدت لنا طويلة جدا التفت ابو عمار الي اللواء سعد صايل سائلا:
    تحصين بيروت ممكن؟ أظنه من أصعب الأمور.
    فكر أبو الوليد لحظات وقال: لكن لا شيء مستحيل لنحصن بيروت.


    علي بركة الله. بيروت هي الهدف. ولما أنهي أبو عمار الكلام. استأذن العقيد أبو أحمد فؤاد من الرئيس للتوجه إلي صيدا وعين الحلوة فقال له:
    علي بركة الله.
    وساد صمت مرة أخري, وكان الرئيس مستغرقا في التفكير يقطع المسافة بين الحائط والحائط بخطوات بطيئة وهادئة. اقتربت منه ورحت أقطع المسافة معه.
    فذكرته بالخرائط التي أحضرها فايز. فقال لي تذكرتها وأرسلت من يحضرها أظنها صحيحة.

    وذكرته بجملة كان أحد أصدقائنا الامريكيين قد نقلها لي ومفادها أن الامريكيين أعطوا ضوءا أخضر لغزو لبنان ولكنهم أبلغوا بيغن وشارون أنه في حال فشلهم في القضاء علي منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها بسرعة فعليهم بعدها أن يتعاملوا معهم.

    DO IT IF YOU CAN. BUT IF YOU FAIL YOU WILL HAVE TO DEAL WITH THEM

    فأشار للأخ هاني الحسن الذي كان في عمليات 5 أن يقترب وقال له
    (علينا ان نتذكر هذا دوما ولا يغيب عن أذهاننا أبدا) وأعاد الي مسمع الأخ هاني الحسن تلك الجملة التي نقلت لنا من صديقنا الامريكي.

    كانت الطائرات الإسرائيلية قد تعاقبت في الإغارة علي منطقة الفاكهاني حيث معظم مقرات التنظيمات الفلسطينية ومنها مقر الرئيس ياسر عرفات الذي أطلق عليه الـ17. كونه معسكر حرس الرئيس الخاص (وهو الفرقة 17) كان بقرب ذلك القبو الذي حول مقرا للرئيس.

    الـ(17) قصــــــف أكثر من عشر مرات فتحطمت البنايات المحيطة والبناية التي ارتفعت فوق مقر الرئيس لكن المقر لم يدمر بل تحطم زجاجه، وشكل الركام تلالا أمام مدخله الرئيس وحفرت القنابل في ذلك الشارع حفرا كبيرة تصلح ان تكون حمامات سباحة.


    قائد قوات الامم المتحدة


    في تلك اللحظة وردت إشارة تفيد أن الجنرال كالاهان قائد قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان يطلب لقاء عاجلا مع الجنرال سعد صايل وأنه سيحضر إلي بيروت علي متن طائرة هليوكوبتر في أي ساعة يحددها الجنرال أبو الوليد.

    وقف اللواء سعد صايل وقفة استعداد انتظارا لتعليمات القائد.
    سأل ابو عمار: اين ستلتقون؟
    تداولنا الآراء ورأي الرئيس أن اللقاء يجب أن يتم في الـ(17) غرفة قيادته المعروفة بالرغم من كل الدمار.
    وطلب من اللواء سعد صايل تحديد موعد للجنرال كالاهان في السادسة والنصف مساء حتي يتسني للشباب تهيئة المكان. وأصدر تعليماته أن يذهب اللواء سعد صايل بصحبة الأخ هاني الحسن وأنا.

    أصدر اللواء أبو الوليد رحمه الله تعليماته الفورية وكان قليل الكلام وكانت كلماته كطلقات مسدس لا يخطيء:
    أريد منكم أنجاز التالي قبل الخامسة والنصف:
    تنظيف المكان بشكل تام وإعادة تركيب الزجاج وتركيب كل الأشرطة الكهربائية وأجهزة التبريد يجب أن تعمل. والمقر من الداخل لازم يلمع لمع ، أريد أن أدخل المقر فأجده نظيفا ومبردا. لا تنسوا الجنرال كالاهان يحب الليمونادة الطازجة والشاي فحضروا كل شيء.

    توجهنا خارج عمليات 5 وفي الخامسة اتصل اللواء سعد صايل ليطمئن علي سير الأمور، فأعلم أن كافة الأوامر قد نفذت علي أكمل وجه، فعلق بنصف ابتسامة (فقد كانت ابتسامته نادرة تماما).

    نظر إلي الأخ هاني الحسن والي وقال كل شيء جاهز؟
    توجهنا للمكان وكان الأمر فعلا مثيرا للإعجاب، فخلال ساعتين من الزمن أتم الشباب تنظيف المدخل من الركام، وأعادوا كافة أمور مقر الرئيس أبو عمار الي طبيعتها، وكان المقر باردا في ظل حرارة بيروت ورطوبة صيفها.

    وفي السادسة والنصف مساء وصل الجنرال كالاهان يرافقه اثنان من ضباط الأمم المتحدة، صافحناهم وتوجهنا نحو طاولة الاجتماع، اتخذنا مواقعنا في جانب من جوانب الطاولة: اللواء سعد صايل وهاني الحسن وأنا بقينا واقفين. وعلي الجانب المقابل الجنرال كالاهان وضابطاه بقوا واقفين. أدي الجنرال كالاهان التحية العسكرية للأخ أبو الوليد، فبادله التحية العسكرية، لكنه لم يأذن له بالجلوس بعد، وحسب الأعراف لا يمكن له أن يجلس قبل أن يدعوه اللواء سعد صايل الي ذلك.كنت أنا وهاني كمن يفسر أحجية. فاللواء سعد صايل هو من العسكريين البارزين الذين تخرجوا من أهم كلية عسكرية في العالم وست بوينت الامريكية والجنرال كالاهان يعلم ذلك. وراحت طلقات مسدس أبو الوليد التي لا تخطيء تتكلم. بالإنكليزية بوضوح. بهدوء ولكن الهدوء القاسي الرزين:
    جنرال كالاهان لقد خنت شرفك العسكري فلقد سمحت للقوات الإسرائيلية أن تمر عبر مواقعك دون مقاومة .

    أطلق ابو الوليد.
    أجاب الجنرال كالاهان وهو يقف وقفة استعداد.
    سيدي الجنرال أنت تعلم الوضع علي الأرض أكثر مني إن حجم الاندفاع كان كبيرا إلي الحد الذي لا يمكن لي ولضباطي معه نتصدي له .

    وأطلق سعد صايل:
    جنرال إن شرفك العسكري كان يقتضي منك أن تطلق حتي لو رصاصة واحدة من مسدسك. هكذا تعلمنا الأخلاق العسكرية أليس كذلك؟ .
    وطأطأ كالاهان رأسه فدعاه عندها أبو الوليد للجلوس. شرح كالاهان حجم الهجوم ولم يكن يتوقع وصولهم بيروت.
    وكالاهان مندهش.

    قال له ابو الوليد:
    أنا أعلم أن الوقت ضيق وعلي أن أعود لغرفة العمليات لكن أريد أن أقول لك إنني بدأت بتحصين بيروت .
    فرد كالاهان علي الفور:
    ولكن يا جنرال بيروت لا يمكن تحصينها .
    فابتسم ابو الوليد قائلا:
    دعهم يظنون هذا

    وقوفا.
    تحية عسكرية. حرس الشرف يأخذ الاستعداد وفجأة يصل الرئيس ياسر عرفات.

    جنرال كيف حالك بادره أبو عمار بالتحية.

    أدي الجنرال كالاهان التحية للرئيس الذي كان يحمل عصا قصيرة وأجابه الوضع صعب سيدي الرئيس.

    فأجابه أبو عمار بسرعة:
    سيكون صعبا عليهم لن أؤخرك لدي جولة في كافة المواقع .
    وغادر أبو عمار
    وغادر الجنرال.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  6. #6
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    السوفييت يطلبون من المقاومة الفلسطينية الخروج من بيروت تحت راية الصليب الأحمر

    (4 ـ 15)

    يوم فشل الاسرائيليون في اصطياد عرفات


    بسام ابو شريف


    2008/05/06

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!
    بسام ابو شريف




    امتدت أيام حصار بيروت 1982 وأصبح ليلها طويلا وصاخبا. وأطالت قذائف المشاعل عمر النهار وازداد القصف حقدا وحصدا.
    * من البحر قصف
    * من الجو قصف
    * من البر قصف
    وفي آن واحد.
    أين المفر؟ الملاجيء دفنت، والبنايات دمرت، والشوارع حفرت، وراحت الطائرات تحصد البشر والاسمنت علي حد سواء. وضاقت الرقعة الجغرافية التي يمكن للقيادة أن تتحرك فيها بحرية نسبية. وأصبح عقد اجتماع للقيادة قضية معقدة جدا أمنيا.
    فقد دمر الطيران الحربي الإسرائيلي بنايات عديدة في منطقة الفاكهاني والمزرعة والملا وغيرها وكانت طوابقها السفلي قد استخدمت كغرف عمليات أو أماكن للاجتماعات القيادية.

    في تلك الفترة كانت شبكة الهاتف تعمل بانتظام مذهل. إذ رغم القصف والتدمير استمرت الشبكة في العمل، مما أعطي فرصة لا مثيل لها للعملاء لإبلاغ الإسرائيليين المعسكرين علي التلال المحيطة ببيروت معلومات حول القوات المشتركة، أو قيادات القوات المشتركة، فأصدر الرئيس أبو عمار أوامره لكافة القياديين بعدم استخدام سياراتهم لأنها تلفت النظر، وتجمعها في مكان اللقاء يعرض المكان للقصف والتدمير. إذ رغم القصف الشديد استمر أعضاء القيادة في التوجه للاجتماعات بسياراتهم السوداء وسيارات مرافقيهم مما كان يلفت الأنظار ويفتح المجال أمام العملاء لتبليغ الإسرائيليين في المنطقة الشرقية من بيروت المعلومات حول مكان الاجتماع.

    اتخذ شارون لقيادته مقرا في فندق الكسندر في منطقة برمانا من أعالي جبال المتن الذي كان يشرف علي بيروت. وكان بامكان مدفعية الإسرائيليين ومدفعية دباباتهم المتمركزة فوق تلك التلال إصابة أهداف في بيروت بشكل دقيق ناهيك عن الطيران الذي كان يتدخل لإصابة أهداف تحميها من المدفعية البنايات العالية.

    نجاة القيادة


    في العاشر من آب (اغسطس) 1982 وجه الرئيس أبو عمار الدعوة لاجتماع طاريء للقيادة لبحث آخر التطورات العسكرية والسياسية. ولقد وزعت الدعوة باليد وطلب من الجميع الحضور إلي نقطة معينة قرب محال سبينس في منطقة الرملة البيضاء. وعندما وصلت إلي تلك النقطة أبلغت بمكان الاجتماع وهو بعيد كل البعد عن الرملة البيضاء فتحولت لذلك المكان. كان هذا احتياطا من الاحتياطات الأمنية. إذ أن الدائرة بدأت تضيق وأصبح واضحا ان أهداف شارون تركز في تلك الفترة علي تصفية القيادة التي اتخذت مواقف شجاعة من عروض الامريكيين والإسرائيليين بالخروج من بيروت عزلا من السلاح وتحت راية الصليب الأحمر.

    وصلت إلي غرفة الاجتماع ولم تكن قد اكتظت بأعضاء القيادة بعد. لكن سرعان ما بدأوا يتوافدون يصافحون بعضهم البعض ويتحدثون حول ما جري اليوم ثم ساد الصمت عندما دخل الرئيس ابو عمار.
    كان وجه أبو عمار يحمل علامات القلق والانزعاج.
    وبادر أحد أعضاء القيادة بتوجيه سؤال للرئيس أبو عمار حول سير المفاوضات مع فيليب حبيب المبعوث الامريكي الي لبنان لمعالجة تبعات الغزو الإسرائيلي.

    لم يجب الرئيس علي السؤال بل هب واقفا مصدرا أوامره بالخروج فورا من مكان الاجتماع.

    علت أصوات البعض بالاحتجاج كون هذا الاجتماع مخصصا لبحث العروض السياسية والمفاوضات لكن أبو عمار كرر كلامه بحزم آمرا الجميع بالخروج فورا.
    وأسرع أبو عمار نحو المدخل ممسكا بيدي لأرافقه.
    وما أن جلسنا في سيارته حتي انطلقت بسرعة جنونية نحو شارع الحمراء في رأس بيروت، لكن الرئيس أصدر أمره للسائق عندما اقتربنا من مبني سينما البيكاديللي أن يهبط نحو مرآب السيارات. هبطنا ستة طوابق تحت الأرض وأوقف السائق السيارة منتظرا تعليمات الرئيس.
    عندها فقط تمكنت من الحديث: سألته ماذا جري؟ لماذا أمرت بإخلاء المكان؟
    أجابني الرئيس: المكان معرض الآن للقصف في أية لحظة.
    كيف عرفت؟ سألته.

    هذه الأمور ليست بالمعرفة أو المعلومات انه التحليل والإحساس.
    فعندما حضرت للمكان لاحظت أن عددا لا بأس به من الناس تجمعوا لأنهم لاحظوا وصول عدد كبير من القيادات للمكان. وشاهدت بوضوح أن الشرفات في البناية المقابلة تعج بالفضوليين الذين كانوا يراقبون ما يجري. ومن أسهل الأمور أن يتعرف أحد هؤلاء الناس علي وجوه بعض القيادات، ومن أسهل الأمور أن يبلغ أحد العملاء هاتفيا فندق الكسندر بمكان الاجتماع والمكان مكشوف للمدفعية المتمركزة عند تلال برمانا. لذلك طلبت إخلاء المكان فورا قبل فوات الأوان. صمت لأفكر في بعد نظر هذا القائد الشجاع واحتياطاته الأمنية.

    قد لا يتعرض المكان للقصف، لكن الاحتمال يبقي واردا، والتصرف السليم في هذه الحالة هو عدم اتخاذ أي موقف قد يعرض القيادة للهلاك. في تلك اللحظة وصلت سيارتا حماية انتشر أفرادهما في المكان، ثم وصل محسن إبراهيم الذي كان يترأس مجلس القوي والأحزاب الوطنية اللبنانية. هبطنا من السيارة وراح الرئيس يتمشي علي مهل في قاعة المرآب الخالية إلا من سيارته، وسيارتي حراساته، وسيارة محسن إبراهيم. كان الرئيس يسير علي مهل مطرقا مفكرا وكأنه ينتظر شيئا ما. وفجأة بدأنا نسمع ونحن علي عمق ست طوابق تحت الأرض صدي قصف مدفعي.
    قصف المكان.
    ونجت القيادة من التدمير.
    عندها ابتسم الرئيس أبو عمار وأصدر الأمر بالتحرك.

    ما ان وصلت السيارة بوابة المرآب علي وجه الأرض، حتي أمر الرئيس أبو عمار السائق بالتوجه نحو منطقة رأس بيروت إلي بيت رئيس الوزراء آنذاك شفيق الوزان.

    في مخزن للسجاد العجمي


    عندما أحكم الإسرائيليون طوقهم علي بيروت واستقر شارون في فندق الكسندر في بلدة برمانا في المتن قام مسؤولون إسرائيليون بزيارة وليد جنبلاط في قصر المختارة في بلدة المختارة في جبل الشوف.
    بعد ذلك استدعي وليد جنبلاط للقصر الجمهوري حيث فيليب حبيب المبعوث الامريكي لمتابعة حرب لبنان.

    واعتذر عندها وليد جنبلاط بسبب عدم سلامة الطريق، فقرر فيليب حبيب إرسال سيارة السفير الأمريكي المصفحة ضد الرصاص والقذائف، وذات الحصانة أمام الحواجز الإسرائيلية لتحضر وليد جنبلاط للاجتماع الذي اعتبر آنذاك هاما جدا،علمنا في بيروت ان فيليب حبيب اقترح تشكيل لجنة استشارية مكونة من أربعة أشخاص: ماروني، سني، شيعي، ودرزي ـ والدرزي المقترح كان بطبيعة الحال وليد جنبلاط.

    بعد أن أنهي وليد جنبلاط الاجتماع الذي عقد في القصر الجمهوري في بعبدا توجه الي بيروت الغربية نحو منزل ال جنبلاط في المصيطبة القريبة من كورنيش المزرعة.
    كان وليد كمال جنبلاط متوترا جدا وقلقا جلس علي المقعد الذي كان يجلس عليه والده المرحوم كمال جنبلاط وهو يهز ساقيه بتوتر.

    كان يفكر فيم العمل من أين عليه أن يبدأ فقد حمل رسائل غاية في الخطورة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ولرئيسها ياسر عرفات.
    استمرت هذه الحال بوليد قرابة نصف ساعة. كان غارقا في التفكير والقصف ينهال علي المنطقة من كل الاتجاهات.
    وأخيرا هب وافقا وطلب من مرافقه أن يتصل بالأخ محسن إبراهيم أمين سر المجلس الأعلي للقوي الوطنية اللبنانية الذي اتفق معه علي الحضور فورا للشأن الهام الذي حمله وليد جبنلاط من بعبدا.

    وما إن وصل محسن إبراهيم مقر جنبلاط في المصيطبة حتي أسرع صاعدا الدرج القديم المؤدي إلي غرفة مكتب جنبلاط الفسيحة والتي تكسو جدرانها مئات الكتب والمجلدات القديمة.

    حياه وليد ودعاه للجلوس وتهاوي الي ذلك المقعد الجلدي الطويل. وعادت ساقاه الطويلتان تهتزان بتوتر وبدأ يروي لمحسن إبراهيم قصة ما جري منذ أن زاره الإسرائيليون في المختارة إلي أن وصل بيته في المصيطبة. أطرق محسن إبراهيم مفكرا ثم قال علي عجل: يجب أن تدعو لاجتماع طارئ للقيادة المشتركة كي تطرح عليهم مباشرة كل ما دار وماهية الرسالة والاقتراحات المتصلة بوضع بيروت.

    ودع محسن إبراهيم وليد جبنلاط علي أن يتصل به خلال ساعة لإبلاغه بما تم بالنسبة لدعوة القيادة المشتركة اللبنانية الفلسطينية لاجتماع طارئ لإبلاغهم بما حصل. توجه محسن إبراهيم فورا نحو غرفة عمليات جديدة اتخذ منها الأخ ابو جهاد مقرا مؤقتا بسبب القصف المستمر لغرف العمليات الأخري أو محيطها. كانت غرفة العمليات تلك قبوا لبناية قرب ثكنة الحلو اللبنانية والتي كانت مقرا لقوات الفرقة 16. وهي فرقة أمن للتدخل ضد الشغب.
    كنت هناك أتحدث مع الأخ ابو جهاد حول الوضع وتوقعات محاولة شارون اقتحام بيروت، والاحتمالات الأرجح لخيارات شارون لموقع الاقتحام. وكانت وجهة نظري في ذلك الحديث مرتكزة الي تلك الخرائط التي حملها لنا فايز. انقطع الحديث عندما دخل محسن دخولا صاعقا. جلس إلي تلك الطاولة التي كنا نجلس عليها وشرح للأخ أبو جهاد وللموجودين مضمون حديث وليد جنبلاط، وانه أي محسن اقترح عقد اجتماع طارئ للقيادة المشتركة، لأن الأمر يتطلب أن تتحمل القيادة المشتركة مسؤوليتها التاريخية باتخاذ القرارات المناسبة، والتي تخدم المصلحتين الوطنيتين اللبنانية والفلسطينية.

    هز أبو جهاد رأسه مؤيدا والتفت حوله ليري من من مساعديه أو مرافقيه أقرب إليه، وأشار لأحدهم بالاقتراب. كتب أبو جهاد بعض الكلمات علي ورقة صغيرة موجهة للأخ أبو عمار ثم توقف قليلا ناظرا الي محسن إبراهيم وسائلا: أين نقترح عقد هذا الاجتماع؟ نريد مكانا غير معروف.

    فطلب محسن دقائق للتفكير ثم رسا رأيه علي مكان قريب من ثكنة الحلو هو مخزن للسجاد العجمي يملكه صديق له. وشرح للأخ أبو جهاد بشكل دقيق خريطة الموقع ومداخله. وافق ابو جهاد ودون ذلك في رسالة للأخ أبو عمار.
    وحدد موعد الاجتماع بعد أربع ساعات لتتسني الفرصة لإبلاغ الجميع الذين كانوا تحت ظروف أمنية غاية في التعقيد. وبعد أربع ساعات كنت ادخل مخزن السجاد، وبدا أعضاء القيادة المشتركة يتوافدون تباعا حتي اكتظ المكان. جلست إلي جانب محسن إبراهيم الذي لم يشرح طبيعة الموضوع الذي دعوا للاجتماع من أجله، لكنه قال بوضوح إن وليد جنبلاط يحمل رسالة موجهة للقيادة من الإسرائيليين والأمريكيين، وانه يريد أن يطرحها علي القيادة.
    وصل وليد جنبلاط إلي المكان محييا الجميع برفع يده. ولم يجلس بل راح يتمشي في المخزن ذهابا وإيابا والتوتر الشديد باد عليه. كان بالفعل متوترا جدا لدرجة أنه كان يقهقه بالضحك مع نفسه وهو يتمشي وكأنه يضحك علي هذا الوضع. ثم وصل الأخ الرئيس أبو عمار الذي جلس بعد أن حيا الجميع الي رأس الطاولة. ومرة أخري تهاوي وليد علي مقعد قرب الرئيس. أوشك الاجتماع أن يبدأ لولا مقاطعة محسن إبراهيم، الذي طلب الانتظار قليلا لحين حضور الدكتور جورج حبش الذي رأي محسن حضوره أساسيا لأن القرارات ستكون تاريخية ولها أبعادها علي كل القوي الوطنية وتاريخ الأمة العربية.
    أيد أبو عمار كلام محسن ابراهيم لكنها كانت لحظات تلك التي مرت قبل أن نري الحكيم يهبط درج المخزن متعكزا علي عصاه، أسرع أبو عمار ليمسك بيد الحكيم بحنان ليساعده علي هبوط الدرج وما إن جلس الحكيم حتي بدأ الاجتماع.


    وقفة عز


    التفت أبو عمار الي وليد جنبلاط دون أن يتفوه بكلمة وكأنه يدعوه للحديث. كان وجه وليد محمرا من الغضب والتوتر.
    أمسك أبو عمار بقلم رصاص كان موضوعا أمامه علي الطاولة وراح يحدق به وراح يبرمه بيديه الاثنتين منتظرا كلام وليد جنبلاط.
    الصمت إن استمر دقيقة بدا طويلا.

    اخترقه صوت محسن إبراهيم الذي قال لوليد جنبلاط: الجميع يصغي إليك وليد بيك. قال وليد بصوت متهدج جدا: باختصار مطلوب مني أن أطلق عليكم رصاصة الرحمة.
    قال هذا وانهار بالبكاء ثم انفجر بالضحك ثم تماسك وشرح ما حملوه إياه: يريدون من الفلسطينيين الخروج من بيروت دون شروط وتحت علم الصليب الأحمر وأنهم إذا لم يوافقوا فان الطيران والمدفعية والبحرية الإسرائيلية ستدمر بيروت وتقتحمها.

    وساد صمت مرة أخري. هذه المرة صمت دام دقائق وقلم الرصاص بقي هادئا بين يدي أبو عمار الذي لم تفارق عيناه القلم.
    وكسر ذلك الصمت الحكيم رافعا يده اليسري غير المشلولة ليستأذن بكل أدب ولياقة من الأخ أبو عمار الحديث.
    فأجاب أبو عمار فورا: تفضل يا حكيم.. تفضل.

    قال الحكيم بهدوء المصمم وبعمق تاريخي نضالي:
    أرجو من الأخوان قيادة القوي الوطنية اللبنانية، أن يسمحوا لنا أن نستشهد علي أرضهم، دفاعا عن فلسطين والأمة العربية وأول عاصمة عربية يحاصرها الإسرائيليون.
    واكتفي بذلك.
    تتابع الكلام وأكد معظم قيادات الحركة الوطنية اللبنانية وقوفهم إلي جانب الثورة الفلسطينية واستعدادهم للاستشهاد دفاعا عن بيروت. نظرت الي وجه وليد جنبلاط الذي كان يصغي لما يدور فرأيت هدوءا بدأ يحل محل التوتر. وكان وجود هذا الحشد من القيادات والتعبير عن إرادتهم في مقاومة الغزو قد أعاد لنفسه بعض الثقة. الأخ أبو عمار بقي صامتا عندما انتهي الكلام. عبر الكل عن موقفه. وراح الجميع ينتظرون تعليقا من أبو عمار. عندها رفع رأسه وفارقت عيناه ذلك القلم. وقال بثبات:
    اشكر إخواني علي هذا الموقف القومي الرائع. نحن سويا سنمنع إسرائيل من احتلال أول عاصمة عربية. طريقنا واحد وسيسجل التاريخ وقفة العز هذه. لا تنسوا أننا نقاتل وحدنا أقوي جيش في الشرق الأوسط بأسلحة خفيفة. هذه هي معجزة الإرادة.
    أما بالنسبة لأخي وليد فأريد أن أقول إننا معا وسويا لمواجهة هذا الغزو الغاشم، وان العمل السياسي ضروري أيضا، وسنكون جنبا إلي جنب بعض.
    ووقف أبو عمار منهيا الاجتماع قائلا:
    يجب أن نعود لغرفة العمليات فنحن نتوقع محاولات اقتحام لا بد من التخطيط للتصدي لها.


    حصار بيروت.. مفاجأة


    لا بد من الاعتراف أنه بالرغم من المؤشرات التي وردت حول نية إسرائيل غزو لبنان، فان الترتيبات والاستعدادات العملية لمواجهة الغزو، لم تصل إلي حد التفاصيل الحيوية والعملية.
    صحيح أن خطة الدفاع العسكرية قد وضعت، لكنني اعتقد أن القيادة لم تقتنع أن شارون يمكن أن يذهب إلي حد حصار بيروت عاصمة لبنان. لذلك لم تكن الاستعدادات قد شملت احتمال محاصرة بيروت لأسابيع وأشهر.
    كان التصور الغالب علي توقعات القيادتين الفلسطينية واللبنانية، وكذلك تصور القيادة السورية، هو أن الاجتياح الإسرائيلي المتوقع سوف يمتد مسافة 40 كيلو مترا شمال الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وان إسرائيل ستشن حرب قصف جوي وبحري علي كافة المواقع الأخري، بما فيها بيروت ومواقع القيادة هناك. لكن احتمال حصار بيروت حصارا كاملا كما حصل واقعيا لم يكن مرجحا لدي القيادة السياسية والعسكرية.
    ونتيجة لذلك واجهت القيادة الفلسطينية التي كانت تتحمل مسؤولية المواجهة والدفاع بشكل كامل عمليا مشاكل عديدة بعضها يشل حركة القوات والقيادة.


    البنزين برشوة ضابط اسرائيلي


    محطات الوقود في بيروت لم تتخذ احتياطاتها، لان محاصرة بيروت كانت مستبعدة، إضافة إلي أن القيادة المشتركة لم تنبه أحدا إلي هذا الاحتمال ليتخذ احتياطاته.
    وما هي ألا ايام معدودات من الحصار الكامل، حتي أصبح البنزين مادة نادرة، ويتداول التجار به في السوق السوداء بأسعار خيالية.
    حاولت التنظيمات أن تحل مشكلة البنزين كل تنظيم علي حدة.
    فسارع الإداريون للاتفاق مع محطات الوقود المنتشرة في بيروت الغربية، ودفعت التنظيمات ثمن الكميات التي ما زالت مخزونة، واستلمت إدارة المحطات توزيع البنزين علي آليات وسيارات التنظيمات. 11 لترا يوميا لكل سيارة. كان هذا هو القرار. وإذا كان القيادي أو العسكري نشطا ومتحركا فاللترات المحدودة ما كانت لتكفي لتحركه حتي منتصف النهار.
    بعد مضي شهر علي الحصار ازدادت الأزمة وراح إداريو المنظمات يشترون البنزين من السوق السوداء. بأسعار مرتفعة جدا.
    إلي أن جاء في صبيحة يوم من الأيام الحمراء ـ ذات اللهيب ـ من يقول لي هل انتم مهتمون بشراء البنزين فقلت له: بالتأكيد نعم .
    فأبلغني أن خزانات ضخمة يمكن أن تتحرك نحو بيروت عند حاجز من الحواجز الإسرائيلية، لأنه اتفق مع ضابط الحاجز علي دفع نسبة معينة له عن كل خزان يمر من نقطته لصالح ذلك الرجل.

    تساءلت حول الأمر فاختصر بالقول:
    طبقت ضابط الحاجز سأدفع له عن كل صهريج بنزين ألف دولار، وأستطيع أن أدخل أي عدد من الصهاريج بين الساعة الثانية ليلا والخامسة صباحا وهي فترة مناوبته .
    طلبت منه الانتظار دقائق، واتصلت بالمسؤولين الإداريين، الذين أرسلوا أحدهم ليبحث الأمر، وتبين له أن الاقتراح يوفر علينا مبالغ ضخمة من الأموال علي ضوء سعر البنزين في السوق السوداء.
    واتفقنا معه علي الأمر مع التخطيط. إذ قد يكون الأمر ضربا من الخداع والغش، طلب أن ندفع له ثمن عشرة صهاريج بنزين سيمررها فجر ذلك اليوم فرفض الإداريون بالطبع.

    واتفقوا معه في نهاية الأمر أن يكون من طرفهم مواطن لبناني في موقع قبل الحاجز الإسرائيلي، ومواطن آخر بعد الموقع الإسرائيلي وأن عملية التبادل الأولي تتم هناك ان حصل.

    ووصل البنزين للمحطات. وسارت الأمور بعدها عبر النقيب شلومو علي ما يرام، وأبلغنا كل الجهات المعنية بشراء البنزين أن الحواجز الإسرائيلية يمكن رشوتها بالدولار.
    فراحت الصهاريج تدخل في ساعات محددة من كل بوابات بيروت المحاصرة.


    الخبز والطحين عند عرفات


    مع اشتداد الحصار وازدياد القصف، وامتداد الوقت،بدأت الأفران تبيع الخبز للمواطنين بأسعار غالية، وأصبحت بعد فترة أسعارا مجنونة لا يمكن معها للفقراء أن يأكلوا خبزا.

    وطرح الأمر ـ وهو خطير ـ في اجتماع مختصر للقيادة المشتركة اللبنانية الفلسطينية. ولم يحضر ذلك الاجتماع سوي عدد بسيط من أعضاء القيادة المشتركة. استمع أبو عمار للأمر وقال غدا سأحل المشكلة ولم يشرح كيف سيحل المشكلة لكن الجميع اكتفوا بكلمات أبو عمار، وهم يعلمون أنه إن وعد بحل مشكلة ما فانه قادر علي ذلك. في اليوم التالي أمر أبو عمار بمصادرة كل كميات الطحين الموجودة في مخازن التجار في بيروت.
    فتم ذلك.

    ودعا التجار لاجتماع. وسألهم سؤالا واحدا؟ ما هو السعر الذي كنتم تنوون طرحه علي الأسواق.
    لم يتفوه أحد بكلمة.
    كان الجميع يرتعب.
    فتحدث أبو عمار بهدوء حول الحصار والمعارك الوطنية، ومعاناة الشعب وضرورة التكاتف.
    وعاد الي سؤالهم مرة اخري عن السعر.
    أجابه في آخر الأمر أحد التجار بذكر سعر معين من الواضح انه أعلي بكثير من سعر السوق.
    توجه أبو عمار للجميع سائلا هل هذا السعر مقبول للجميع؟
    كان رد فعلهم ايجابيا.
    فأمر ياسر عرفات بدفع قيمة الطحين المصادر.
    وأمر أبو عمار بتوزيع الطحين علي كافة الافران بالكميات التي كانت الافران تستخدمها عادة علي أن يوزع الخبز مجانا علي المواطنين بعد أن يدفع للافران أتعابهم وأرباحهم.


    بطولات سورية حتي 10 حزيران


    منذ أن بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان، في الخامس من حزيران من عام 1982 ركزت عجلة الدعاية الإسرائيلية أن الهدف من العملية العسكرية هو هدف دفاعي، وأن القوات الاسرائيلية ستطهر منطقة الأربعين كيلو مترا المحاذية لحدودها الشمالية، بحيث تمنع القوات المشتركة الفلسطينية والوطنية اللبنانية من قصف مستوطنات وبلدات شمال إسرائيل بالصواريخ، وعندما تمكنت القوات الإسرائيلية من السيطرة علي قلعة الشقيف (بوفور كما يسميها الفرنسيون) أعلن رئيس الوزراء بيغن في بيان أوحت لهجته أن أهداف الغزو قد تمت لكن القوات الاسرائيلية استمرت في تقدمها عبر تكتيك القفز، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المشتركة تقاتل بضراوة جحافل الجيش الاسرائيلي في منطقتي صور وصيدا، أنزلت سفن بحرية أمريكية الصنع قبالة شواطيء خلدة جنوب بيروت عشرات الدبابات البرمائية ظنا أن القيادة المشتركة ستؤخذ علي حين غرة، وأن معنويات المقاتلين ستنهار لأنهم سيظنون أن الإسرائيليين اجتاحوا كل مناطق الجنوب وأنهم يقومون باقتحام بيروت.

    إلا أن التصدي البطولي أجبر هذه القوة الغازية علي التراجع بعد أن دمر المقاتلون عددا من الدبابات وأسروا اثنتين منها.
    ولم يبد الغزو الاسرائيلي خطيرا للسوريين، الذين كانوا قد أبلغوا عبر الولايات المتحدة أن الاسرائيليين يقومون بعملية محدودة ردا علي ضربات الصواريخ إلا عندما تقدمت ارتال دباباتهم في عمق الشوف، ووصلت قواتهم بحمدون في جبل لبنان. عندها استنفرت سورية قواتها الخاصة، ونقلتها بالطائرات المروحية وخاضت هذه القوات ملاحم بطولية لوقف التقدم الاسرائيلي الذي كان يستهدف السيطرة علي مرتفعات جبل لبنان المطلة علي البقاع والتي تمكن المدفعية الاسرائيلية من ضرب دمشق.
    لكن سورية عادت فوافقت علي وقف أطلاق النار في العاشر من حزيران، بعد اتصالات سوفييتية أمريكية مكثفة، وخرجت سورية من المعركة، وبقيت القوات الفلسطينية واللبنانية الوطنية في مواجهة الجيش الاسرائيلي بكامل عدده وعدته.


    السوفييت ـ حقائق وأوهام


    وتشير حقائق الأمور والمعلومات الدقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية أعطت اسرائيل ضوءا أخضر لضرب منظمة التحرير، وأنها مددت لها أكثر من مرة الفترة الزمنية المسموح بها لتحقيق هذا الأمر، وأن هذا الموقف أبلغ للسوفييت الذين لم يبلغونا، بالرغم من تعلق بعض القياديين بحبال الهواء حول الموقف السوفييتي وادعائهم أنهم تسلموا رسائل من موسكو ـ وكانت كلها من ممثليهم في العاصمة السوفييتية، ولا علاقة للكرملين بها.
    ولقد وصلت الأوهام ببعضهم الي حد التحدث في اجتماعات رسمية حول قرب وصول حاملات طائرات هليوكوبتر سوفييتية قبالة شواطي بيروت وقرب التدخل السوفييتي، كان الأمر يبدو لي مضحكا وصبيانيا، أضحكني هذا الأمر عندما تحدث بعضهم في اجتماع ترأسه الأخ أبو عمار فقال بعضهم في مداخلاتهم أن السوفييت أكدوا في رسالة مستعجلة وصلت الي احد القياديين أنهم سيتحركون بسرعة، وأنهم سيتدخلون فاجابهم الأخ أبو عمار بهدوء شديد ولماذا يضع السوفييت سرهم لدي فلان من القيادات فبامكانهم الاتصال برئيس منظمة التحرير مباشرة إذا كان لديهم قرار خطير كالذي تتحدثون عنه . وخرج بعدها الأخ أبو عمار ليتابع المفاوضات السياسية مع رئيس وزراء لبنان شفيق الوزان. والحقيقة بعدها كانت معروفة للأخ أبو عمار، وهي بالضبط ما أبلغه إياه السفير السوفييتي في بيروت نقلا عن الكرملين مباشرة.
    حضر إلي بيتي الكائن في تلة الخياط، الكولونيل نوسكوف، وكان آنذاك مسؤول الاستخبارات العسكرية السوفييتية في سفارتهم ببيروت وابلغني أن هناك رسالة عاجلة من الكرملين وصلت للتو، وان السفير السوفييتي يريد أن يبلغها للأخ أبو عمار فورا، فقلت له أنني سأبلغ الأخ أبو عمار بها بأسرع ما يمكن. كان هذا في الساعة الثالثة فجر السابع عشر من تموز (يوليو).
    لأسباب أمنية، لم يكن ممكنا أو مسموحا الاتصال هاتفيا، فأسرعت نحو مقر الأخ أبو عمار السري وأبلغته بالأمر. فأمر بالتوجه فورا للسفارة السوفييتية ورافقته في تلك الزيارة الخاطفة. كان القصف الاسرائيلي البحري والبري مستمرا. وفيما كانت السيارة الصغيرة التي نقلتنا تلتهم كورنيش المزرعة، متجهة للسفارة السوفييتية، أنارت قنابل الإضاءة الاسرائيلية سماء بيروت، فأمر الأخ أبو عمار السائق أن يقود السيارة بسرعة عادية.
    وما هي إلا دقيقة أو هكذا وصلنا بوابة السفارة السوفييتية. وكان الحرس السوفييتي منتشرا، وكأنه ينتظر زائرا هاما، علي الرغم من أن الرئيس لم يبلغ السفارة بتلك الزيارة فتحت الأبواب فورا، ودخلت سيارته الصغيرة باحة السفارة الداخلية، وهبط منها الأخ أبو عمار، سار في المقدمة بخطوات عسكرية سريعة كعادته، وما إن وصل درج المبني الرئيسي حتي هرع السفير ومعه طاقم السفارة الأساسي لاستقباله.
    كاك دي لا بادر الأخ أبو عمار بمرح وبمعنويات عالية السفير السوفييتي الذي أجاب بمعانقته ومرافقته بسرعة إلي داخل السفارة.
    في تلك اللحظة بدأت أصوات الصواريخ والقنابل التي قذفت من الطائرات الحربية الإسرائيلية تصم الآذان وتهز أركان السفارة.
    بدا علي وجوه السوفييت قلق. الرئيس كان هادئ الأعصاب هل تشربون الشاي سيادتكم ؟ سأل السفير أبو عمار.
    أجاب الأخ أبو عمار بأن الوقت ضيق، وأنه لا يريد أن يجرب كرم السوفييت، ثم اطرق ناظرا إلي السفير وكأنه يدعوه للكلام.
    قال السفير محاولا أن يضفي علي ملامحه هدوءا كمثل الذي بدا علي وجه الأخ أبو عمار:
    لقد وصلتني للتو رسالة من مجلس السوفييت الأعلي وهي موجهة لكم يا سيادة الرئيس، تابع الأخ أبو عمار صمته منتظرا كلام السفير الوضع خطير يا سيادة الرئيس ويبدو ان الولايات المتحدة (تعد) المنطقة منطقة نفوذ لها، ونحن علي يقين أنها أعطت ضوءا أخضر للإسرائيليين أن يصفوا قيادة منظمة التحرير .
    والرسالة التي وصلتني من الكرملين واضحة كل الوضوح، فالرفاق يرون أنه من الحكمة أن تحني الرأس قليلا لتنقذ ما يمكن إنقاذه، لأنه لا مجال للتدخل السوفييتي سياسيا أو عسكريا. أو حتي إنسانيا, وأنه إذا عرض عليكم أن تخرجوا من بيروت علي ظهر سفينة حربية أمريكية فلا تترددوا .

    ابتسم أبو عمار بهدوء بارد كزرقة مياه المحيط، وقال إننا نعلم ذلك ولقد قررنا الصمود والمقاومة حتي نتمكن من إيجاد حل سياسي مشرف علي طريقتنا.

    لن نخرج في شاحنات الصليب الأحمر رافعين أيدينا مستسلمين، ولن نخرج علي ظهر سفينة حربية أمريكية، بل سنخرج في الوقت المناسب لنحمي ثورتنا ومستقبلنا، ولكن بالمحافظة علي كرامتنا، وزخم استمرار نضالنا لمنع شارون من دخول بيروت مهما كلف الأمر.

    أرجو أن تبلغ هذا للرفاق الأعزاء والأوفياء في موسكو.
    شكر السفير وهب واقفا معتذرا أن الوقت ضيق، وعليه أن يتابع مواجهة خطة شارون للدخول الي بيروت التي يمكن أن تبدأ صباح ذلك اليوم.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  7. #7
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    ضابط سوري صغير الرتبة يطلب من عرفات مغادرة سورية فورا وتونس تضع طائرة بتصرفه (5 ـ 15)

    عندما خرق الحصار البحري متنكرا من قبرص الي طرابلس

    بسام ابو شريف


    2008/05/07

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!




    التوتر الشديد في العلاقات السورية الفلسطينية. ... تفجر الحرب الأهلية اللبنانية... لكن السبب الحقيقي هو إصرار سورية علي الهيمنة علي القرارين الفلسطيني واللبناني لتقوية موقعها التفاوضي بما أن خيار الحرب لم يعد واردا منذ نهاية 1973.
    وراحت سورية تنسج سرا علاقات مع مراكز وقوي داخل فتح بهدف خلخلة زعامة عرفات، وإقناع فتح بالتحالف الاستراتيجي مع سورية.
    وتبين ذلك واضحا في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في دمشق (مقر الاتحاد العام لنقابات العمال) عام 1979.
    فقد تمكن تحالف قوي اليسار مع مراكز قوي في اللجنة المركزية لحركة فتح من شل المجلس الوطني.
    واستنفر عرفات وراح يعبئ الفتحاويين، تارة يطلب منهم الخروج من الجلسة لإفقادها النصاب، وتارة أخري يعودون وهم ينشدون أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها .
    إلي إن حصل ما لم يكن في الحسبان فقد اغتالت إسرائيل أبو حسن سلامة علي سلامة في بيروت، وكان مقربا وعزيزا علي قلب عرفات.
    فتقرر أن يعزي أعضاء المجلس الوطني الرئيس ياسر عرفات، الذي وضع نظارة سوداء علي عينيه وراح يتقبل التعازي وكأنه يتقبل المبايعة مرة أخري، بعد أن كادت البيعة أن تفرط.
    بعد انتهاء العزاء عاد عرفات لقاعة المجلس الوطني وهرول الجميع للقاعة ولم يترك مجالا لأحد، فقد كان الخطر يكمن في إنهاء جلسات المجلس الوطني دون أ ن تنتخب قيادة مما كان سيخلق فراغا خطيرا.
    وأعلن اقتراحه بأن تبقي القيادة علي حالها أي أن يعيد المجلس الوطني انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية السابقة.
    وبالرغم من المداخلات ومحاولات التعديل أصر ياسر عرفات. فقد كان يريد أن يثبت لسورية أن القرار الفلسطيني سيبقي مستقلا، وأنها لن تتمكن (حتي وان تحالفت مع بعض من فتح ) من التأثير أو التحكم بالقرار. وهكذا كان. صوت المجلس الوطني بالأغلبية، ورفع ياسر عرفات الجلسات وتحرك موكبه، دون إبطاء، إلي بيروت رغم تحذيره من أن طريق الجبل مغلقة بسبب الثلوج.
    رغم أنني كنت في تلك الفترة عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقفت إلي جانب عرفات في تلك المعركة.
    وتحركت نحو بيروت في الوقت الذي تحرك موكبه.
    عندما شارف الموكب علي الوصول إلي ظهر البيدر بدأ الثلج يتكاثف. فربطت دواليب السيارة بالجنازير، ورغم ذلك توقف الموكب عن التحرك عند ظهر البيدر لكثافة الثلج. فهبط ياسر عرفات من سيارته وبدأ يدفع السيارة للإمام. وهب الجميع بطبيعة الحال وراحوا يدفعون السيارات للإمام إلي أن تخطت المغطس الثلجي الخطير. وبدأ الموكب بالهبوط نحو بيروت.
    كانت هذه إحدي ميزات شخصيته. يبدأ هو العمل أمام الجميع ليحذو الجميع حذوه.
    هكذا فعل عندما قاوم الهجوم علي مكتبه في عام 1970 في الأردن وعند دوار مكسيم في جبل الحسين.
    وهكذا فعل في العرقوب جنوب لبنان. كان يعرف كيف يبث الحماس والحمية في الآخرين. هو المقاتل وهو القائد. وقيادته تستمد جذورها من كونه مقاتلا لا يتلكأ في القيام بأي عمل ضروري. استمرت المحاولات لإصلاح العلاقات السورية الفلسطينية ودعت دمشق وفدا من اللجنة المركزية لحركة فتح لبحث العلاقات.
    وفي نهاية الاجتماعات بين القيادتين السورية والفلسطينية (دون حضور عرفات والأسد) تمت صياغة وثيقة تحت عنوان التعاون الاستراتيجي الفلسطيني السوري.
    وكان علي الطرفين أن يتبادلا موافقة القيادتين عليها قبل أن تصبح سارية المفعول وكان أبو اياد يرأس وفد اللجنة المركزية لفتح.


    ماذا يريد حافظ الأسد؟

    بادرني بالسؤال قبل منتصف الليل في مكتبه بمقر جيش التحرير الفلسطيني قرب جامعة بيروت العربية في بيروت.
    ناولني نص مشروع التحالف الاستراتيجي لأطلع عليه وأبدي الرأي.
    بعدها أجبته من الواضح انه يريد الثقل الفلسطيني إلي جانبه وهذا يتطلب وضع ضوابط لهذا الثقل بحيث لا يخرج عن تصوره أو عن تحركه.
    هذا يعني فقدان استقلالية القرار الوطني الفلسطيني سأل الرئيس، فأجبت هذا وارد جدا في مضمون الوثيقة المقترحة.
    وفي اليوم التالي زارني ليلا صديقي وأمير شعرائنا محمود درويش.
    وفيما نحن نتحدث، وقد كسرت عقارب الساعة كل الحواجز، قرع باب البيت. فتحت فإذا بفتحي كبير مرافقي أبو عمار يقف أمامي حاملا سلاحه وقال بسرعة الرئيس قادم كانت الساعة تقارب الثالثه صباحا، بعد بضعة ثوان أطل الرئيس قائلا وهو يبتسم ابتسامة عريضة قفشتكم أي لقد أمسكت بكم.
    رحبت به.

    جلس بهدوء وصمت لحظات ثم قال:
    أريد أن أسألكما سؤالا؟
    ماذا يريد حافظ الأسد؟ .
    لقد طرح السؤال ذاته الذي كان قد طرحه علي بالأمس في مقر جيش التحرير الفلسطيني.
    واستمع الرئيس لنفس الجواب، فهب واقفا وقال إذا علينا أن ندافع عن استقلالية قرارنا. وقد يكون لذلك ثمن غال.
    وأصبح واضحا للجميع أن محاولات لجم م.ت.ف والهيمنة عليها أو اعتقال قرارها المستقل، فشلت.
    وراحت إسرائيل من طرفها تهدد وتتوعد. ووجهت أكثر من رسالة تهديد لسورية (التي كانت تنشر قوات لها في أكثر من موقع في لبنان- باستثناء الجنوب) عبر الولايات المتحدة ودول أوروبية.
    والرسائل كانت واضحة.
    إذا لم تلجموا م.ت.ف سنضطر نحن للقيام بذلك.
    وطلب الاسرائيليون من سورية أن تضغط علي م.ت.ف لإعادة نشر قواتها. بحيث تبتعد عن الحدود الإسرائيلية اللبنانية أربعين كيلوا مترا، وذلك كي يصبح مدي صواريخ القوات الفلسطينية اقصر من أن يضرب أرضا إسرائيلية.
    هيأت إسرائيل نفسها للغزو باجتياح عام 1980 الذي كان محدودا. وراح المسؤولون الإسرائيليون يحثون الإدارة الأمريكية علي منحهم الضوء الأخضر لتنظيف أربعين كيلوا مترا من ارض الجنوب اللبناني من أي وجود عسكري فلسطيني.

    وفي ربيع العام 1982 فتح الرئيس ريغان الضوء الأخضر فقام شارون في الخامس من حزيران (يونيو) عام 1982 بغزو لبنان وليس تنظيف أربعين كيلوا مترا حسبما طلبت إسرائيل سابقا.

    واضطرت القوات الفلسطينية والقيادة الفلسطينية للخروج من لبنان بناء علي الاتفاق الذي أبرمه فيليب حبيب المبعوث الرئاسي الأمريكي للبنان.
    وقعت سورية اتفاقا لوقف إطلاق النار في العاشر من حزيران، أي بعد خمسة أيام من المعارك مع الجيش الإسرائيلي الغازي، لتترك بذلك أجنحة القوات الوطنية اللبنانية والفلسطينية مكشوفة.

    وكانت خطط الدفاع الفلسطينية قد أخذت بالحسبان وجود القوات السورية في تلك المواقع.
    لقد أبلي الجنود السوريون في بحمدون والجبال الشرقية بلاء حسنا وأوقفوا تقدم الجيش الإسرائيلي. لكن اتفاق وقف إطلاق النار أخرجهم من المعارك. فيما تحولت قواتهم (قليلة العدد) في بيروت إلي كم غير فاعل بسبب فقدان الذخائر وتحملت القوات الفلسطينية مسؤولية رعايتهم.
    أدت كل هذه التراكمات بياسر عرفات إلي رفض فكرة التوجه إلي سورية بعد الاتفاق علي مغادرة القوات الفلسطينية والقيادة الفلسطينية بيروت بحماية دولية، وأن تحل محلهم قوات متعددة الجنسيات لحماية المخيمات.


    أرض الله الواسعة

    قرر ياسر عرفات التوجه أولا لليونان ومن اليونان إلي أماكن أخري.
    ولم يكن لدي أحد شك بأن قراره هذا كان نوعا من العتاب (أو الإدانة) للموقف السوري.
    وحاول الرئيس ياسر عرفات أن يقنع أعضاء القيادة الفلسطينية بالخروج معه، وعدم التوجه لدمشق حتي تكون الرسالة واضحة. لكنه لم ينجح في أقناع قادة التنظيمات اليسارية أو قادة يسار فتح بالخروج معه.
    قبل ثلاثة أيام من مغادرتنا بيروت إلي طرطوس (ميناء سوري علي شاطيء البحر الأبيض المتوسط) عقد المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اجتماعا طارئا لبحث الترتيبات النهائية للخروج ومتابعة العمل من سورية.
    وترأس الاجتماع الدكتور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية.
    وعقد الاجتماع في مكتبي بمقر مجلة الهدف التي كنت أرأس تحريرها لفترة طويلة. وبينما نحن منهمكون في مناقشة الترتيبات، فتح باب المكتب وإذا بالرئيس ياسر عرفات يرافقه عدد من المسلحين يطل قائلا وهو يضحك:
    كبسة كبستكم علي من تتآمرون؟

    كان يضج بالحيوية ويمازح ويضحك وهرع نحو الحكيم ليعانقه وجلس قائلا: اعتبروني عضو مكتب سياسي عندكم. لنكمل الحديث. وضحك الجميع.
    اطرق قليلا وهو يهز ساقه ثم رفع رأسه وقال: اسمحوا لي أن أقول كلمة قبل أن أترككم تتتابعون عملكم.
    رغم ضآلة إمكانياتنا، هزمنا شارون .
    وألحقها فورا بكلمة وحدنا عارفين يعني إيه وحدنا، وهم يتصورون أننا نغادر بيروت نحو الاندثار والانهيار. لكننا لن ننهار ولن نندثر.
    أنا عائد للقدس .
    ولا أعتقد أن أحدا منكم يمانع في عودته للقدس. لكن طريق القدس لن تمر بدمشق. يجب أن نشق طريقنا.
    لذلك أقول لأخي جورج تعال معي .
    تلاحمنا في الميدان يجب أن يتلوه تلاحم سياسي تعال معي أنا رايح اليونان، ومن هناك سأتوجه لأرض الله الواسعة .


    فأجابه الحكيم بكل تهذيب أن وجهة مغادرته تخضع لقرار المكتب السياسي، وليس لقراره الشخصي. وأن قرار المكتب السياسي هو أن يتوجه لسورية. وكذلك أعضاء المكتب السياسي المضطرون للمغادرة.

    رفع الرئيس رأسه الذي كان مطرقا لسماع ما يقوله الحكيم، وقال
    حسنا، إذا جئتكم مودعا وسنلتقي حتما . وقف وصافح الحكيم والبقية وخرج من المكتب.
    رافقته للخارج. ... حتي باب سيارته، وفيما هو يدخل السيارة قال لي: لقد صمدنا وانتصرنا. وخروجنا من بيروت هو توجه للقدس.
    بسام هل تحتاج شيئا . سألني.
    فقلت له كلا شكرا .
    فقال لي إذا إلي اللقاء. لا ادري متي أو أين لكننا سنلتقي.
    فسألته : ألن تأتي إلي دمشق؟
    أجابني : بالطبع. ... بالطبع.

    وتحرك موكبه. وعدت أنا لاجتماع المكتب السياسي.
    انتهينا من الاجتماع وتحرك الجميع كل باتجاهه ليهييء نفسه للمغادرة.
    ازداد التوتر الذي ساد العلاقات السورية الفلسطينية مع الزيارة الأولي التي قام بها الرئيس لدمشق بعد خروجه من بيروت علي ظهر سفينة يونانية إلي اليونان.

    اغتيال اللواء سعد صايل

    فقد شددت السلطات السورية من إجراءاتها لتقييد الحركة والنشاط الفلسطينيين. وفرضت في منطقة البقاع إجراءات تحد من حركة الفلسطينيين وتغيير مواقعهم.
    وبلغ التوتر حدا كبيرا حين نصب مسلحون كمينا لموكب اللواء سعد صايل قائد القوات الفلسطينية في البقاع واغتالوه.
    وسرت شائعات كثيرة بعضها يتهم السلطات السورية باغتياله، والبعض يتهم عملاء إسرائيليين. لكن الحد الأدني لتلك الشائعات كان يوجه اللوم للسلطات السورية لعدم إرسالها طائرة هليوكوبتر لنقل اللواء سعد صايل إلي المستشفي، وتركه ينزف حتي استشهد.

    كان من المقرر أن يقوم الرئيس بتلك الجولة علي القوات للتهنئة بالعيد.
    لكن الرئيس ألغي ذلك بناء علي تحذيرات وصلته.
    فقد منعت القيادة الفلسطينية منذ خروجها من بيروت من العودة للبنان.
    وحذر الرئيس كافة القيادات من التوجه إلي لبنان وحاول ثني اللواء سعد صايل، الذي أصر علي زيارة القوات وتهنئتها بالعيد خاصة بعد خروج القيادة من بيروت، مؤكدا أن هذه الزيارة سترفع معنويات القوات.



    أمر الترحيل

    وشمل التضييق منع الفرق الإعلامية (التلفزيونية وغيرها) من دخول دمشق لإجراء مقابلات مع الرئيس ياسر عرفات.
    وفي غرفة داخلية صغيرة، من غرف مكتب الرئيس بدمشق سألني الرئيس : ما هو رأيك، هل اذهب للمطار وأقابلهم هناك وأغادر.
    فكرت قليلا وقلت : لا اعتقد انه يجب التسرع.
    كانت أصداء مجزرة صبرا وشاتيلا ما زالت تهز ضمائر الجميع. وفي تلك الفترة وافق الرئيس علي أجراء سلسلة مقابلات (علي غير عادته) للتركيز علي مجزرة صبرا وشاتيلا.
    قرر الرئيس ألا يغادر. لكنني شعرت انه بدأ يعيد حساباته منذ تلك اللحظة. لكن زيارته الثانية شهدت توترا أكبر. وطفح الكيل بالنسبة للسلطات السورية التي كانت تلاحظ حركة واسعة لإعادة انتشار القوات الفلسطينية في البقاع والهرمل. فصدر الأمر بترحيل عرفات،الذي أبلغ القيادة الفلسطينية أنه تلقي تبليغا بمغادرة سورية. فرافقه الدكتور جورج حبش ونايف حواتمة في نفس السيارة كحماية له من أي اعتداء يمكن أن يتعرض له وهو في طريقه للمطار.
    كانت الإجراءات بعيدة كل البعد عن اللياقة وطلب ضابط صغير الرتبة من الرئيس أن يغادر علي أول طائرة مهما كانت وجهتها.
    استنفر مرافقو الرئيس وكانوا يحملون أسلحتهم الرشاشة، وبدأ البحث عن طائرة مغادرة ليستقلها الرئيس ومرافقوه.
    بحث الإخوة الأمر مع قائد طائرة تونسية تتهيأ للإقلاع. فاتصل بتونس وأعطي ضوءا أخضر بان يضع نفسه وطائرته تحت تصرف الرئيس ياسر عرفات.
    وغادر أبو عمار دمشق.

    كانت تشيكوسلوفاكيا قد دعت منذ فترة لمؤتمر دولي حول السلام في الشرق الأوسط. ولم نكن ندري ما إذا كان الرئيس سيلبي الدعوة أم لا.
    فبعد أن غادر الرئيس دمشق بقيت فيها مع زملائي أعضاء المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكنت ضمن الوفد الذي تقرر أن يمثل فلسطين في هذا المؤتمر. فغادرت دمشق إلي براغ.

    ضم الوفد عددا كبيرا من القيادات الفلسطينية. لكن الجميع كان يترقب الخبر اليقين. هل سيحضر الرئيس ياسر عرفات أم لا.
    وفي الصباح الباكر من يوم افتتاح المؤتمر ابلغنا سفير فلسطين لدي تشيكوسلوفاكيا (عاطف أبو بكر آنذاك) بان الرئيس سيصل إلي براغ، وان علي من يريد المشاركة باستقباله التوجه إلي قاعة التشريفات الرئاسية في مطار براغ. فتوجهت للمطار.

    الطقس كان باردا جدا، ورغم ذلك لم امتلك نفسي فخرجت من القاعة المدفأة نحو المدرج الذي ستصل إليه الطائرة، ورحت انتظر وكأنني استعجل وصول الطائرة.

    وهبطت أخيرا وسارت علي مهل إلي أن توقفت أمام السجاد الأحمر. فتح باب الطائرة وهبط الرئيس ومن خلفه مرافقوه.

    صافح الجميع وعانقهم. وعندما عانقني ضغط بشدة علي كتفي عوضا عن الكلام. وتحركنا علي عجل. وهرول الجميع نحو السيارات بينما سرت علي مهل مفكرا ومتأثرا.

    فقد مضت فترة شهور منذ أن رأيته آخر مرة في دمشق.
    وفجأة انتبهت أنني أقف وحيدا علي رصيف تلك القاعة الضخمة. كل السيارات غادرت. نظرت حولي باحثا عن سيارة أجرة. لا أحد. لم يكن مسموحا لسيارات الأجرة أن تقف عند تلك القاعة. وكان علي أن أسير في هذا الطقس العاصف مسافة كيلومتر لأصل إلي اقرب موقف للسيارات. وقلت لنفسي عليك أن تفعل ذلك بدلا من الوقوف والانتظار دون جدوي.

    بدأت أسير. وفجأة سمعت أصوات سيارات من خلفي، نظرت فإذا هو موكب الرئيس. توقفت سيارة الرئيس وفتحت النافذة وطلب مني الرئيس أن اصعد إلي جانبه.

    كان يجلس في المقعد الخلفي إلي جانب المسؤول التشيكي الذي كان علي رأس المستقبلين. فصعدت إلي جانبه وأسرع الموكب نحو المقر المخصص للرئيس.

    ضغط علي يدي دون أن يتفوه بكلمة.
    بعد انتهاء المؤتمر وتفادي الصدام السياسي مع الوفد السوري التقينا في منزل سفير فلسطين عاطف أبو بكر.

    طرابلس.. طرابلس

    وتحدث الرئيس للموجودين حول الأوضاع الخطيرة في المنطقة، وحول محاولة السلطات السورية شق حركة فتح،وشق القوات الفلسطينية، وحول استخدامها لبعض قيادات فتح التي انشقت وانحازت لها، لضرب حركة فتح، وان هذا التصرف هو استكمال للمؤامرة علي منظمة التحرير الفلسطينية، ومحاولة تصفيتها، الشيء الذي عجزت عن تنفيذه إسرائيل.
    انتهي الاجتماع وبدأ الفريق المرافق للرئيس يتهيأ للمغادرة.
    انتحي الرئيس بي جانبا وسأل:
    هل ستعود إلي دمشق؟ فقلت له نعم.
    فقال: خذ حذرك. أما أنا فسأتوجه إلي طرابلس قريبا.
    فسألت بدهشة كبيرة: طرابلس؟
    طرابلس الغرب؟
    فأجاب: لا طرابلس الشمال. أخوك أبو جهاد ينتظرني هناك.
    ولم أعلق. كان قرارا خطيرا جدا.
    فهو يعلم أن إسرائيل تريد تصفيته، وأن السلطات السورية لا ترغب بوجوده في تلك المنطقة، وأن طرابلس الشمال مطوقة من كل الجهات بما في ذلك البحر.
    كان قرارا خطيرا يشبه قرار الانتحار. لكني لم أعلق.
    كان واضحا أنه يريد أن يقول للسلطات السورية أن لا احد يستطيع الهيمنة علي القرار الفلسطيني، وأن من انشق وانحاز لهم لا يمثل حركة فتح أو منظمة التحرير الفلسطينية. وانه مستعد للاستشهاد دفاعا عن استقلالية القرار الفلسطيني.

    لكن كيف سيصل الي طرابلس. سألت نفسي؟ سورية مغلقة، لبنان مغلق، البحر مغلق، فالشاطيء اللبناني يعج بالزوارق الحربية الإسرائيلية.
    لكنه وصل إلي طرابلس. كيف وصل ؟
    قصة وصول الرئيس إلي طرابلس قصة تشبه الأفلام البوليسية. وقد لا يتخيل إنسان أن الرئيس اتخذ قرارا بالمجازفة كان من السهل أن يكون ضحيتها. لكنه اتخذ القرار وجازف ووصل.

    هذه إحدي ميزات شخصية أبو عمار، فهو لا يأبه للمخاطر عندما يريد الوصول إلي هدفه، لكنه يعمل كل ما يمكن عمله لتخفيف تلك المخاطر قدر الامكان. ويحسب حساب كل صغيرة وكبيرة. ويضع أمامه كل العوامل المتغيرة التي يحتمل أن تفاجأه. وبعدها شرع في العمل.

    رتبت رحلة الرئيس الي طرابلس الشمال في بداية الأمر دون استخدام الهاتف أو الفاكس أو البريد الالكتروني، عبر لقاءات مباشرة بين منظمي الرحلة والأشخاص المعنيين، وذلك تحاشيا لأي خطأ أو خرق أمني. واختيرت مجموعة من الشباب من الذين رافقوا الرئيس علي مدي سنوات، والجميع يطمئن لوفائهم وولائهم وحرصهم علي الرئيس.

    سفير فلسطين لدي قبرص فؤاد البيطار لعب دورا محوريا في ترتيب تلك الرحلة.
    كانت المرة الأولي التي يتخلي فيها الرئيس عن بزته العسكرية ومسدسه والحطة الفلسطينية.
    مضت فترة زمنية طويلة نسبيا بين تلك الاتصالات الأولية المباشرة.
    صباح يوم السادس عشر من أيلول (سبتمبر) ـ العام 1983 (قبل يومين من عيد الأضحي) اتصل مكتب الرئيس في تونس بالسفير فؤاد البيطار سفير فلسطين لدي قبرص، هاتفيا. ابلغه احد مساعدي الرئيس، أن مجموعة من أصدقاء الرئيس ستصل إلي لارنكا، وان الرئيس يطلب منه الاهتمام بهم لأنهم عزيزون عليه.

    ولم يتطرق للتفاصيل.
    وأجري مكتب الرئيس اتصالا هاتفيا آخر مع السفير فؤاد البيطار بعد ثلاث ساعات من الاتصال الأول.

    وكرر أحد مساعدي عرفات توصية الرئيس بالاهتمام بالمتوجهين إلي لارنكا. لكن هذا الاتصال تطرق إلي مواضيع جديدة، فقد أعلم فؤاد البيطار أن المجموعة ستصل لارنكا، وأن عليه تأمينهم في الفندق، وترتيب وصولهم إلي طرابلس، لرؤية الأخ أبو جهاد الذي كان موجودا في طرابلس علي رأس القوات الفلسطينية.

    أدرك السفير أن الأمر ليس توصية عادية بل إن مهمة هؤلاء الأصدقاء مهمة خاصة.
    وازدات الحيرة، إذ لم يبلغوا فؤاد بيطار عن رقم الرحلة، أو موعدها أو موعد السفر. وعندما استفسر هو لم يتلق أي جواب.

    وفي اليوم التالي اتصل الرئيس ياسر عرفات بنفسه بفؤاد البيطار وقال له يا فؤاد، إنهم أصدقاء مهمون، وهم يحملون رسالة لأخيك أبو جهاد، وأريد منك أن تهتم أنت شخصيا بهم .

    وازدادت حيرة السفير.
    وعندما خطر له أن المجموعة القادمة قد تكون الرئيس ومن معه، طرد الفكرة مباشرة، إذ لو كان الرئيس هو الذي سيصل إلي لارنكا، لما تحدث معه هاتفيا.
    بعد منتصف الليل، تلقي فؤاد اتصالا هاتفيا آخر من مكتب الرئيس، للاستفسار عما إذا أجري الترتيبات اللازمة لركاب الطائرة الخاصة، طائرة رجال الأعمال التي ستصله صباحا.

    وبعد ساعة من ذلك الحديث تلقي فؤاد اتصالا آخر وكان المتحدث هذه المرة الرئيس نفسه.
    أكد علي فؤاد اهتمامه الشخصي بالإخوة المتوجهين إلي لارنكا، وانه يعتمد عليه لأنه سيتوجه للجزائر ثم لليمن، لقضاء العيد مع القوات الفلسطينية المتمركزة في هذين البلدين الشقيقين، وانه لن يتمكن من الاتصال به قبل ساعات.

    فوعد فؤاد الرئيس خيرا وطلب منه أن يطمئن من كل النواحي.
    قام فؤاد بالترتيبات اللازمة واستأجر زورقا سريعا قادرا علي قطع المسافة بين لارنكا وطرابلس خلال ثلاث ساعات.

    وفي الصباح التالي، أبلغ فؤاد بان الطائرة الخاصة تقترب من مطار لارنكا، فتوجه فورا لقاعة التشريفات بالمطار. وعند الساعة التاسعة صباحا حطت الطائرة واقتربت، كما هي العادة من الباحة الخارجية لقاعة التشريفات. وما أن هدأت محركاتها، اقترب فؤاد منها، وعندما فتح الباب وانزل سلمها الصغير، صعد فؤاد للطائرة ليحيي المجموعة وليتعرف عليها.

    ثياب مدنية وذقن حليق

    ويقول فؤاد البيطار، انه أصبح علي يقين، وهو يصعد سلم الطائرة ان الرئيس ياسر عرفات لا يمكن أن يكون ضمن المجموعة.
    ولهذا كان ذهوله كبيرا عندما رأي الرئيس يجلس علي مقعد من مقاعد الطائرة.

    كان الرئيس حليق الذقن، إلا من شارب كثيف ويلبس ثيابا مدنية.
    لم يعتد أحد علي رؤية الرئيس عرفات بهذا الشكل. لكن ها هو في طائرة خاصة وينوي التوجه إلي طرابلس.

    اسقط بيد فؤاد البيطار الذي قال: لا أستطيع تحمل هذه المسؤولية سيدي الرئيس؟

    فأجاب الرئيس فورا:
    هذا أمر عسكري، لنتحرك بسرعة ولا تضيع الوقت .

    أمام هذا الأمر، هبط الجميع من الطائرة وتوجهوا لقاعة التشريفات التي كانت تبعد أمتارا عن الطائرة.

    ولم ينتبه أحد لهوية المجموعة. وجلس الجميع في القاعة، والذهول ما زال يسيطر علي فؤاد البيطار الذي شعر بجسامة المسؤولية التي يتحملها في تلك اللحظة.

    لكن سرعان ما تحرك فؤاد.
    فقال للرئيس، من الأفضل أن نتحرك فورا لمنزلي، حتي لا ينكشف سرنا. فقد يدخل القاعة في أية لحظة ضيوف التشريفات. وتحرك الجميع فورا لمنزل السفير، وترك الرئيس لأخذ قسط من الراحة.

    كان كل شيء جاهزا. .... لكن في اللحظة الأخيرة، حصل ما لم يكن متوقعا. فقد اعتذر صاحب الزورق السريع وأبلغ ملاذ ـ نائب السفير ـ بأنه لن يتمكن من القيام بتلك الرحلة لأسباب طارئة.

    أجري فؤاد اتصالات سريعة لتأمين زورق آخر. وتم ذلك ولكن الزورق هذه المرة كان زورقا بطيئا وستستغرق الرحلة تسع ساعات مما يعرضه لمخاطر أكثر بكثير من المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الزورق السريع.
    فالساعات التسع ستضع الزورق تحت رحمة أية دورية خفر سواحل أو زوارق حربية إسرائيلية.

    لكن قرار الرئيس كان قاطعا: علي بركة الله، لنتوجه فورا.
    وتحرك الجميع إلي لارنكا مرة أخري.
    أسدلت الستائر علي نوافذ السيارة وجلس الرئيس في المقعد الخلفي وطلب منه عدم لمس الستائر وألا يلتفت لأحد عند الوصول.

    قرب الميناء أوقفت السيارة وهبط فؤاد ليكمل الاتفاق مع صاحب الزورق، وأعطي الرئيس صحيفة يونانية، وطلب منه تصفحها تمويها.
    خلال دقائق تم كل شيء وكانت الساعة تشير للحادية عشرة والنصف صباحا عندما صعد الرئيس ومرافقوه للزورق.

    مجموعة من خيرة الشباب الشجعان رافقت الرئيس، جهاد الغول، أبو سليم، كاسترو، وأبو علي حسن.

    لم يصعد فؤاد للزورق لتوديع الرئيس خشية أن يلفت الانتباه.
    ودعه دامعا، وتم الاتفاق أن يتصلوا بفؤاد فور الوصول لطمأنته وطمأنة الاخوان.
    أبحرت الباخرة الصغيرة نحو شواطيء لبنان. وعاد فؤاد للسفارة، واستدعي كل من ساهم في الترتيبات وطلب منهم الجلوس في مكتبه، وأبلغهم أنه سيغلق عليهم الباب، وسيقطع خطوط الهاتف عنه إلي أن يصل الرئيس، وبعدها سيكونون أحرارا.

    وقبل خروجه من المكتب نظر إليهم قائلا : هذا الإجراء حماية لكم في حال حدوث أي خطأ.
    زاد بطء القارب الرحلة رتابة فيما تنشد قلوب وأعصاب المجموعة نحو الوصول للشاطيء بأسرع وقت ممكن.
    وبعد مضي عدة ساعات أراد الرئيس أن يصعد إلي سطح المركب ليري من بعيد شواطيء لبنان وفلسطين.
    حاول المرافقون ثنيه عن ذلك لكنه أصر.
    لاحظ القبطان أن شيئا غريبا يكتنف هذه المجموعة. كان القبطان سوري الأصل من أرواد.

    وعندما صعد الرئيس لسطح الزورق تحيط به المجموعة، دقق النظر في وجهه وعرفه. عرف أنه يحمل في زورقه الرئيس ياسر عرفات.
    هجم القبطان معانقا الرئيس قائلا:
    يا رئيس أنت قائدنا ورمزنا أنت أمانة في عنقي.

    فشعر الرئيس أن بامكانه التمتع بمنظر الشاطيء، شاطيء فلسطين ولبنان.
    وعند الوصول للميـــــــاه الإقليــــــمية اللبنــــــانية أبلغ الرئيــــــس أن قـــــاربه (الباخرة الصغيرة) تحتاج لمياه عميقة للرسو، وأن الشاطيء القريب من نهر البارد ليس عميقا.
    أعطي قبطان الباخرة إشارات لقوارب الصيد المنتشرة في تلك المياه فاقترب واحد منها. فاوضه القبطان واتفق علي نقل المجموعة للشاطيء مقابل أجر كبير.
    واضطر قارب الصيد أن يتوقف علي بعد أمتار عديدة من الرمال لأنه لا يستطيع التقدم أكثر.
    فقام أحـــــــد المرافقين بحمـــــــل الرئيــس علي كتفه وعبر بضع الأمتار المعدودة من البحر. كانت المياه تصل إلي وسطه، فتقدم حتي وصل الشاطيء وانزل الرئيس من علي كتفه.
    ولحق الآخرون بهما.
    أسرعوا نحو الشارع العام وأوقف أحد الأخوة سيارة أجرة وطلب من السائق أن يقلهم لمدخل المخيم.

    انتبه السائق فراح ينظر عبر مرآة السيارة للراكب الذي جلس في الخلف يحيط به الشباب. ثم راح يصرخ فجأة أبو عمار قائدنا كلنا فداك .
    أراد السائق أن يوقف السيارة ليعانق الرئيس. لكن الرئيس طلب منه ان يتابع سيره بسرعة.
    فتابع سيره نـــــحو مدخل المخيم. أوقف السائق سيارته عند مدخل المخيم وهرع نحو الباب الخلفي ليفتحه. فهبط الرئيس من السيارة، وعانقه السائق بقوة وودعه داعيا له بالنصر.

    وتقدم الجميع نحو المخيم.
    كانت الراحة تبدو علي وجه الرئيس، وأعصابه هادئة، فسار يحث الخطي نحو مقر القيادة.

    وهناك كان أبو جهاد بانتظاره.

    انتهت الرحلة الخطرة لتبدأ المعركة الأخطر.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  8. #8
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    عرفات يثق كثيرا بحكام الجزيرة والخليج وهم لا يحبونه

    بسام ابو شريف

    07/05/2008



    أبو عمار يودّع لبنان الي الأبد ويوجه سفينته الي مصر في خطوة جريئة لانهاء المقاطعة العربية (6 ـ 15):
    انديرا غاندي: عرفات يثق كثيرا بحكام الجزيرة والخليج وهم لا يحبونه



    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.

    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!



    كان علي أن أتوجه إلي نيودلهي لحضور مؤتمر ناميديا (إعلام دول عدم الانحياز). رتبت الأمور. واتصلت بعدها بالرئيس عرفات في طرابلس لاستفسر عن الأوضاع.
    شرح لي الموقف. وأبلغته أنني سأتوجه للهند لحضور مؤتمر ناميديا.
    فحملني رسالة شفهية للسيدة العظيمة أنديرا غاندي.
    واختتم قائلا وهو يضحك:
    تذكر أن تطرح لها موقفي وليس موقف من هم في دمشق .

    كان مخططا لأعمال المؤتمر أن تستمر يومين. وكنت قد أعددت كلمتي ومشروع برنامج تعاون بين أجهزة إعلام دول عدم الانحياز للانفكاك من احتكار الخبر من قبل الوكالات الغربية.
    فألقيت كلمتي وطرحت المشروع علي اللجان في اليوم الأول. ثم طلبت من البروتوكول ترتيب موعد لي مع الرئيسة انديرا غاندي لنقل رسالة الرئيس ياسر عرفات المحاصر في طرابلس لبنان.
    أبلغت في اليوم الثاني أن الرئيسة حددت لي موعدا في الخامسة إلا ربعا بعد الظهر في مكتبها برئاسة الوزراء.



    انديرا غاندي.. بساطة وتواضع



    بعد الظهر وصلت إلي مكتبها في الرابعة والنصف وشرحت لمديرة مكتبها أنني جئت مبكرا حتي لا اصل متأخرا في ظل ازدحام السير بمدينة نيودلهي.
    فابتسمت وقالت لا بأس تفضل وادخل إلي مكتب الرئيسة.
    مذهل.....مذهل.
    غرفة كبيرة جدا. تشبه قاعة استقبال.
    ومكتبها كان عبارة عن لوح خشبي عرضه متر يلتف دائريا من طرف الغرفة إلي طرفها الآخر.
    وأمام ذلك اللوح الخشبي وضعت مقاعد عملية جدا. أما هي فكانت تجلس علي مقعد متواضع يتحرك علي عجلات.
    كانت الرئيسة أنديرا تقابل أحد الذين طلبوا موعدا لبحث موضوع، وتتحدث باختصار وتدون ملاحظات علي دفترها، ثم تتحرك جارة ذلك المقعد للشخص التالي. وبنفس السرعة والكفاءة تنهي معه وتسجل ملاحظات وتنتقل للتالي. مذهل. لا وقت للقهوة، ولا وقت للحديث المطول، ولا وقت للمجاملات.
    كان قد اصطف أمامي عشرون من هؤلاء الزوار. واتاح لي ذلك فرصة المراقبة والإعجاب الشديد بهذه المرأة الشجاعة التي تقود امة تعدادها مليار نسمة.
    اقتربت من المقعد الذي دعيت للجلوس عليه، وقبل أن تتحدث للمواطنين الهنود الذين بقوا هناك ألقت نظرة سريعة علي. وعادت لتعطي انتباهها للمواطنين.
    دقائق وانتهي كل شيء. خرج الجميع وبقيت أنا.

    اقتربت بمقعدها المتحرك قائلة بهدوء سيد أبو شريف، ما هي أخبار الرئيس عرفات؟ .
    قالت ذلك بحزن شديد وضيق وعاطفة. وكأنها تسأل عن أخبار أحد أبنائها. كنت متأثرا بطريقة عملها وخشيت إن طال الشرح أن يضيق صدرها باللقاء. فاختصرت كثيرا ملخصا للوضع. وقلت لها إن الرئيس يواجه خطرا شديدا وطلبت منها المساعدة في ذلك.
    تنهدت بعمق قائلة: مشكلة الرئيس عرفات أنه يعتمد كثيرا ويثق كثيرا بدول الجزيرة والخليج، وعليه أن يحذر من هذا وأن يكون فطنا، فهم لا يحبونه.
    واستدعت مديرة مكتبها قائلة اطلبي لي الرئيس حافظ الأسد.
    ثم استدركت بسرعة ونظرت إلي وسألت: هل تعافي من مرضه؟
    هل يستطيع التحدث عبر الهاتف؟
    فأجبتها بالإيجاب.
    استدارت مرة أخري نحو مديرة مكتبها وقالت لها: صليني بالرئيس حافظ الأسد.
    سألتها إذا كانت تريد مني أن أغادر الغرفة لتتحدث بحرية، لم تجب أشارت بيدها فقط أن أبقي جالسا.
    تحدثت الرئيسة انديرا مع الرئيس حافظ الأسد، مهنئة أولا بسلامته، وبكل عذوبة طلبت منه وقف ما يدور في طرابلس، وأن يسمح للرئيس عرفات ورجاله بأن يغادروا عبر الأراضي السورية لخطورة البحر الذي تتحكم به إسرائيل. لم أسمع ما قاله الرئيس حافظ الأسد. لكنها قالت لي بعد انتهاء المكالمة: سلم كثيرا علي الرئيس عرفات وقل له ان الهند تحبه كثيرا وتحترمة كثيرا، وإنه يواجه وضعا صعبا. لن يكون ممكنا خروجه عبر سورية. عليه أن يجري اتصالاته مع أوروبا وآمل أن يبقي علي اتصال بنا.
    ووقفت الرئيسة انديرا وتوجهت نحو الباب وتوجهت أنا كذلك.
    كانت الغرفة هادئة وخالية بعد أن كانت تعج بالناس.
    وعندما فتحت الباب وأطلت بهيبتها التي تفرض الاحترام هبت مديرة مكتبها واقفة. فابتسمت لها قائلة سأغادر الآن وسأعود مساء لمتابعة العمل. وسرنا جنبا إلي جنب حتي البوابة الخارجية الجانبية.
    لا حراس ولا مرافقين. لا تدافع. رئيسة دولة الهند تسير بهدوء تحمل علي كتفها أحمالا تهد أشد الرجال. كانت مطرقة وكأنها قلقة.
    سيارتها المتواضعة (صناعة الهند) كانت تقف بانتظارها. سائقها فتح الباب ووقف ينتظر.
    صافحتني قائلة: رافقتك السلامة. لا تنس أن تقول للرئيس عرفات أن يحتاط وأن يحذر وأن يحمي نفسه. كثيرون يريدون التخلص منه.
    وهمت بالصعود لسيارتها. لكنها استدارت وقالت: لا تنسي أن تقول له إن الهند تحبه.
    دلفت إلي السيارة وأغلق سائقها الباب وحيتني مودعة.
    وسارت سيارتها علي مهل دون موكب، دون سيارات حراسة تتدافع، دون بروتوكول. امرأة عظيمة، قائدة عظيمة. فهي عريقة وقائدة شجاعة.
    وفي اليوم التالي عدت إلي دمشق وتحدثت مع الرئيس هاتفيا من منزلي وأبلغته عن لقائي بالمرأة العظيمة انديرا غاندي ونقلت له ما أوصتني أن أنقله له.
    وكعادته سألني:
    هل قالت لك كده ؟
    فأجبت نعم هذا بالحرف وأكدت عليه أكثر من مرة. الحذر يا أبو عمار ولنبدأ الاتصالات.
    اشتد القصف علي موقع الرئيس والقوات الفلسطينية في مخيمات طرابلس وطرابلس المدينة والميناء.
    واشتبك بعض حلفاء فتح في الشمال اللبناني، من الحركات الإسلامية مع أحزاب لبنانية حليفه للثورة الفلسطينية مثل الحزب الشيوعي اللبناني. واجتاحت هذه القوي الإسلامية المتطرفة مكاتب ومقرات الحزب الشيوعي اللبناني وقتلت عددا من إفراده. مما زاد الأمور تعقيدا.
    كانت تلك الفئات المتطرفة تعتبر تحالف الحزب الشيوعي مع الحكم في سورية انحرافا عن خطه السابق... وانه بذلك أصبح معاديا للثورة الفلسطينية. وكان هذا خطأ فادحا.
    بدأت الاحداث تتسارع وتكثفت الاتصالات الدولية. كنت علي اتصال يومي بالرئيس عرفات لمعرفة التطورات ولإعطائه ملخصا عما يدور خارج إطار الحصار.



    كسر الجليد مع مصر


    وتم الاتفاق مبدئيا علي خروج الرئيس ومن معه بحرا ـ مرة أخري.
    في تلك اللحظات لم يكن أحد يدري ما يدور في رأس الرئيس عرفات من أفكار أو خطط، ولم يكن أحد يتصور أن وجهة سفره سوف تكون مكانا آخر غير تونس.
    فكر الرئيس مليا.
    خروجه من طرابلس بعد بيروت يعني أن تلك الجبهة قد أقفلت تماما في وجهه، ووجه القوات الفلسطينية. ليس هذا فحسب بل ان سورية اصبحت بحكم المؤكد خارج إطار أي تحالف مع م.ت.ف كل هذا في ظل علاقات غير حميمة مع الأردن. لم يكن أمام الرئيس عرفات من هامش تحرك سوي الأردن. لكنه فكر مليا فالتوجه للأردن بعد اقفال الجبهتين اللبنانية والسورية في وجهه سيضعه حتما في موقع الضعف. وبما أن العلاقات مع الرافعة التقليدية لمنظمة التحرير الفلسطينية (القاهرة) كانت مقطوعة، لم يكن بامكانه الاستعانة بها ليكون موقف م.ت.ف متوازنا مع الاردن.
    أي أنه سيتوجه للمباحثات في الأردن ويقوم بها من موقع ضعيف. كان الرئيس ياسر عرفات في قيادته للحركة السياسية، يحرص كل الحرص ألا تغلق الحلقة المحيطة بفلسطين في وجهه كليا.
    وكان يعلم أن تطورات العمل الفلسطيني قد تؤدي الي توتر علاقات م.ت.ف مع هذه الدولة المحيطة باسرائيل أو تلك، لكن حرصه كان دائما ألا تكون م.ت.ف وحيدة، فتحالف مع سورية لفترة طويلة واختلف مع العراق، ثم تحالف مع العراق عندما اخلتف مع سورية.
    والآن كان عليه أن يتحالف مع الأردن في ظل إغلاق لبنان وسورية ومصر في وجهه.
    كان عليه ان يستعين بمصر، أن يستند للرافعة التاريخية. ولكن كيف العمل والعلاقات مقطوعة منذ اتفاق كمب ديفيد.
    وقرر التوجه الي مصر وهو في طريقه لليمن.

    كان عليه أن يمر بقناة السويس. وأرسل يطلب من القيادة أن تتوجه للقائه في اليمن.
    وعندما رست السفينة التي تقله في ميناء الاسماعيلية جرت الاتصالات.
    التقي عرفات بالرئيس مبارك، وكسر الجليد، وخطا بذلك خطوة لم يكن يجرؤ أي قائد عربي في تلك الفترة علي القيام بها.
    واهتزت الأرض مرة أخري.
    ها هو الرئيس عرفات يتخذ قرارا شجاعا، يعلم أنه سيحدث ردود فعل مزلزلة علي الصعيدين الفلسطيني والعربي. لكنه قرر القيام بذلك لمنع إحكام الحصار علي م.ت.ف وهو ما كان يريده أعداء الشعب الفلسطيني.

    وأصبح الجو مهيأ لمباحثات متوازنة مع الأردن.
    في تلك الأثناء كان بعض الزملاء من أعضاء المكتب السياسي، الذين كانوا يلعبون ويثيرون العواصف ضدي خلف الستار، قد بدأوا يبلورون صيغة لتغيير المهام الموكلة لأعضاء المكتب السياسي. وذلك بهدف إبعادي عن الإعلام. بطبيعة الحال، الكل يعلم أن تلك المرحلة كانت قد حولت مهام المنظمات الفلسطينية إلي مهام سياسية إعلامية الي حد كبير، وتقزمت المهام العسكرية والأمنية. فقد كانت القوات الفلسطينية ممنوعة من العمل من لبنان، ومن كل الجبهات الأخري. ووزعت قوات كبيرة علي دول عربية كثيرة في عملية تشبه النفي والإبعاد.
    فتحولت المهام الأخري الي مهام ذات أهمية اكبر.

    وهذا ما تم. فأقصيت عن مهمة الإعلام (أو كما قيل، جري تغيير في المسؤوليات). وتسلمت مسؤولية لا تقل أهمية هي مسؤولية تنظيم الجبهة خارج الوطن العربي ـ أي أن ميدان عملي أصبح العالم كله باستثناء العالم العربي.
    وانتقل مكتبي من الشاهبندر بدمشق إلي مخيم اليرموك.


    شارون: باي باي م. ت.ف


    اعتبر شارون خروج القيادة الفلسطينية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت انتصارا.
    لكنه كان يعلم داخل نفسه أنه فشل في تحقيق كافة الأهداف التي أعلن عنها عندما احتل مخفر بعبدا وجلس مكان ضابط المخفر، رافعا بسطاره العسكري علي طاولة قائد المخفر.
    فقد أعلن أنه جاء لتصفية القيادة الفلسطينية أو إلقاء القبض عليها لمحاكمتها كقيادة للإرهاب. وأنه سيقتحم بيروت.
    لكنه لم يتمكن من تحقيق أي من الهدفين.
    ولنفس السبب اعتبر الرئيس ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية أن حرمان شارون من تحقيق أهدافه هو بحد ذاته انتصار للقوات المشتركة.
    فقد خسرت القوات الإسرائيلية كثيرا من الآليات والجنود عندما حاولت اقتحام بيروت الغربية انطلاقا من المتحف عبر أسوار ميدان سباق الخيل. واضطرت للتراجع ململمة خسائرها، وطلبت من الأمم المتحدة الاتصال بالقيادة الفلسطينية لتسمح بسحب الدبابات المعطوبة او المدمرة من ميدان سباق الخيل.
    ورغم كل محاولات الطيران الإسرائيلي التي بلغت أكثر من ثلاث عشرة مرة لاغتيال الرئيس ياسر عرفات، والقيادة الفلسطينية، فانها فشلت في ذلك فشلا ذريعا.

    ولهذا السبب قال الرئيس ياسر عرفات وهو يغادر بيروت، في وداع رسمي وشعبي، إنني ذاهب للقدس .
    وبما أن شارون كان يعلم بداخله أنه فشل، وأنه كبد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة (كان يخفيها عن رئيس وزرائه مناحيم بيغن)، خان كل العهود وخرق الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة، والذي ينص علي نشر قوات متعددة الجنسيات لحماية المخيمات التي أصبحت دون سلاح أو مقاتلين يحمونها من أي عدوان، وأشرف بنفسه علي مجزرة فظيعة، هي مجزرة صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها آلاف من المدنيين (أطفالا ونساء وكهولا) اللبنانيين والفلسطينيين والأكراد. لكن أغلبية ضحايا المجزرة كانت عائلات المقاتلين الذين غادروا بيروت مع القوات للالتحاق بمواقعهم الجديدة التي حددت لهم.
    لقد خدع شارون الجميع ونقض كل تعهداته والاتفاقات سواء مع رئيس وزرائه بيغن أو مع الإدارة الأمريكية. ولذلك قرر بيغن اعتزال السياسة وعزل نفسه عن العالم تكفيرا عن الخطأ الذي وقع فيه، حينما صدق وزير دفاعه الذي يتعامل دائما بلا أخلاقية مع كل التعهدات والاتفاقات والوعود. وهذا ما فعله مع بشير الجميل أيضا.

    لقد صدم العالم من هول الجرائم التي ارتكبها شارون في لبنان، ومن حجم الدمار الذي ألحقه القصف الجوي والمدفعي بمدينة بيروت ومن المجازر التي ارتكبت.
    وتركزت أنظار العالم مرة أخري علي الفلسطينيين الذين خرجوا من بيروت، وظن شارون أن هذه هي نهاية منظمة التحرير الفلسطينية، علق قائلا باي باي منظمة التحرير لكن ما لم يستوعبه شارون، هو أن غزو لبنان واستخدام كافة الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا، والتدمير، وارتكاب جرائم حرب يندي لها الجبين، خلقت في العالم، رأيا عاما مخالفا تماما لما اعتقده هو.

    وأصبح الرأي العام العالمي عاملا ضاغطا إلي الحد الذي اجبر الرئيس رونالد ريغان، الذي أعطي الضوء الأخضر لعملية الغزو الإسرائيلي، علي طرح مبادرة لحل الصراع في الشرق الأوسط وأطلق عليها اسم الأرض مقابل السلام .
    كان ذلك مباشرة بعد خروج القيادة والقوات الفلسطينية من بيروت.
    لقد نال حصار بيروت أعلي نسبة من التغطية الإعلامية في جميع أنحاء العالم. ومع خروج الفلسطينيين خفت هذه النسبة. لكن إعلان الرئيس ريغان عن مبادرة الأرض مقابل السلام، أعاد للموضوع الفلسطيني نصيبا هاما من التغطية الإعلامية.


    عندما أغضبت الملك حسين


    كنت أسكن في غرفة صغيرة بفندق صغير في منطقة الميدان بدمشق. فقد وصلنا إلي ميناء طرطوس، دون أن يكون قد رتب لأحد منا مكان للمبيت، أو سكن، وتحركنا إلي دمشق التي وصلناها الساعة الثالثة صباحا. ورحت أبحث عن غرفة في فندق متواضع.
    كانت الساعة تشير للخامسة صباحا عندما حنّ علي عامل فندق في الميدان، وفتح لي إحدي الغرف لأرتاح.
    كان يوما شاقا أشق بكثير من أحلك أيام القتال والقصف. ونمت كما يقولون كالقتيل .
    وفي اليوم التالي قررت أن أبقي في هذه الغرفة إلي أن أجد بيتا.
    وصول الآلاف من الفلسطينيين رفع مستوي الإيجارات إلي حد لم تشهد له دمشق مثيلا. وأصبح من الصعب أن تجد بيتا بإيجار متواضع، وهذه هي حالنا.
    كنت أقضي معظم وقتي في اجتماعات تتلوها اجتماعات، تتلوها اجتماعات. جلسات تقييم سياسي للمرحلة جلسات تقييم لأداء القيادة في المعركة، جلسات للترتيبات الادارية العسكرية والسياسية بعد ان انتقلت قيادة الجبهة الشعبية بغالبية أفرادها الي دمشق.
    ولم يبق في لبنان سوي عدد قليل من القيادات كان مسموحا لهم بالبقاء كونهم من لاجئي 1948 الي لبنان.
    وبدأنا نتلمس طرقنا في دمشق وبدأ الصحافيون والسياسيون المحليون يتلمسون طريقهم الينا.
    ودارت العجلة. فالحياة لا تتوقف، ولا يمكن أن تستمر فيها وأنت تنظر للخلف.
    وصباح يوم من أيام دمشق، كنت في مقر المكتب السياسي بالشاهبندر عندما وصل بعض المراسلين الأجانب وسأل أحدهم مسؤول الاستقبال عني. فسمحت لهم بالدخول. حديث عادي عما يعد في بيروت. وفي نهاية الحديث قال أحدهم انه تسلم برقية من دافيد برنكلي وهو مقدم برنامج تلفزيوني مشهور جدا في الولايات المتحدة، واسمه عرض دافيد برنكلي ويطلب موافقتك علي المشاركة ببرنامجه الذي سيخصص للموضوع الفلسطيني. وأنه سيكون تحت عنوان ماذا بعد بيروت. وسيكون البث حيا وسيشارك آخرون في البرنامج.
    لم أتردد إطلاقا. فأعطيته موافقتي وطلبت منه الاتصال بي لتحديد الزمان والمكان.
    توجهت لفندق شيراتون ـ دمشق في اليوم التالي، في الساعة المحددة لأجد أن فريق برنامج دافيد برنكلي قد حول جناحا في الفندق الي استوديو تلفزيوني للبث الحي.
    ابتدأ دافيد برنكلي البرنامج بتوجيه سؤال استراتيجي لي أنا من دون المشاركين الاخرين (الذين لم أكن أعرف من هم في تلك اللحظة).
    خرجت م.ت.ف وقواتها من بيروت وشردت في دول عديدة واصبح طريقها صعبا للغاية فلماذا لا توافق م.ت.ف أن يصبح الفلسطينيون مواطنين في الأردن أو مواطنين في اسرائيل؟
    سؤال هام وفي تلك الظروف كان يشكل محاولة الخروج بحل عملي (طالما بالنسبة لهم أن م.ت.ف تلقت ضربة قاسية في بيروت).
    أجبته باختصار، أن الفلسطينيين طرحوا منذ زمن طويل فكرة الدولة الديمقراطية، التي يعيش فيها العرب واليهود بحقوق متساوية وواجبات متساوية، في ظل نظام ديمقراطي علماني. لكن اسرائيل رفضت ذلك، لأنهم يريدون أن تكون دولة اسرائيل دولة يهودية وليست دولة علمانية، وأنهم يخشون أن يتحولوا الي أقلية في دولة علمانية ديمقراطية تضم الفلسطينيين. ولذلك قررنا أن نناضل لاقامة دولتنا الفلسطينية. ورغم ذلك يقوم الجيش الاسرائيلي بملاحقة الفلسطينيين طمعا بضم ما تبقي من أرضهم. وها هو ما فعله شارون أكبر دليل علي ما أقول. اراد تصفية القيادة والقوات الفلسطينية ليتمكن من ضم الضفة الغربية وقطاع غزة. لم أكن أدري حينها أن شارون مشارك رئيسي في البرنامج نفسه. كذلك لم أكن أدري أن الملك حسين كان مشاركا رئيسيا في البرنامج.
    وجاء جوابي علي الشق الأردني قاسيا جدا وبعيدا كل البعد عن أي تكتيك سياسي منطقي. فشرحت له ما جري في أيلول (سبتمبر) 1970. وأننا واجهنا معركة تصفية أيضا. لذلك نريد استقلالنا.
    استمع شارون والملك حسين لإجابتي وجاء دورهما في الرد.
    فقال الملك حسين إن السيد أبو شريف مخطيء، فما حصل في أيلول كان خلافا عائليا. ونحن نعتبر الفلسطينيين أخوة لنا.
    فيما أصر شارون علي أن م.ت.ف منظمة إرهابية لا بد من ملاحقتها وتصفيتها وأصبح اسمي في الملفات الأردنية اسما ممنوعا
    وأغلق باب أي علاقة عادية أو ايجابية مع الملك حسين.
    وابلغني أحد الذين كانوا يجلسون في استوديو التلفزيون الأردني، الذي استخدم لإجراء المقابلة مع الملك حسين، انه كان منزعجا جدا وغاضبا من الطريقة التي أجبت فيها علي السؤال.


    صباح الخير.. أنا حسين


    بعد خمس سنوات من تلك المقابلة، واثناء وجودي في لندن أبلغني ضابط البروتوكول الذي يرافقني سايمون من ان جلالة الملك حسين سيصل الي لندن، وأنه يكلف عادة بمرافقته، ولذلك فانه يعتذر وعرفني علي شخص آخر سيتولي هو المرافقة (حماية).
    وخطرت لي فكرة، شكرت سايمون علي جهوده ورحبت بالضابط الجديد وقلت لسايمون: أود أن التقي بالملك حسين، فهل لك أن تبلغني لاحقا عن طريق للاتصال به. وعد بذلك وغادر.
    بعد يومين، اتصل بي سايمون وقال لي إن مديرة العلاقات العامة لصاحب الجلالة هي السيدة اليزابيث كورك، وأعطاني رقم تلفونها الخاص وقال إنها هي المسؤولة عن ترتيب مواعيد صاحب الجلالة.
    اتصلت بها وشرحت لها من أنا وأنني سأكون سعيدا إذا رتبت لي موعدا مع صاحب الجلالة.دونت المعلومات ورقم الهاتف وقالت سنتصل بك.
    في صبيحة اليوم التالي استيقظت علي رنين جرس الهاتف فالتقطت السماعة وانا في الفراش وسمعت صوتا علي الطرف الاخر يقول:
    صباح الخير، أنا حسين، هل الأخ بسام موجود؟
    فسألت من يتكلم؟
    قال مرة اخري انا حسين.
    وصحوت كليا فجأة انه صوت الملك حسين.
    وقلت: صاحب الجلالة، صباح الخير، أنا بسام.
    وسألني بكل تهذيب وتواضع هل انت مرتبط في الحادية عشرة؟
    فأجبته فورا كلا أنا تحت تصرفك.
    وقال أهلا وسهلا بك، البروتوكول المرافق يعرف أين سيكون اللقاء. وأنا متشوق لرؤيتك.
    شكرته وقد هزني تواضعه وقلت سأكون هناك.
    جلست في فراشي أفكر. كم كان متواضعا وكم كان ودودا، وكم كنت سعيدا لاتصاله السريع.
    وتفاءلت خيرا في إصلاح ما انعطب في العلاقة، وفي فتح صفحة جديدة من العلاقة الايجابية.
    اتصلت بالرئيس لأبلغه باللقاء المرتقب، فأجابني علي بركة الله .
    في العاشرة من صباح اليوم التالي حضر ضباط البروتوكول وأبلغوني بأنهم سيعلموني في اللحظة المناسبة، لننطلق نحو مقر الملك حسين لنكون هناك في الموعد المحدد.
    وهكذا حصل.
    وصلنا الي منزل الملك حسين، وعبرت السيارات البوابة الخارجية وأنزلوني أمام المنزل. ثم استداروا وعادوا أدراجهم.
    استقبلني ضابط من التشريفات قائلا: أهلا وسهلا بك. صاحب الجلالة يتوقعك. وأشار لي لأدخل المنزل. ثم أشار لي لأتوجه نحو قاعة الاستقبال.
    كان كل شيء متواضعا وعلي درجة عالية من الذوق. الأثاث بسيط، اللوحات بسيطة. كلها كانت تنم عن تواضع وذوق.
    قال لي الضابط: تفضل. إنها ثوان صاحب الجلالة قادم.
    وخرج من القاعة وأغلق الباب وراءه.
    وفجأة فتح الباب ودخل الملك حسين مرحبا.
    وطلبنا القهوة. كان الملك من المدخنين. وكذلك انا. كان يدخن روثمانز بينما كنت أدخن مارلبورو .
    بادرت أنا بالاعتذار عن برنامج دافيد برنكلي. واعترفت له انني كنت غير موضوعي وربما جارحا ايضا.
    فابتسم وقال: لقد فوجئت أنا بالجواب. فأنا أعرف أنك من القادرين علي استغلال تلك الفرصة لحشر شارون في الزاوية أكثر مما حشرته.
    علي كل حال، قال الملك، اعتبر الموضوع منتهيا. وعدنا نتحدث عن الحاضر والمستقبل. امتد حديثنا ساعة كاملة ووجدنا نقاط اتفاق وتوافق في التحليل والتوقعات السياسية. وكان ذلك مصدر اغتباط لدي، لأن اللغة السياسية المشتركة هي أحدي أقصر الطرق لإقامة علاقة صداقة متينة.
    عند منتصف النهار، نظر الملك الي ساعته فأسرعت بالقول:
    أنا أعلم كم من المشاغل لديك سوف أغادر وأملي أن نلتقي باستمرار .
    فأجابني وهو يقف:
    بكل سرور. وأنا ارغب في تبادل الرأي. فما نواجهه معقد والعقل الجماعي أنجع في معالجة الوضع .
    صافحته وهممت بالخروج من قاعة الاستقبال لكنه أصر بتواضع كبير أن يرافقني للباب.
    وبطبيعة الحال كان ضباط البروتوكول يقفون بالانتظار. فحياهم الملك ثم ودعني مرة أخري. فأسرعت الخطي نحو السيارة.
    وأثناء عودتي انغسمت في التفكير بكل ما قيل وبعد مراجعة بيني وبين ذهني تأكدت من أنه يرغب فعلا بفتح صفحة جديدة، وهذا ما حصل.
    كانت تلك الفترة هي فترة المراحل الأولي من معالجته مما ألم به من مرض. فقد ذكر لي أنه سيغادر لندن إلي مصح خارج العاصمة البريطانية لإجراء فحوصات طبية وأنه سيعود الي لندن بعد خمسة أيام.
    فتحدثت للرئيس هاتفيا وأبلغته باختصار انه تم اللقاء وأن اللقاء كان ايجابيا جدا.
    بعد ستة أيام من ذلك اللقاء اتصلت بالسيدة اليزابيث كورك وسألتها عن امكانية ترتيب لقاء مع صاحب الجلالة للاطمئنان عليه.
    وجاءني الجواب سريعا. وأبلغتني السيدة كورك أن صاحب الجلالة يدعوني لتناول الغداء معه.
    وكما حصل في المرة السابقة قام ضباط البروتوكول بتوصيلي الي بيت الملك في لندن لتناول طعام الغداء معه.
    وفوجئت بان الغداء أعد لنا نحن الاثنين فقط، وفي غرفة طعام صغيرة مجاورة لغرفة نوم الملك في الطابق الثاني من المنزل.
    كان غداء بسيطا ومتواضعا، وتخلل الغداء حديث حول نتائج الفحوصات، والتطورات السياسية والتوقعات.
    وفي نهايته أبلغني انه سيعود للأردن وأمل برؤيتي هناك أو أي مكان آخر.
    ودعني فتوجهت عائدا للمنزل وغادرت الي تونس في اليوم التالي.
    بعد شهرين من تلك الزيارة للندن، أبلغني سفير انكلترا في تونس (السيد داي انذاك) أن وزير الدولة للشؤون الخارجية يرحب بي في لندن للتباحث حول افاق عملية السلام في الشرق الاوسط.
    وأبرزت أجهزة الإعلام البريطانية هذا اللقاء وبطبيعة الحال هاجمته بعض الأقلام الصهيونية المتطرفة.
    اتصلت بالرئيس، اثر اللقاء، ولخصت له ما دار في الاجتماع، فكان مرتاحا للنتائج وهنأني علي هذا الإنجاز. وسر أيضا عندما أبلغته أنني وجهت دعوة للوزير والدغريف لزيارة تونس للقائه والأخوة المسؤولين. وكنا قد اتفقنا علي تحديد موعد وبرنامج الزيارة في وقت لاحق بعد أن قبلها الوزير (بعد استشارة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر).



    الشيخ زايد: فلسطين أهم



    في تلك الفترة بالذات كان الشيخ زايد بن سلطان يلبي دعوة الملكة لزيارة بريطانيا زيارة رسمية. وكما هي التقاليد، حل الشيخ زايد ضيفا علي الملكة في قصرها: قصر بكينغهام الشهير.
    وبعد استشارة الرئيس اتصلت بالوفد المرافق للشيخ زايد وطلبت منه موعدا بهدف اطلاعه علي آخر المستجدات السياسية والميدانية.
    تابعت برنامجي المكثف. وفي مساء ذلك اليوم كانت الليدي بولومبو (السيدة حياة مروة) قد رتبت لي رؤية عدد من اللوردات ذوي النفوذ في حزب المحافظين.
    وكان اللقاء الأول في منزلها بلندن. بعد نصف ساعة تقريبا استأذن ضابط البروتوكول سايمون ليبلغ أن البروتوكول المرافق للشيخ زايد اتصل وأبلغ أن موعدي مع الشيخ زايد في مقره بقصر بكينغهام، في التاسعة مساء. (أي بعد نصف ساعة). واعتذر بكل تهذيب امام اللورد وقال: ان بوابة القصر ستفتح الساعة التاسعة بالضبط ثم تغلق فإذا تأخرنا لن نتمكن من الدخول.
    نظرت الي اللورد الذي قال: اذهب فورا فهذا موعد هام ويمكن لنا أن نتابع فيما بعد.
    استأذنت، وخرجت مع ضابط البروتوكول الذي أسرع الخطي ليكسب الوقت. أسرعنا نحو قصر بكينغهام. وصلنا في التاسعة تماما. وعبرت السيارة بوابة القصر الخارجية وتقدمت ببطء نحو مدخل المبني الذي يشغله ضيف الملكة الشيخ زايد بن سلطان.
    كانت الاضاءة امام ذلك المبني (القصر) قوية. ومدت سجادة حمراء من مدخل القصر الي حيث تتوقف سيارات الزوار.
    هبطت من السيارة واستقبلني مسؤول التشريفات وآخرون كانوا يلبسون الدشاديش البيضاء ويضعون الكوفيات علي رؤوسهم والصحافة كانت هناك أيضا.
    دخلنا الي بهو القصر وطلب مني الجلوس وخرج الجميع ليعودوا في الوقت المحدد للقاء.
    اثناء الانتظار انتهزت الفرصة لاجول بنظري في اللوحات والزخارف والتحف التي امتلأ بها ذلك البهو الواسع.
    كان بهوا مبهرا، ويكاد يكون متحفا.

    بعد دقائق دخل رئيس التشريفات، ودعاني لمرافقته للقاء الشيخ زايد بن سلطان. وقبل أن يفتح باب الغرفة التي يجلس فيها الشيخ زايد قال لي: اخ بسام حدد لك عشرون دقيقة، لأن برنامج سمو الشيخ مكتظ هذه الليلة.
    عانقت الشيخ زايد الذي دعاني للجلوس الي جانبه ورحت ألخص له قدر إلامكان المستجدات وشرحت الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا تحت الاحتلال. وكان يقاطعني بين الفينة والأخري ليستفسر حول تفاصيل معينه تتصل بأوضاع شعبنا وبدا الألم علي وجهه.
    فالشيخ زايد رجل عربي صادق في مواقفه القومية ولفلسطين في قلبه مكانة كبيرة وخاصة.

    نظرت الي ساعتي لأتأكد من عدم خرقي لبرنامجه. كانت الدقائق العشرون قد انتهت. وفي تلك اللحظة بالذات دخل رئيس التشريفات، وانحني ونظر الي ساعته. فأشار الشيخ زايد بيده يأمر رئيس التشريفات بالخروج. فخرج وأغلق الباب.

    اعتذرت قائلا: لا أريد أن أشوش برنامجك سمو الشيخ. فأجابني بحزم فلسطين أهم.

    استمر الحديث الذي تخللته أسئلة الشيخ زايد ساعة كاملة، مما اذهل مسؤولي التشريفات وأربكهم.
    وفي النهاية ودعني الشيخ زايد واعدا بمساعدة شعبنا، حاثا علي الصمود والاستمرار في النضال لتحرير القدس الشريف.
    خرجت من بوابة القصر الداخلية وودعت كما استقبلت، وخرجت السيارة من بوابة خارجية مختلفة (غير التي دخلنا منها).
    صباح اليوم التالي فوجئت أن دخولي قصر بكينغهام أحدث دويا كالقنبلة في لندن.

    ونشرت صحيفة يمينية عناوين بارزة أقلها:
    إرهابي في بكينغهام

    وتيقنت لحظتها كم أغاظت تلك الزيارة الدوائر اليمينية والصهيونية المتطرفة. وكم كانت تلك الزيارة هامة، ولماذا مدد الشيخ زايد مدة اللقاء.
    كانت هدية سياسية للشعب الفلسطيني. فلأول مرة يدخل فلسطيني قصر بكينغهام.


    وعلق القصر علي الحملة بالقول:
    ان الشيخ زايد بن سلطان هو ضيف الملكة ويحق له استقبال من يشاء في قصرها مقر ضيافته.
    وصلت الأخبار قبل اتصالي بالرئيس في اليوم التالي لأستعرض له ما دار في اللقاء.
    وعندما كلمته بادرني مازحا: قصر بكينغهام يا بسام!
    استعرضت نتائج اللقاء بسرعة، فسر الرئيس قائلا شعبنا بحاجة ماسة للدعم . وعدت لمقري في تونس
    .
    التعديل الأخير تم بواسطة الحاج فوزي ; 12-May-2008 الساعة 08:47 PM سبب آخر: نقل المشاركة الأولى بناء على طلب صاحب الموضوع

  9. #9
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    مشروع البيان الختامي لقمة عمان 1987 تجنب وصف منظمة التحرير بالممثل الوحيد

    (7ـ 15)
    بسام ابو شريف


    2008/05/09

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!





    بعد شهر من انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في نيسان (ابريل) 1987 في الجزائر، اتصل بي الرئيس ياسر عرفات، ويبدو أن بعضهم قد أبلغه بأنني معتكف بالجزائر، وطلب مني زيارته في تونس.
    فغادرت الجزائر الي تونس بعد بضعة أيام والتقيت بالرئيس الذي رحب بي وقال: لا يجوز أن تعتكف فهنالك عمل وطني. حضر نفسك. سنذهب لحضور القمة الإفريقية في أديس أبابا (اثيوبيا) ويسعدني أن تكون ضمن وفدي للقمة.
    لم يكن تفكيري قد استقر علي شيء، أو طريق أسلكه، بل كان يبحث حتي تلك اللحظة.
    فقلت له يسعدني ذلك.
    وأذكر أني لم أكن مهيأ لذلك، فقد وصلت تونس لا أحمل الا ثيابا غير رسمية.
    لكن الأمر تم وغادرت تونس مع الرئيس الي أديس أبابا وأنا احمل تلك الثياب الصيفية.



    اول رحلة مع عرفات

    كانت تلك رحلتي الأولي مع الرئيس ياسر عرفات، علي متن طائرته الخاصة. وكان قد سبق الوفد الذي يرافق الرئيس جمال الصوراني، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك.علي متن الطائرة رحب بي الرئيس ترحيبا جميلا وتحدثنا بأمور سياسية كثيرة ولاحظ هو، أن ذهني مشغول وأنني أغوص مع نفسي طويلا.
    فقال لي بحنان أبوي وأخوي:
    أمامك عمل وطني في سبيل القضية، فنحن جميعا كرسنا أنفسنا لها فلا تدع أي شيء يبعدك عن ذلك أو أن يثبط من عزمك أو يضعف إرادتك. ابتسمت وقلت: لا يمكن لأي شيء أن يثبط من عزائمي، أو أن يبعدني عن التفكير في كيف يمكن أن أضاعف الجهد في الطريق الصحيح لأخدم قضيتي وقضية شعبي.
    حان موعد النوم.
    ارتخي الرئيس علي مقعده الكبير وقام المرافقون بتغطيته ببطانيات صوفية. وجلبوا الي واحدة. فاسترحت في مقعدي وخلدت للنوم.
    عندما اقتربنا من أديس أبابا، قام قبطان الطائرة بإعلامنا بذلك وطلب منا شد الأحزمة وأن نكون مهيئين للهبوط.
    كان الجميع جاهزين عندما وقفت الطائرة أمام البساط الأحمر، وصعد للطائرة سفير فلسطين في أديس أبابا، ومسؤول التشريفات، الذي رحب بالرئيس وشرح سريعا الإجراءات البروتوكولية.
    وهبط الرئيس نتبعه نحن وتمت كل المراسم، وتوجهنا للمقر المخصص للرئيس في قرية المؤتمرات التابعة لمنظمة الوحدة الافريقية.
    كان لكل رئيس فيلا خاصة والوفود في الفنادق المحيطة بتلك الفيلات.
    وتم الاتفاق أن نلتقي جميعا في الفيلا المخصصة للرئيس ياسر عرفات بعد نصف ساعة من وصولنا. أسرعنا. وبعد أن قمنا بما يلزم للانتعاش توجهنا الي الفيلا المخصصة للرئيس.
    كان الرئيس مبتهجا ونشيطا. وقال علينا أن نقوم بالجولة المعتادة قبل أن تبدأ جلسات القمة. الجولة المعتادة هي أن يزور الرئيس عرفات كافة الرؤساء في أماكن إقامتهم القريبة من بعضها البعض، ليحييهم ويثير معهم أهم ما يريد أن يطرحه علي القمة، والمتصل بالقضية الفلسطينية.
    وهكذا كان.
    وتحرك الوفد برئاسة الرئيس نحو مواقع الرؤساء الآخرين.
    كانت الزيارة الاولي للرئيس كنيت كاوندا. ولم يدم اللقاء طويلا فقد كانت تلك الجولة عبارة عن زيارات لياقة للتحية.
    اما الزيارة الثانية فقد كانت للرئيس حسني مبارك. لم أكن أعلم أن الزيارة الثانية ستكون لمقر الرئيس حسني مبارك، إلا عندما وصلنا هناك. وأمام الفيلا المخصصة للرئيس مبارك احتشد عشرات الصحافيين المصريين والأجانب وفرق التلفزيون.
    بطبيعة الحال سلطت الأضواء علي الرئيس عرفات وسرنا نحن خلفه باتجاه مدخل الفيلا. وانهالت أسئلة كثيرة علي الرئيس عرفات الذي اكتفي بكلمات مقتضبة شاقا طريقه نحو المدخل.
    كان الباب مشرعا والرئيس مبارك يقف علي رأس المستقبلين. وكما هي العادة تدافعت الكاميرات لتلتقط الصور.
    واكتشف بعضهم أنني ضمن الوفد. وعندما صافحت الرئيس مبارك تعالت الأصوات وانهالت الكاميرات. كانت تلك هي المرة الاولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رئيسا مصريا منذ توقيع اتفاق كمب ديفيد.
    كان ذلك بالنسبة للصحافة خبرا مثيرا وانتشر كالنار.
    وفي دمشق تدافع الصحافيون الي مكاتب الجبهة الشعبية للاستفسار عن ذلك، وعما اذا كانت مصافحتي للرئيس مبارك تشكل تغييرا جوهريا في سياسة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
    فوجيء مسؤولو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفضوا التعليق لحين التأكد من الخبر.
    وجاءت الصور لتؤكد الخبر دون أي لبس.
    وفي اليوم التالي صدر بيان عن المكتب السياسي متوتر اللهجة والمضمون يعلن فصلي وطردي من الجبهة الشعبية.
    أقول متوتر اللهجة والمضمون لأن الفصل والطرد ليسا من صلاحية المكتب السياسي، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بقرار من المؤتمر العام للجبهة الشعبية الذي انتخبني عضوا في اللجنة المركزية، واللجنة المركزية انتخبتني عضوا في المكتب السياسي.
    ووصل نص البيان الي أديس أبابا، وأصدرت بيانا مقتضبا مهذبا أعلنت فيه عن اعتزازي بتاريخي النضالي وبرفاقي الذين ناضلوا واستشهدوا علي الدرب او ما زالوا يناضلون.
    وانتهت القمة الافريقية، وحزمنا حقائبنا ليحط بنا الرحال في أبو ظبي ـ الامارات العربية المتحدة. كانت اللقاءات في أبو ظبي هامة. فقد جاءت بعد توحيد صفوف م.ت.ف في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر في نيسان (ابريل) 1987، وبعد القمة الإفريقية التي اتخذت موقفا داعما للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير.
    وشرح الرئيس بجمل هذه التطورات للشيخ زايد بن سلطان كما شرح له الظروف الساخنة والمتفجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
    ووعد الشيخ زايد بدعم الشعب الفلسطيني، وأكد وقوف الامارات دون تردد الي جانب النضال الفلسطيني لتحرير القدس.
    غادرنا بعدها متوجهين لليمن ثم عدنا الي تونس.



    مثلث مصر ـ العراق ـ اليمن

    وبعد اسبوعين توجهنا للقاهرة للقاء مع القيادة المصرية لبحث خطة التحرك السياسي بعد الغاء اتفاق عمان، الذي كان يشكل لفترة من الفترات آلية للتحرك السياسي الدولي والإقليمي.
    َ(الغي الاتفاق لتمهيد الطريق لتوحيد الصف الفلسطيني في المجلس الوطني بالجزائر).
    وعند مدخل القصر الجمهوري كان الرئيس حسني مبارك في استقبال الرئيس عرفات والوفد المرافق له.
    تصافح الرئيسان ثم وقف الرئيس عرفات الي جانب الرئيس حسني مبارك واصطف الوفد بنظام ليتقدم نحوه للتحية. وفجأة قال الرئيس مبارك بسام فين؟
    فقال الرئيس عرفات: موجود، تعال يا بسام فاقتربت وصافحت الرئيس مبارك، والكل ينظر بدهشة لهذه اللفته.
    وقال الرئيس مبارك: هم فصلوك علشان سلمت علي في أديس بابا؟
    تعال أبوسك يمكن يرجعوك المرة دي.
    وضحكنا.
    اجتمع الرئيس عرفات بالرئيس مبارك بعد التحية علي حدة، وانتظرنا نحن في قاعة الاستقبال.
    وبعد نصف ساعة تقريبا دعينا للدخول لغرفة الاجتماعات. وانضم الوفدان للرئيسين.
    وجري حديث عام حول ضرورة وضع خطة سياسية للتحرك الدولي والإقليمي لتفعيل الضغط لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، خاصة القرارين 242 و 338 والقرارات المتصلة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
    وغادرنا عائدين الي تونس.
    كانت مصر دائما تشكل الرافعة الكبيرة لحركة الشعب الفلسطيني لنيل الحرية والاستقلال. وكانت تشكل دائما حماية وملجأ للحركة الفلسطينية عندما تشتد الظروف، او تتصاعد التناقضات في المشرق العربي. وكانت م.ت.ف في تلك الفترة بأمس الحاجة لمصر بعد أن وتر إلغاء اتفاق عمان العلاقات مع الاردن، وفي ظل انقطاع العلاقات مع سورية واغلاق لبنان في وجه م.ت.ف .
    فأصبحت الرافعة المصرية ذات وزن أكبر بكثير من وزنها العادي والكبير. وكان الرئيس عرفات يضع في حسبانه أن لديه مثلثا عربيا يستطيع الاعتماد علي دعمه السياسي لفترة من الوقت (الي أن تتغير الظروف) وهو مصر ـ العراق ـ اليمن.
    وأن عليه أن يضع الخطط السياسية استنادا لهذا الواقع.



    قمة شطب منظمة التحرير

    مع احتدام المعارك بين العراق وإيران في العام 1987 دعت جامعة الدول العربية لعقد قمة استثنائية، وتقرر أن تعقد القمة في العاصمة الأردنية عمان.
    كان ذلك في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) في وقت شهدت العلاقة الأردنية الفلسطينية توترا ملحوظا. والحقيقة أن التوتر في العلاقات بدأ قبل ذلك ولكنه استمر في التصاعد. ففي آذار (مارس) من العام نفسه عقد في الجزائر اجتماع طاريء للمجلس الوطني الفلسطيني تحت عنوان عريض هو إعادة الوحدة لصفوف منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت وحدة الصف هذه قد مزقها اتفاق عمان الذي أبرم بين قيادة م.ت.ف. والأردن في العام 1984.
    توجه أبو عمار إلي عمان لحضور القمة العربية الطارئة تلك علي متن طائرة عسكرية عربية. ورافقته في تلك الرحلة بناء علي طلبه.
    كنت القيادي الفلسطيني الوحيد الذي رافقه في تلك الرحلة. إذ أن بقية أعضاء الوفد الفلسطيني كانوا قد وصلوا عمان قبل ذلك.
    استغرقت تلك الرحلة قرابة الساعتين، جلست خلالها في مقعد محاذ لمقعد الرئيس، بينما كان المرافقون ورجال الأمن يجلسون في المقاعد الخلفية.
    خلال الرحلة الي عمان تحدث الرئيس أبو عمار باقتضاب يدل علي شعور بالقلق. لكنه كان يستمع لكل ما أقوله باهتمام ردا علي بعض الأسئلة التي كان يطرحها علي بين الفينه والأخري.
    كان محور الحديث حول الهدف من هذه القمة. فالعراق لا يتوقع من القمة أية مساعدة أو معونة في حربه الدائرة مع إيران، سوي بيان سياسي. ولكن مقابل ذلك ماذا يريد الآخرون.
    كان هذا ما يقلقه.
    عندما أبلغ قبطان الطائرة الرئيس ياسر عرفات بأننا سنهبط في مطار عمان بعد عشرين دقيقة، نظر إلي وقال:
    لا بد من إعطائك صفة رسمية لحضور القمة .
    وأشار لأحد المرافقين، الذي هرع نحوه مؤديا التحية، فطلب منه أن يأتيه بأوراق الرئاسة الرسمية. أحضرت الأوراق، وكتب الرئيس مرسوما بتعييني مستشارا له. وطلب من المرافقين توثيق ذلك فورا.
    بدأت الطائرة بالهبوط، وما هي إلا دقائق حتي حطت علي مدرج المطار. وراحت الطائرة تتهادي علي مهل بناء علي تعليمات برج المراقبة في مطار ماركا الذي كان مطار عمان قبل ذلك، ثم تحول إلي مطار خاص بعد أن افتتح مطار عمان الدولي. (مطار الملكة علياء في منطقة زيزياء جنوب عمان).
    اقتربنا من قاعة الشرف التي مد امامها السجاد الأحمر لاستقبال الرؤساء. واستمر برج المراقبة في إعطاء التعليمات للقبطان حتي توقفت الطائرة أمام سجاد الاستقبال الأحمر.
    وشاهدنا من نافذة الطائرة المستقبلين يقتربون ـ عبر السجاد الأحمرـ نحو باب الطائرة الذي كان يقترب منه سلم متحرك.
    ولاحظ الرئيس ياسر عرفات أن جلالة الملك حسين لم يكن علي رأس المستقبلين كما هي العادة وكما فعل مع الرؤساء والملوك الذين وصلوا قبله. وتبين أن رئيس الوزراء السيد زيد الرفاعي كان علي رأس المستقبلين وليس الملك حسين.
    وطلب الرئيس فورا من طاقم الطائرة عدم فتح أبوابها.
    نظر الي وسألني؟
    ما رأيك هل أصدر أمرا للطاقم بالإقلاع احتجاجا؟
    تمهلت في الإجابة.
    كان الأمر خطيرا، وستتفاقم المشاكل وتتوتر أكثر العلاقات الأردنية الفلسطينية.
    نظرت عبر النافذة ورأيت زيد الرفاعي ووزراء وضباطا ينتظرون عند درجات السلم الأولي بانتظار أن تفتح أبواب الطائرة.
    قلت للرئيس:
    هذه ليست صدفة طبعا، بل انه تصرف مقصود. والسؤال هو ما هو غرض هذه الخطوة. هل هو استفزازك لتقلع دون حضور القمة؟ لا بد أن في الأمر شيئا سنكتشفه قريبا. لكن الشيء الوحيد الذي أراه هو أن عليك أن تتجاهل ذلك وأن تحضر القمة.
    ساد صمت لثوان معدودات، بدت أطول من ذلك بكثير.
    وفجأة شرع الرئيس بفك حزام الأمان وقال رأيك صائب لنري ماذا يخبئون لنا .
    وأمر بفتح الأبواب.
    صعد رئيس البروتوكول وسفير فلسطين للطائرة. ورحبوا بالرئيس الذي رسم علي وجهه ابتسامة، رغم القلق الذي يساوره. وبدأ يهبط أدراج السلم.
    صافح رئيس الوزراء زيد الرفاعي والآخرين بحرارة.
    وصافحت بدوري من بعده رئيس الوزراء زيد الرفاعي الذي كنت أعرفه منذ الصغر. فقد كان بيت والدي في جبل اللويبدة مقابل بيت سمير الرفاعي (والد زيد) وكانا (رحمهما الله ) صديقين.
    عندما صافحته قال لي لا تشد كثيرا علي يدي يا بسام فهي مجروحة، انتم جرحتموها عندما حاولتم اغتيالي في لندن .
    فأجبته: لم نحاول اغتيالك، هي جهة أخري. لكن المهم ألا تغتالوا القضية .



    أمر أردني بترحيل بسام

    سبعة عشر عاما مضت منذ أن غادرتها، وبقيت ممنوعا من دخولها منذ أحداث أيلول عام 1970.
    وصلنا الفندق حيث ينزل الملوك والرؤساء والوفود وصعد الرئيس فورا يرافقه المستقبلون لجناحه، فيما توجهت أنا للغرفة المخصصة لإصدار بطاقات أعضاء الوفود.
    كانت الغرفة مكتظة بوزراء وأعضاء الوفود. حييت العديد منهم وجلست انتظارا لدوري في الحصول علي البطاقة.
    ورحنا نتبادل الحديث حول الأوضاع السياسية لأجواء القمة.
    رويدا رويدا بدأت غرفة إصدار البطاقات تخلو من زبائنها.
    وانتهي الأمر بان بقيت وحدي في الغرفة انتظر بطاقتي. عندها أحسست أن وراء الأكمة ما وراءها. توجهت للموظفين المسؤولين عن إصدار البطاقات متسائلا عن سبب التأخير. فأجاب احدهم بتهذيب شديد انتظر التعليمات سيدي .
    فهمت عندئذ أن دخولي عمان بعد 17 عاما من المنع يسبب إشكالا. وفهمت أيضا لماذا أصر الرئيس علي إصدار مرسوم تعييني مستشارا له قبل هبوطنا من الطائرة.
    عدت إلي مقعدي وحاولت الاسترخاء بإغماض عيني.
    لا أدري كم من الوقت مضي، قد تكون دقائق او أكثر، لكنني تحولت من الاسترخاء للانتباه عندما سمعت احدهم يسأل:
    أين بسام أبو شريف ؟
    نظرت إليه فيما أنا جالس ولم أفه بكلمة.
    لم يكن في الغرفة سواي.
    فلماذا السؤال.
    اقترب مني الضابط وسألني قائلا هل أنت بسام أبو شريف ؟
    فأجبته لماذا تسأل وأنت تعرف ذلك حق المعرفة .
    كان ذلك الضابط مصطفي القيسي مدير المخابرات العامة الأردنية.
    قال لي بهدوء: متأسفون علي هذا ولكن يجب أن تغادر البلد. أنت ممنوع من دخول الأردن وسنرافقك للمطار لتأمين مغادرتك عمان فورا.
    فأجبته بهدوء.
    أنا لم آت للأردن. أنا آت للقمة العربية. فهذه البقعة الآن تابعة لجامعة الدول العربية وأنا عضو في وفد بلادي. ولا يحق لأحد منعي من حضور القمة .
    أجابني بلهجة جافة: هذه هي الأوامر وسننفذها.
    فأجبته بهدوء لا استلم أوامر من أحد سوي الرئيس ياسر عرفات .
    إذا امرني الرئيس بالمغادرة سأغادر فورا، أما دون ذلك فلن أغادر. غادر القيسي الغرفة. وبقيت انتظر. وما هي ألا دقائق حتي وصل للمكان اللواء عبد الرزاق اليحيي ـ القائد السابق لجيش التحرير الفلسطيني وقال ضاحكا لقد حلت المشكلة. أنت صاحب مشاكل دائما .
    فأجبته: أنا صاحب حق وليس مشاكل.
    تأبط ذراعي وخرجنا لبهو الفندق الذي اكتظ بالوزراء العرب وأعضاء الوفود. وتوجه متأبطا ذراعي نحو مجموعة من الضباط الأردنيين بينهم مصطفي القيسي مدير المخابرات العامة الأردنية.
    وقال اللواء اليحيي محاولا تلطيف الأجواء: الحمد لله أن سوء التفاهم قد حل وانتهي الأمر علي خير.
    صافحت الضباط الذين كانوا ينظرون إلي وقال أحدهم:
    لقد تعديت علي صاحب الجلالة في مقابلاتك التلفزيونية خاصة التلفزيون السوري.
    فقلت له: هذا ليس صحيحا فأنا لم أجر أية مقابلات مع التلفزيون السوري. أما إذا قصدت تلفزيونات أخري خاصة العالمية فقد كنت أدافع عن وجهة نظر منظمة التحرير الفلسطينية وعن موقفنا.
    تدخل اللواء اليحيي وقال: اصعد إلي جناحك لترتاح قليلا. عندها اخرج احد الضباط بطاقتي قائلا تفضل هذه هي بطاقتك.
    لقد أصدرت بناء علي أوامر صاحب الجلالة.
    فقلت له شكرا وتوجهت للمصعد.
    كنت متعبا جدا. دخلت غرفة المصعد وضغطت بإصبعي علي الرقم (7 ) لأصل إلي الطابق حيث الجناح المخصص لي.
    وأرحت أعصابي وكأنني أتهالك وألقيت برأسي للخلف ليلامس مرآة المصعد. وفجأة توقف المصعد عند الطابق الثالث. فاستنفرت أعصابي. ووقفت مشدودا. فتح باب المصعد اوتوماتيكيا. وكم كانت دهشتي :
    وجها لوجه مع صاحب الجلالة الملك حسين، الذي بادرني مبتسما: أهلا بسام.... أهلا بك في بلدك.
    قلت له: شكرا يا صاحب الجلالة. هذا هو شعوري بالفعل.
    دلف إلي المصعد برفقته اثنان من مرافقيه وأكمل الحديث.
    سمعت أن سوء تفاهم قد حصل. بسيطة هذه بلدك مرة أخري أقولها وأهلا وسهلا بك .
    شكرته مرة أخري.
    توقف المصعد عند الطابق الخامس فودعني جلالة الملك وغادر المصعد.
    تابعت طريقي نحو الطابق السابع وغرفتي وألقيت بنفسي علي السرير الواسع وأغمضت عيني.



    أزمة تفتيش حقائب عرفات

    دقائق معدودة من الاسترخاء أمدتني بطاقة جديدة.... فاستحممت وغيرت ملابسي وخرجت قاصدا جناح الرئيس ياسر عرفات.
    كان ديوانه مكتظا بأعضاء الوفد وأركان السفارة. رحب بي الجميع وابتسم قائلا: أخيرا حضرت.

    وعندما حاولت أن أشرح ماذا جري، ابتسم مرة أخري وقال: اعرف كل التفاصيل فقد كنت أتابع الأمر لحظة بلحظة وهددت بأنني سأغادر القمة في حال ترحيلك.
    قال لي احدهم: لقد قال لهم الرئيس جئنا سويا علي طائرة واحدة وسنغادر سويا علي نفس الطائرة .
    وعاد الحديث إلي مجراه وراح الأخ فاروق القدومي (وزير الخارجية) يشرح تفاصيل النقاش حول البيان السياسي المقترح صدوره عن القمة.
    طبعا كانت المسألة الجوهرية آنذاك هي دعم العراق في المعركة مع إيران والعمل علي خلق جو دولي ضاغط لتحرير الأراضي العراقية التي كانت إيران قد احتلتها في تلك الفترة.
    لكن ما لفت الانتباه هو أن البيان المقترح لم يشر كما هي العادة إلي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وبدا وكأن هذا لم يكن هفوة بل كان مقصودا، وان هناك جهات تريد أن تغتنم فرصة عقد القمة الطارئة لتكون ممرا نحو تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية فيما يتصل بتمثيل الشعب الفلسطيني، وبالتالي الوصول إلي نقطة يتمكن فيها آخرون من تمثيل هذا الشعب أو التفاوض باسمه.
    عندما خلت الغرفة من أعضاء الوفد والزائرين بقيت إلي جانبه.
    استدعي الرئيس ياسر عرفات مسؤول المجموعة الأمنية التي رافقته. وسأله عما جري بشأن تفتيش الحقائب. فأجابه بأن الأمر علي حاله.
    أصرت الأجهزة الأمنية الأردنية علي تفتيش حقائب الرئيس ياسر عرفات الذي قام بدوره بإعطاء التعليمات للضباط المرافقين له برفض ذلك رفضا مطلقا، ليس لأن الحقائب تحتوي علي ما هو ممنوع، بل لأن تفتيش حقائبه كان خرقا لكل الأعراف البروتوكولية واهانة تلحق بالرئيس شخصيا.
    فقلت له إن هذا الأمر غريب، بدأ في المطار عند الاستقبال بعدم وجود الملك علي رأس المستقبلين ثم تفتيش الحقائب، ورفض منحي البطاقة. تبدو الأمور وكأنهم يريدون استفزازك حتي تغادر ولا تحضر القمة.
    لم يجب الرئيس بل اطرق مفكرا.
    استأذنته في الذهاب حيث تحتجز الحقائب لأري ما يدور، توجهت فورا لجناح من أجنحة الفندق القريبة حيث نصبت قوات الأمن الأردنية أجهزة إلكترونية تمر من خلالها الحقائب للتأكد من خلوها من أي ممنوعات.
    وهناك التقيت بالعقيد مصباح الذي كان يقف حائلا دون المساس بحقائب الرئيس التي كانت علي متن شاحنة عسكرية.
    وسمعته يقول للعقيد الأردني المسؤول عن ذلك القسم لا يمكن لأحد أن يمس حقائب الرئيس أو أن يفتشها .
    وعدت لجناح الرئيس وأبلغته أن الأمر معقد. فابتسم وقال الأخوان يتابعون هذا الأمر .
    وفي نهاية الأمر وقبل جلسة القمة الافتتاحية حل الإشكال وسمح بنقل حقائب الرئيس لجناحه دون تفتيش.
    كانت تلك وقفة عز وكرامة من الرئيس وهذه إحدي صفاته المميزة.
    تماما كما أصر علي مغادرة عمان إن أصرت المخابرات الأردنية علي ترحيلي. وكاد أن يصدر أمرا لطاقم الطائرة بالإقلاع ردا علي عدم الالتزام بقواعد البروتوكول والاحترام عند استقباله.
    خلال ذلك اندلعت المظاهرات الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مئات الآلاف تظاهروا في شوارع مدن وقري الضفة الغربية وقطاع غزة احتجاجا علي عدم استقبال جلالة الملك حسين لرئيسهم ياسر عرفات. وكان الاستقبال للرؤساء والملوك يبث حيا علي شاشات التلفزيون، وشاهد الفلسطينيون أن رئيسهم لم يلق الاستقبال الذي يفترض حسب الأعراف والتقاليد أن يلقاه.



    آخر الدواء.. صدام حسين

    جلسة الافتتاح كانت كغيرها من جلسات الافتتاح في القمم العربية. كلام منمق يلقي في خطابات منمقة دون أن تعني شيئا أو أن تقترح شيئا عمليا. دعم للعراق لفظي دون تناول المسائل بشكل معمق وعملي.
    علي كل حال تتابعت الجلسات إلي أن وصل الأمر نحو الاختلاف الحساس حول وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني. وتطور الخلاف من نقاش داخل الغرف المغلقة إلي احتكاك سياسي علني أمام الصحافة.
    وكانت الصحافة المحلية والعربية والعالمية قد حشدت مراسليها وفرقها لتغطية أحداث ونتائج تلك القمة الاستثنائية.
    وتحول الحديث في الصحافة من موضوع العراق ودعمه في الحرب الدائرة مع إيران إلي الموضوع السياسي الشائك وهو تغيير الموقف العربي الرسمي الذي تقرر في قمة الرباط والمؤكد علي أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني إلي موقف جديد لا يربط التمثيل بالمنظمة، أو علي الأقل وحدانية التمثيل.
    كان هذا يعني أن تتيح القمة المجال لدول أو دولة غير م.ت.ف. لتمثيل الفلسطينيين أو تمثلهم اضافة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
    واحتدم النقاش بين وزراء الخارجية وبين أعضاء الوفود. لكن الموقف الأردني كان مصرا علي عدم إضافة التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بعد اسم منظمة التحرير الفلسطينية.
    وبما أن الأردن كان الدولة الوحيدة التي وافقت علي احتضان قمة استثنائية تستهدف دعم العراق في حربه مع إيران فقد كان للموقف الأردني وزن كبير خاصة لدي العراق (الدولة المعنية بالدعم العربي). وهي حليف قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
    وطال الليل الذي سبق جلسة الختام الصباحية. وتمت طباعة البيان دون أن يشار فيه إلي أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
    وساد التوتر في أنحاء فندق بلازا في عمان، خاصة في جناح الرئيس ياسر عرفات.
    استدعي الرئيس الوفد الفلسطيني الذي أبلغه أنه حاول المستحيل لكن هنالك أغلبية أغمضت العيون وصمت الآذان لأن موضوع العراق هو الأهم . وبعد انسحاب الوفد من جناح الرئيس وكانت الساعة قد قاربت منتصف الليل، راح الرئيس يقطع الجناح ذهابا وإيابا، مطرقا ومفكرا ويحسب كل الاحتمالات.
    وعندما جلس إلي حافة السرير جلست إلي جانبه وسألته عما يفكر به.
    فقال لي أنهم يحاولون استغلال حرب العراق لسحب القرار الفلسطيني من يد الفلسطينيين وإعادته للجامعة العربية كما كان قبل العام 1967.
    وهذه كارثة علي الفلسطينيين.
    وسألته: إذا ماذا تنوي أن تفعل ؟
    فأجاب باقتضاب: أفكر بالأمر.
    ساد صمت. لم أرد أن أزعجه أو أن اقطع حبل أفكاره، وفجأة خطرت لي فكرة طاهر المصري . كان طاهر المصري آنذاك وزيرا للخارجية في الأردن ومثل الأردن في اجتماعات وزراء الخارجية واللجنة الوزارية لصياغة البيان النهائي للقمة الاستثنائية.
    لماذا لا يناقش الرئيس في اللحظة الأخيرة مع طاهر المصري، وزير الخارجية الأردني مشروع البيان وأهمية أن يتضمن، خاصة في هذه الظروف العصيبة نصا صريحا حول وحدانية تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطيني. وقد ينجح النقاش في حل الإشكال الذي يعصف بالقمة.
    طرحت الفكرة علي الرئيس الذي وافق عليها، رغم قناعته بان هذا النقاش لن يغير الموقف.
    وبالفعل قام طاهر المصري بزيارة لجناح الرئيس، وناقش معه الأمر وحاول أن يخفف من أهمية النص علي وحدانية تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطيني. وحصل ما توقع الرئيس إذ لم يؤد النقاش إلي تغيير الموقف.
    ومرة أخري راح الرئيس يقطع جناحه ذهابا وإيابا وهو يفكر بعمق. لقد كان الموقف حرجا جدا ولم تبق سوي ساعات قليلة علي موعد الجلسة الختامية للقمة العربية.
    وفجأة توقف الرئيس عن الحركة. وقال سأرتاح قليلا وسنلتقي صباحا قبل موعد الجلسة .
    وفي الصباح تجمع في جناح الرئيس أعضاء الوفد الفلسطيني للقمة العربية. كان التعب يبدو علي وجه الرئيس. فهو حتما، لم يذق طعما للنوم وبقي يفكر في الأمر حتي الصباح.
    لقد كانت مسألة هامة، فالمسؤولية تقع علي عاتقه للحفاظ علي استقلالية القرار الفلسطيني والدفاع عن حق م.ت.ف. في تمثيل الشعب الفلسطيني. وكان ينظر إليها من هذا المنظار الاستراتيجي.
    جلس إلي طاولة الاجتماعات حاملا ملفا بيده، وجلس الجميع حوله.
    قال بهدوء:
    لقد فشلت كل المحاولات لتثبيت وحدانية تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطيني في البيان الختامي. لذلك لم يبق أمامنا سوي إعلان موقف واضح وصريح ومقاطعة الجلسة الختامية احتجاجا علي عدم نص ذلك في البيان.
    دار نقاش سريع بين أعضاء الوفد، فيما بقي الرئيس صامتا يفكر ويده تمسك بالملف.
    ما هي إلا دقائق حتي طلب الرئيس من أعضاء الوفد أن يتوجهوا لقاعة الاجتماع وأن يتخذوا مواقعهم انتظارا لأية تعليمات. ولم يفصح عما ينوي القيام به.
    بقيت في الجناح إلي جانبه.
    وسألته عما ينوي القيام به فقال:
    حضر نفسك، في حال فشلت محاولتي الأخيرة سنضطر إلي إعلان موقف حازم من هذه المسألة.
    واندفع خارج الجناح نحو المصعد الذي أقله للطابق الأرضي حيث قاعة الاجتماع.
    وفي الردهة أمام القاعة تحلّق رؤساء وملوك وأعضاء وفود حلقات حلقات يتحدثون بانتظار افتتاح الجلسة.
    وانضم الرئيس فورا إلي حلقة كانت تضم الرئيس صدام حسين والرئيس علي عبد الله صالح ورئيس وزراء المغرب الذي كان يرأس وفد بلاده وجلالة الملك حسين والي جانبه السيد عدنان أبو عودة.
    بعد تحية الصباح تناول الرئيس من الملف مشروع البيان وخاطب الرئيس صدام حسين حول إغفال النص الرسمي الذي يحدد أن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
    وأصغي الجميع بانتباه.
    رئيس وزراء المغرب قال:
    لا بد أن هذا خطأ أو سهو.
    حاول الرئيس صدام حسين تخفيف حدة الموضوع.
    وتدخل عدنان أبو عودة، فأجابه الرئيس بحزم طالما صاحب الجلالة موجود لا يحق لأحد من طرفه أن يحدد موقفا .
    وألقي الرئيس بقنبلته السياسية قائلا:
    إذا لم ينص البيان الختامي علي ذلك فسوف أقاطع جلسة الختام واعقد مؤتمرا صحافيا لأشرح الأبعاد الخطيرة لعدم النص علي وحدانية تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطيني.
    واسقط في يد جميع الحاضرين.
    حاولوا تلطيف الأجواء.
    لكن في نهاية الأمر ومع تشبث الرئيس بهذا النص، قال الرئيس صدام حسين واثني علي كلامه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح: دعونا نضيف ذلك للبيان.
    ونظر الرئيس صدام حسين نحو جلالة الملك حسين الذي قال علي مضض لا بأس سنضيفها.
    لم تدم جلسة الختام طويلا. فقد قرأ البيان الختامي متضمنا النص الذي أصر عليه الرئيس ياسر عرفات.
    ورفعت الجلسة.
    ودعي رجال الصحافة لحضور مؤتمر صحافي يعقده العاهل الأردني لتفسير البيان والإجابة علي أسئلة المراسلين.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  10. #10
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    يمرر افكاره عبر آخرين فإذا نجحت نسبها لنفسه واذا فشلت ألقاها علي كبش الفداء

    (8 ـ 15)
    بسام ابو شريف


    سر الوثيقة التي غيّرت برنامج منظمة التحرير عام 1988

    2008/05/10
    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!




    في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1987 عقدت الحكومة الإسرائيلية الائتلافية اجتماعا برئاسة رئيس الوزراء آنذاك شامير.
    وكان حزب العمل مؤتلفا معه وشغل حينها اسحق رابين منصب وزير الدفاع.
    جدول أعمال الاجتماع الوزاري كان بندا واحدا: ما هو النهج الذي يجب علي إسرائيل إتباعه إزاء تفاقم خطورة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة والضفة الغربية).
    فقد ولد قمع قوات الاحتلال للفلسطينيين وسوء الأحوال الاقتصادية حالة من الغليان عبرت عن نفسها بمظاهرات واضرابات وصدامات مع جنود الاحتلال. وكانت تلك الهبات التي تكاثرت يوما بعد يوم هبات في مناطق متفرقة. فيوم يخرج أهالي نابلس بمظاهرات حاشدة، تليها مظاهرات حاشدة بعد يومين في مدينة غزة، لتليها بعد أسبوع مظاهرة في مدينة رام الله. لكن السمة العامة للوضع أوحت للحكومة الإسرائيلية بأن خطرا داهما يتبلور. وعليه كان علي الحكومة أن تناقش كيفية مواجهة هذه الهبات الجماهيرية المتفرقة، التي قد تتحول إلي هبة واحدة في كل مكان من الضفة وغزة، مما يضع إسرائيل وقوات الاحتلال في مأزق.
    في ذلك الاجتماع الوزاري طرح نهجان للمواجهة.
    نهج القبضة الحديدية، ونهج الانسحاب من المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان تفاديا للخسائر، وإحكاما لقبضة إسرائيل علي هذه المناطق من حدودها الخارجية، دون أن يكلف إسرائيل ذلك خسائر بشرية.
    تلك الليلة كنت أرافق الرئيس في زيارة له لليمن، وفيما انكب هو يطالع بريده الضخم، انهمكت بمتابعة ذلك الاجتماع، سواء من حيث وجهات النظر التي طرحت أو من حيث القرار الذي ستتخذه الحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية مواجهة الهبات الجماهيرية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة.
    كان شمعون بيريس (الوزير بوزارة شامير) يقترح اخراج القوات الإسرائيلية من المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية، فيما اقترح شامير ووزراء الليكود أتباع سياسة القبضة الحديدية لقمع المظاهرات وإخماد الهبات الجماهيرية.



    مركزية القرار

    كانت الصفة الغالبة علي عمل منظمة التحرير الفلسطينية هي مركزية القرار ولذلك تمتليء ملفات الرئيس بالرسائل والمذكرات والتقارير الواردة من كافة دوائر منظمة التحرير الفلسطينية ومن سفاراتها في العالم ومن الدوائر المحيطة بمكتب الرئيس. كما تمتليء بالطلبات والشكاوي ورسائل من كل الأنحاء تطلب من الرئيس الموافقة علي صرف مساعدات استثنائية لقري او مدن أو لعائلات متضررة.
    أسلوب العمل هذا كان يستهلك جزءا كبيرا من وقت الرئيس. لكنه كان يحرص علي إعطاء المزيد من الجهد (وفي كثير من الأحيان حتي ساعات الفجر الأولي)، حتي لا تتأخر الردود علي كل ما ورد له من شتي أنحاء العالم خاصة من الأرض المحتلة.
    لكن هذه المركزية الشديدة كانت لها سلبياتها الكثيرة أيضا، ما عرقل في بعض الأحيان عمل بعض الدوائر.
    كانت زيارات الرئيس للعديد من الدول فرصة للجالية الفلسطينية، أو للسفارات أو المؤسسات الفلسطينية، إذ يتوافد جميع من لديهم طلبات علي مقر الرئيس للحصول علي توقيعه الفوري بدلا من توجيه تلك الطلبات عبر القنوات العادية التي كانت تستهلك وقتا طويلا وثمينا.
    ورغم العقبات والتأخير الذي سببه الأسلوب المركزي، استمر أسلوب العمل علي ما هو عليه.
    في تلك الأثناء كنت قد شرعت في قراءة تقرير خاص كتبه اللورد ونتشلسي ووجهه لرئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر، حذر فيه من خطط الحكومة الإسرائيلية لارتكاب مجازر ضد الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة. وطالبها بالعمل علي منع هذه المجازر بكل السبل الممكنة.
    كان التقرير دقيقا وخطيرا، لذلك قمت باستعراضه بشكل سريع أمام الرئيس واقترحت الاتصال باللورد البريطاني لشكره أولا علي تنبيهه من مجازر تخطط لها الحكومة الإسرائيلية وللحصول علي أية معلومات لم ترد في تقريره.
    وتم ذلك. وشعر الرئيس مجددا بحساسية الأمر وخطورته وراح يفكر.
    استند علي كرسيه ينظر للحديقة عبر نافذة مكتبه.
    بعد لحظات استدار مرة أخري وانكب علي الأوراق وكأنه يريد أن ينهي هذه الملفات قبل أن يبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة الدفاع عن النفس في وجه الهجمات الإسرائيلية المنتظرة.
    فقد كانت مهمة من نوع آخر.
    في ساعات الظهيرة تناول الغداء. كان يأكل دون شهيه تذكر. وأنهي بسرعة وانسحب نحو غرفة نومه.
    هذه عادة الرئيس التي لا تتغير إذ لا بد له من أخذ قسط من الراحة بعد تناول الغداء (قيلولة) ليستمد منها نشاطا متجددا لمتابعة العمل حتي ساعات الفجر.
    وانصرف الجميع. وساد الهدوء.
    الرئيس ياسر عرفات يكره البرد ويستلذ بالدفء. وعندما ينام يحرص علي أن يتغطي بعدة بطانيات حتي في أيام الصيف. وكان يقول دائما ان هذا هو النوم الصحي.
    وكنا نعاني في كثير من الحالات عندما يأمر بوقف عمل المبردات، في الأيام ذات الحرارة العالية التي لا تطاق، خاصة في مدينة بغداد خلال اشهر الصيف. كان ذلك يتم فقط عندما يخلد للنوم أو للراحة في غرفة نومه. أما أثناء ساعات العمل فقد كانت أجهزة التكييف تعمل. المهم لديه الدفء أثناء نومه.
    مع ساعات المساء الأولي بدأ أعضاء اللجنة التنفيذية بالوصول إلي مقر الرئيس كل من البلد التي يقيم فيها، أو كان يتابع مهمة فيها.
    والتأم شمل اللجنة التنفيذية ليلا (حوالي التاسعة) وافتتح الرئيس الاجتماع بتلخيص آخر التطورات السياسية، مركزا علي قرار الحكومة الإسرائيلية، طالبا من اللجنة التنفيذية أن تبحث في ما يمكن فعله لمواجهة المخاطر.
    ودار نقاش طويل كالعادة وأدلي أعضاء القيادة كل بتحليله وأفكاره.
    بعد منتصف الليل بقليل اقترح الرئيس تشكيل لجنة لوضع برنامج عمل سياسي واعلامي وميداني لمواجهة الموقف، وشكلت اللجنة بعد موافقة اللجنة التنفيذية.واتفق علي عقد اجتماع صباحي لبحث الأفكار والاقتراحات التي ستضعها اللجنة.
    وغادر الجميع كل إلي الفندق الذي ينزل فيه. وتابع الرئيس عمله حتي الفجر.
    لم يطل انتظار الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ قرارها فقد بدأت عدوانها علي الشعب الفلسطيني في اليوم التالي أي بداية شهر كانون الثاني (ديسمبر) من العام 1987.
    وصعدت من بطشها بشكل متدرج بعد أن دفعت نحو الضفة الغربية وقطاع غزة تعزيزات عسكرية ضخمة شملت الدبابات والآليات والجنود. خلال ذلك كان الرئيس منهمكا في ترتيب اللجان التي ستتابع المواجهة وغرف العمليات المختلفة سواء في بعض البلدان العربية أو الأوروبية. وأقام شبكة اتصالات واسعة لربط كافة مناطق الضفة والقطاع بالقيادة خارج فلسطين.
    وبدأت التقارير تصله سراعا.ولم يفصل بعضها عن بعض، أحيانا، سوي دقائق. كان يلم بكافة تفاصيل ما يدور في كل منطقة من المناطق ويصدر التعليمات اللازمة بشأن كل صغيرة وكبيرة.
    حتي تلك اللحظة كان الرئيس قلقا من قدرة الشعب علي تحمل معركة من هذا النحو لمدة طويلة وقد تصبح مفتوحة.



    نقطة انطلاق الانتفاضة

    في الثامن من كانون الاول (ديسمبر) بعد أن استكملت الآلة العسكرية عدتها، قامت بارتكاب مجزرة بدم بارد قتلت خلالها ثمانية عمال فلسطينيين من قطاع غزة وجرحت العشرات. وهذا ما كان يتوقعه اللورد ونتشلسي في تقريره الذي قدمه لرئيسة وزراء بريطانيا قبل أكثر من شهر من ذلك التاريخ.
    واعتبر الرئيس هذه المجزرة ناقوس خطر حقيقي. فقد ارتكبت ضد عمال عزل، يذهبون للعمل في إسرائيل بتصاريح إسرائيلية، أي تحت الحماية الإسرائيلية، رغم ذلك ارتكبت القوات الإسرائيلية المجزرة.
    والخلاصة كانت أنه لا يوجد خيار سوي المواجهة والدفاع عن النفس في كل مكان، طالما أن الاعتداءات الإسرائيلية ستستمر، حسب قرار الحكومة.
    كانت هذه نقطة انطلاق الانتفاضة الوطنية الشاملة. وعمم الرئيس تعليماته علي جميع اللجان المسؤولة في القطاع والضفة بالتنسيق كي تكون الهبات الجماهيرية متواصلة ومترابطة في كل أنحاء الوطن المحتل وألا تكون متقطعة.
    وفي الوقت ذاته أصدر رسالة يومية لتعميمها علي كافة مواقع منظمة التحرير في العالم تتضمن خلاصة المعلومات عما يجري في الأرض المحتلة وتعليمات مفصلة حول التحرك السياسي والدبلوماسي والإعلامي اللازم لمواكبة ما يدور، ولحشد التأييد العالمي للشعب الفلسطيني في مواجهة القبضة الحديدية الإسرائيلية.
    كانت هذه التطورات فرصة جديدة لإعادة الوزن لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد أن فقدت الكثير منه منذ غزو لبنان عام 1982.
    هكذا فكر الرئيس. ولذلك أراد أن يعطي هذه المواجهة كامل الزخم الإعلامي والسياسي لتعود م.ت.ف. إلي تثبيت نفسها علي الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
    ودب النشاط في كل أنحاء العالم ابتداء من الأمم المتحدة، مرورا بكل العواصم العربية والجمعيات غير الحكومية، وجمعيات حقوق الإنسان، إلي العواصم العربية بطبيعة الحال، حيث هبت الجماهير العربية لتأييد الشعب الفلسطيني.
    وتصاعد الموقف بشكل سريع وغطت أجهزة الإعلام وشاشات التلفزيون البطش الإسرائيلي بصورة المختلفة. وازداد التأييد العالمي للفلسطينيين.
    وبعد شهر، أي في بداية كانون الثاني (يناير) بدأ الرئيس بطرح مواقف سياسية، خلال مقابلاته الصحافية والتلفزيونية، من شأنها إظهار عقلانية منظمة التحرير الفلسطينية وبراغماتيتها، فصرح أكثر من مرة أن م.ت.ف تقبل قرار مجلس الأمن 242 وان م.ت.ف تري ان الحل يجب أن يكون سياسيا.
    وان م.ت.ف تسعي لإيجاد حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. واستحوذت هذه التصريحات علي اهتمام العواصم الأوروبية والدوائر الغربية إجمالا. لقد أصبح واضحا أن صمود الفلسطينيين في غزة والضفة ودفاعهم الباسل عن أنفسهم أعطي م.ت.ف وقيادتها في الخارج دعما لا حدود له.
    وحاولت بعض الجهات في تلك الفترة ترويج أخبار وتحليلات هدفها الفصل بين م.ت.ف والانتفاضة في فلسطين المحتلة، فمنهم من روج فكرة: الانتفاضة العفوية ومنهم من روج فكرة تحرك الجماهير تحت قيادة جديدة في فلسطين. لكن المحاولات هذه باءت بالفشل وأصبح واضحا أن م.ت.ف تقود الانتفاضة داخل الأرض المحتلة. ولا شك أن الدعم المادي والسياسي والمعنوي الكبير الذي انهال علي فلسطين المحتلة من م.ت.ف لعب دورا أساسيا في تثبيت ذلك. وشمل هذا الدعم كافة المستشفيات والجامعات والمدارس والبلديات.
    التقط ياسر عرفات الفرصة وراح يعمل جاهدا كي لا تفلت من يده مهما كانت الصعوبات. وبدأ بتحريك منظمات دولية كمنظمة الوحدة الإفريقية، والدول الإسلامية، وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة. وقام هو بزيارات خاطفة لبعض العواصم العربية لحشد الدعم والتأييد.
    انقضي شهران علي المواجهات الدامية داخل الأرض المحتلة. وكلما مضي الوقت ازداد الفلسطينيون شجاعة في مواجهة العدوان، وراحوا يبتكرون وسائل بدائية في الدفاع عن أنفسهم.
    وأطلق العالم علي الانتفاضة أسماء عديدة منها ثورة أطفال الحجارة لوصف شجاعة الأطفال الفلسطينيين الذين كانوا يواجهون الدبابات الإسرائيلية بالحجارة، ابسط أسلحة الدفاع عن النفس وأكثرها بدائية.
    وتمكنت م.ت.ف بقيادة ياسر عرفات من مراكمة إنجازات سياسة هامة تحولت إلي زخم دولي ضاغط.
    وأعطي صمود الشعب داخل الأرض المحتلة، الرئيس ياسر عرفات، هامشا واسعا للمناورة السياسية، ومكنه من الحديث علنا حول حل سياسي لم يكن واردا آنذاك في برنامج منظمة التحرير. لكنه كان يعبر عن هذه المواقف علي شكل متفرقات وليس من خلال طرح تصور شامل.
    لكن الأساس الذي مكنت الانتفاضة الرئيس من تثبيته هو ان م.ت.ف تقبل بقراري 242و338 وبحل سياسي عادل للقضية الفلسطينية.
    استرعي ذلك انتباه العديد من الدوائر السياسية الدولية التي راحت تتصل لتستفسر حول الترجمات العملية لهذه المواقف. وبطبيعة الحال لم تثر تصريحات الرئيس جدلا في الساحة الفلسطينية الداخلية أو العامة، لأن الانتفاضة أعطته سندا وغطاء لا يثمنان في تلك الأيام.
    كان مهندسا بارعا، يعيش الأمور ويزنها بدقة ويبدي مرونة سياسية بقدر ما يمده صمود الشعب الفلسطيني من قوة ودعم.
    وبدأت في شهر آذار (مارس) الرسائل السياسية المباشرة وغير المباشرة تتوارد طالبة بلورة برنامج سياسي وموقف سياسي عملي يترجم إعلان الرئيس الموافقة علي القرار 242 وإيجاد حل سياسي.
    عندها بدأت تتبلور في ذهني ضرورة طرح تصور لحل سياسي بشكل شمولي والعمل مع كافة الجهات الدولية لإكساب هذا التصور دعما شاملا.
    وبذلك يتحول هذا التصور لسلاح فعال في وجه سياسة العدوان والتوسع والاحتلال الإسرائيلي.



    موعد ملائم للهجوم السلمي

    كان واضحا لي أن الرئيس الذي كان قلقا في بداية الأمر حول إمكانية تحمل الشعب ويلات المواجهة لفترة طويلة، أصبح أكثر ثقة بقدرة الشعب علي التحمل والمتابعة من أجل حريته.
    وهذا ما شجعه أكثر لمرافقة هذه القدرة بتحرك سياسي يعطي الانتفاضة هدفا ملموسا قابلا للتحقيق.
    ما كان يريد أن تذهب تضحيات شعب بأكمله دون إنجاز سياسي. والا تحولت كل هذه المواجهة إلي مواجهة عدمية.
    وحتي يصل الشعب إلي هذا الهدف نتيجة تضحياته، لا بد من أن يكون الهدف قابلا للتحقيق ضمن موازين القوي الإقليمية والدولية.
    كان ماهرا في طرح المواقف السياسية المرنة لكنه كان يطرحها قسطاسا لقسطاس. بحيث يثير الاهتمام لدي الدوائر المتنفذة في الغرب دون أن يشفي غليلها بطرح تصور سياسي كامل.
    كان يريد أن يتأكد من الثمن الذي سيحصل عليه الفلسطينيون مقابل مرونة كاملة وسياسة واقعية تأخذ بعين الاعتبار الواقع القائم والحد الأدني المتفق عليه دوليا.
    الهامش الذي استخدمه الرئيس ياسر عرفات لطرح أفكار سياسية جديدة، كان يتوسع يوميا بدعم من صمود الشعب في وجه العدوان. لكنها لا تطبق دائما لأن برنامج منظمة التحرير الذي كان ساري المفعول حتي تلك اللحظة، كان باستمرار عامل تضييق لذلك الهامش. ولم يكن يحصل ذلك من خلال احتجاج أو رفض أعضاء اللجنة التنفيذية للمواقف التي كان عرفات يعلنها يوميا، بل من خلال شعوره بأنه مسؤول عن التزام م.ت.ف. بذلك البرنامج.
    كان يري بوضوح حجم الفرصة السياسية المتاحة له والمسنودة بصمود شعب بأكمله. لكنه كان يتردد خشية من حسابات خاطئة.
    كان يدرك انه لا بد من إعلان مبادرة سياسية شاملة، لكنه تردد خشية تخطي برامج وقرارات المؤسسات الديمقراطية.
    كنت أراقبه، أراقب انفعالات وجهه وكأنني اقرأ ما يجول بذهنه.
    قررت أن اخرج عن صمتي فقلت:
    اعتقد يا أخي أبو عمار أنه آن الأوان لنطلق مبادرة سياسية متكاملة تضع إسرائيل والغرب في موقع الدفاع .
    وكلمح البصر قال: اية مبادرة ؟
    فقلت مبادرة سلام، فنحن الآن في موقع قوي فالعالم كله يؤيد شعبنا وحتي الموالون لإسرائيل يرون في ما تفعله إسرائيل جريمة. والكل يتجه لضرورة إيجاد حل سياسي للصراع.
    لقد قالوا لنا عند خروجنا من بيروت باي باي م.ت.ف إلي الوداع يا منظمة التحرير. وأنت أجبتهم أنا متوجه للقدس. إذا لنتوجه للقدس .
    وأجابني بصوت عميق : ماذا تقترح ؟
    قلت له: أن أضع كل ما عبرت عنه من أفكار سياسية خلال أحاديثك في الشهرين الماضيين ويمكن أن يصاغ في إعلان سياسي في جوهره يطرح خطا جديدا... أي مبادرة لصنع السلام علي أساس حل سياسي.
    فأجاب ماذا تقترح؟
    قلت: نستطيع أن نجمع هذه الأفكار، والمواقف ونحولها إلي مبادرة متكاملة ثم نعمل علي نشرها في الصحف الامريكية والأوروبية باسم ياسر عرفات.
    وهكذا نستطيع أن نعيد الكرة لملعبهم وتعود م.ت.ف لاعبا أساسيا في الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
    كانت الساعة قد شارفت علي الرابعة صباحا.
    قال بهدوء: اكتب وسأري ذلك وسأقرر بعدها .
    وهب واقفا وتوجه لغرفة نومه.
    رافقته حتي باب غرفته وألقيت عليه التحية وتوجهت إلي مكتبي الصغير. ورحت أفكر.
    انه يعلم أنها فرصة، لكنه يتردد فلديه حسابات كثيرة.
    حسنا سأصيغ تلك الآراء والأفكار في إعلان سياسي متكامل. وستشكل تلك الأفكار والآراء المترابطة مبادرة جديدة لا شك ستستحوذ علي اهتمام العالم.
    وذهبت للفراش لأنال قسطا من الراحة.
    صياغة وثيقة سياسية كهذه لم تكن سهلة. فالمطلوب إظهار اكبر قدر من المرونة والتعبير عن موقف جديد يسعي للسلام وفي الوقت ذاته يتطلب الحفاظ علي الثوابت الوطنية.
    وكون الاقتراح أن تصدر هذه الوثيقة باسم الرئيس ياسر عرفات أضاف صعوبة علي صياغتها. وانتقاء الكلمات بدقة لتحقيق الهدفين المذكورين معا.
    الرغبة والاستعداد للعمل من أجل اقامة سلام دائم والحفاظ علي الثوابت الوطنية. استغرقت صياغة الوثيقة السياسية أكثر من أسبوع وكنت خلالها علي اتصال دائم بعدد من الإخوة الذين يشاطروني الرأي وقمت بإرسال النص الأولي لهم طالبا ملاحظاتهم واقتراحاتهم بشأن أي تعديلات يرونها ضرورية، لتحقيق الهدف من هذا الإعلان السياسي.
    واستهلكت هذه الاستشارات وقتا طويلا تخللته مكالمات تلفونية وتبادل الرسائل بالفاكس. ومع بداية شهر نيسان تبلور الإعلان.
    فأرسلته للأخ فواز ناجية مدير ميدايست ميرور في لندن ليجري المراجعة النهائية. فقام بعمل رائع جعل من الإعلان جاهزا للنشر والتأثير في الدوائر السياسية المهتمة بالشرق الأوسط واستقراره وإقامة السلام الدائم.
    وكان علي أن أعرض ما تم إعداده علي الرئيس كخطوه نهائية قبل ارساله للنشر.
    أبلغت الرئيس بأننا أنجزنا المهمة ولم يتبق سوي إطلاعه عليه حتي يبث علي العالم.
    فأجابني بسرعة: لا يوجد وقت الآن. جهز نفسك للسفر فنحن متوجهون الي إثيوبيا لحضور القمة الإفريقية.
    توجهنا إلي أديس أبابا وانغمسنا في أعمال القمة بحيث لم يكن هناك أي مجال ليطلع الرئيس ويقرأ ما يحمله ذلك الإعلان أو تلك الوثيقة.
    ومع انتهاء القمة قرر الرئيس أن نتوجه إلي تونس قبل عودتنا الي بغداد لمتابعة العمل هناك. وفيما نحن نتهيأ للتوجه الي تونس قال لي الرئيس مشيرا إلي الصوراني (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية) دع أبو عمر يقرأ ما أعددت. وطلب من جمال الصوراني أن يقرأ بإمعان وأن يبلغه رأيه لاحقا.
    وبالفعل أمعن جمال الصوراني في التدقيق بكل كلمة وجملة. وعندما انتهي نظر إلي قائلا : هذه قنبلة ستحدث زلزالا.
    أجبته بسرعة وهذا هو المطلوب.
    نظر إلي مرة أخري قائلا إذا قررت نشر هذا يجب أن تأخذ حذرك جيدا. فكثيرون سيعتبرون هذه الأفكار خطيرة وربما.... وتردد قبل أن يقول: خيانة.
    فأجبته بسرعة ما هو رأيك أنت؟
    فأجابني خطوة هجومية هامة .
    أطلع جمال الصوراني الرئيس علي مضمون الإعلان (الذي كان يعرفه سلفا) ونصح بألا ينشر باسمه إن أجاز نشره.
    وفي تونس قال لي الرئيس انشره باسمك فأنت الذي صغته. فسألته ألا تريد قراءة ما صغت؟ فأجاب بسرعة لا داعي انشره باسمك وانتهي عند هذا الكلام كل ما كان بالذهن. فاسم ياسر عرفات هو المهم وهو الذي يولد ردود الفعل الدولية التي استهدفناها، وهو الذي يثير الاهتمام لدي القوي الدولية المؤثرة في صناعة القرار في الشرق الأوسط.
    لكن قراره هو الحاسم في نهاية الأمر.
    كنا قد دخلنا شهر أيار وكان معلوما أن قمة ختامية حاسمة ستعقد في موسكو بين الرئيس ريغان والرئيس غورباتشوف لتوقيع اتفاق نهائي للحد من انتشار الأسلحة النووية، وجدولة تدمير مخزون هذه الأسلحة لدي البلدين وإعلان انتهاء الحرب الباردة.
    فقد واجه الزعيمان في قمة ريكيافيك المشاكل التي تعترض الاتفاق، وإعادة بحث الأمر في مالطا وحصل تقدم بسيط بالرغم من تصريحات غورباتشوف آنذاك.
    وكان من المنطقي والطبيعي أن يفكر أي محلل أو متتبع لهذه القمم، بان الزعيمين الأمريكي والسوفييتي سيناقشان تحت بند إنهاء الحرب الباردة كافة النقاط الساخنة وكيفية إيجاد حلول لها، وكان آنذاك علي رأس تلك البؤر الساخنة أفغانستان والوجود العسكري السوفييتي فيها والشرق الأوسط.
    والخطة كانت أن تنشر م.ت.ف إعلانا سياسيا قبل هذه القمة حتي يصبح تصورها مطروحا علي جدول أعمال الزعيمين كحل سياسي للصراع في الشرق الأوسط.
    لكن رفض الرئيس ياسر عرفات نشر تلك الوثيقة السياسية باسمه قلل كثيرا من فرصة إدراج الوثيقة ـ المبادرة علي جدول أعمال الزعيمين.
    رغم ذلك، ولقناعتي بأهمية هذا الإعلان الذي يعطي هدفا ملموسا قابلا للتحقيق استنادا للقرارات الدولية، رحت أعمل لنشر هذا الموقف السياسي في صحف ذات تأثير علي الرأي العام وعلي البيت الأبيض.
    جرأة ياسر عرفات في اتخاذ مواقف سياسية شجاعة لا تعني إطلاقا أنه لا يدقق ولا يتفحص بإمعان المواقف أو ردود الفعل المتوقعة.
    وهذه أحدي ميزات تلك الشخصية العملاقة. فهو حريص كل الحرص دائما علي الاستماع للآراء، علي اختلافها ليتمكن في النهاية من وزن المواقف بدقة. وفي كثير من الأحيان، عندما يصل إلي نتائج تدل علي أن بعض المواقف قد تثير جدلا واسعا وضجة كبيرة يبتعد هو ويطلق ما هو مقتنع به عبر شخص آخر. فان نالت الأفكار نجاحا فالنجاح له وان لم تنل فالخسارة للشخص. البعض يسمي هذا الجانب من شخصية الرئيس ياسر عرفات إطلاق بلالين اختبار والبعض يسمي ذلك أطلاق السمكة الكشافة أي تلك التي تكشف الطريق لرف السمك.
    واعتقد أن قراره بنشر تلك الوثيقة باسمي كان من باب إرسال مستكشف للطريق. أي في حقيقة الأمر كبش الفداء ولذلك رفض الإطلاع علي الوثيقة أو قراءتها. ذلك أنه في حال حدوث ردود فعل سلبية علي أفكارها ومضامينها سيكون صادقا إذا قال أنا لم اطلع عليها ولم اقرأها. وهي وجهة نظر لصاحبها، وان هذا هو جزء من ديمقراطيتنا.
    الواشنطن بوست صحيفة امريكية ذات انتشار واسع وتأثير في الدوائر السياسية في واشنطن. ولذلك ركزت علي هذه الصحيفة لنشر مقال الإعلان، كي يصل بأسرع وقت لمكاتب المسؤولين الامريكيين.
    إضافة لذلك، كانت تربطني صداقة قديمة برئيس تحريرها بن برادلي وبمراسلها في الشرق الأوسط جون راندال. الاتصال مع بن برادلي كان صعبا (وهو عادة أصعب من الاتصال برئيس الولايات المتحدة) ولذلك اتصلت بجون راندال الذي كان يقيم في باريس آنذاك، وطلبت منه المساعدة في نشر المقال علي صفحات الواشنطن بوست. وأعلمني راندال انه سيغادر باريس إلي تونس في اليوم التالي وسيأتي لزيارتي لبحث الموضوع.
    وبالفعل زارني في مكتبي في اليوم التالي، وبعد أن شرحت له أهمية نشر المقال قبل 29 أيار (مايو)، قال لي انه غير مخول بالتدخل في صفحات الرأي، فهذه الصفحات لها محررها المستقل، إضافة إلي أن محررها في تلك الفترة كان من كبار مؤيدي إسرائيل.
    وخلص للقول بأن أضمن طريقة هي أن نرسل لرئيس التحرير بن برادلي رسالة الكترونية لنطلب منه التدخل لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يطلب من محرر صفحات الرأي نشر مقال معين في وقت معين.
    ورغم رد بن برادلي الايجابي علي الرسالة قرر محرر صفحات الرأي عدم نشر الموضوع لأنه لا يخدم مصلحة إسرائيل.
    لقد فوت علينا الفرصة. وأصابني ذلك بإحباط شديد. لكنني لم استسلم. كان لا بد من نشر هذا المقال في الصحف الامريكية الكبيرة. وفكرت مليا في الأمر ووصلت إلي حل أنهي حالة الإحباط ليحل محلها استنفار لمتابعة العمل.
    فقد كان مقررا أن يلتقي الملوك والرؤساء العرب في قمة هامة في الجزائر في الخامس من حزيران (يونيو) من عام 1988.
    ومن الطبيعي ان يتوجه للقمة وفد فلسطيني كبير. فبالإضافة لحجم الوجود السياسي الفلسطيني الكبير في الجزائر، كانت تونس المقر المؤقت للقيادة الفلسطينية علي مرمي حجر من العاصمة الجزائرية مما يسهل ذهاب عدد كبير من المساعدين لينشطوا خارج قاعات القمة العربية.
    اتصلت بأحد المسؤولين الجزائريين لأسأله عن حجم الجسم الصحافي الذي سمحت له الجزائر بالدخول لتغطية أعمال ونتائج القمة العربية، فقال لي انه كبير وطلبت منه أن يعطيني العدد التقريبي فأجاب أكثر من خمسمائة .
    هذه هي الفرصة.
    حشد كبير للصحافة العربية والدولية ومحطات التلفزة. وتوزيع الإعلان السياسي علي هذا الجسم الصحافي سوف يبرزه في أكثر من مكان دون شك.
    أعلمت صديقي فواز ناجية رئيس تحرير ميدايست ميرور في لندن بالفكرة. فقام بتحضير ميدايست ميرور لنشره في الخامس من حزيران في طبعة خاصة وأرسل لي بعد أيام مئات من النسخ من كتيب صغير يحمل شعار منظمة التحرير الفلسطينية يتضمن قرارات الأمم المتحدة الأساسية المتصلة بالقضية الفلسطينية وعدة مقالات بينها ذلك المقال ـ الإعلان تحت عنوان احتمالات السلام في الشرق الأوسط . توجهنا للجزائر لحضور القمة العربية وكان قد سبقني إليها مجموعة من المساعدين للعمل في أوساط المراسلين ولتوزيع الكتيب الذي يتضمن الوثيقة.
    بعد جلسة الافتتاح بدأ المساعدون بتوزيع الكتيب فجاء أول رد فعل علي تلك الوثيقة من يوسف مراسل نيويورك تايمز في الشرق الأوسط آنذاك.
    قال لي: هذه جمرة حامية لا يمكنني التعاطي معها. إنها متفجرة.
    وأصبحت الوثيقة مدار حديث الصحافيين والمراسلين كونها تطرح لأول مرة أفكارا ومواقف فلسطينية تدعو إلي حل سياسي وإقامة السلام علي أساس دولتين علي أرض فلسطين التاريخية . جيرالدين بروك مراسلة وال ستريت جورنال التقطت الموضوع وركزت رسالتها الأولي لصحيفتها علي مشروع سلام فلسطيني ولينشر علي الصفحة الأولي وهذا يعد مهنيا نجاحا باهرا للمقال.
    وشكل مقال جيرالدين بروك أزمة للمراسلين الآخرين، راحت صحفهم تطالبهم بإرسال تقاريرهم حوله وتنتقدهم لعدم التقاط ذلك السبق الصحافي بدلا من جيرالدين بروك.
    والتقطت الصحافة السنارة. وراح جميع أولئك المراسلين الذين لم يتمكنوا من الحصول علي الكتيب او لم ينتبهوا إليه يبحثون عن نسخ ذلك الكتيب.
    اتصل بي توني لويس من نيويورك تايمز وطلب مني إرسال النص فورا لأنه يريد نشره كاملا في صفحة الرأي. واتصل كذلك رئيس تحرير واشنطن تايمز وطلب الشيء ذاته. وكذلك الصحف البريطانية.
    وفي اليوم التالي جاءني أول تعليق من زعيم عربي. فقد التقيت بابراهيم عز الدين (وزير الأعلام الأردني آنذاك) الذي أخرج من جيبه نسخة من الكتيب وراح يستفسر مني حول بعض الجمل الواردة في المقال، وكان مشارا لها بلون أخضر عريض. وأبلغني إبراهيم عز الدين أن صاحب الجلالة الملك حسين طلب منه الاستفسار عن هذه الجمل التي علمها جلالته بالأخضر.
    بعد شرحي قال لي: هذا انقلاب سياسي. فأجبته انه اختبار.
    اختبار نوايا الولايات المتحدة والغرب.
    وامتد الحديث والكتابة عن الوثيقة طوال أيام المؤتمر وكتبت صحف إسرائيلية العديد من المقالات التحليلية حوله.
    ومن الذين امتدحوا الوثيقة الصحافي الإسرائيلي أمنون كابليوك.
    انتهت القمة التي أطلق عليها اسم قمة الانتفاضة وعدنا إلي تونس.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  11. #11
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    عرفات يشكل لجنة من أعضاء في المجلس المركزي

    للتحقيق مع ابو شريف في ملابسات مقال السلام


    (9ـ 15)


    بسام ابو شريف


    اعلان في ستوكهولم يمهد للاعتراف الامريكي بمنظمة التحرير

    2008/05/11

    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!




    لم يطل الوقت بالمعلقين للإدلاء بردود فعلهم علي الوثيقة، فقد سارع اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل إلي الإدلاء بتعليق حول الوثيقة التي صاغت لأول مرة في تاريخ الصراع مبادرة لإيجاد حل سياسي يؤدي إلي السلام في الشرق الأوسط اتهم فيه كاتب المقال ـ الوثيقة بأنه يحاول تضليل الرأي العام العالمي، وأنه يذر الرماد في العيون وأنه أداة فلسطينية لخداع الرأي العام الدولي والمحلي.
    ورفض شامير جملة وتفصيلا ما جاء في الوثيقة وبشكل خاص حل الدولتين علي أرض فلسطين التاريخية فعلل ذلك بان م.ت.ف إرهابية ولا يمكن التفاهم أو التفاوض مع الإرهابيين.
    وعزفت اوركسترا الليكود لحن الرفض بقيادة شامير.
    لكن حزب العمل وقيادته التي كانت ضمن الائتلاف الحكومي الذي يرأسه شامير لاذا بالصمت لفترة من الوقت. فيما أبدي يوسي ساريد رأيا مرحبا ومطالبا بإعطاء السلام فرصة والتعامل بايجابية مع ما طرحته الوثيقة.
    ورحبت مجموعات للسلام الإسرائيلية المختلفة بالحل الذي طرحته الوثيقة، والذي ينسجم بواقعية مع قرارات الشرعية الدولية التي شكلت سقفا لأي حل سياسي ممكن. وشكلت هذه المواقف المتضاربة داخل إسرائيل حافزا لسيل من المقالات والتعليقات في الصحف الإسرائيلية وبرامج التلفزة، وتراوحت الآراء بين الرفض المطلق والقبول المتحفظ.
    لقد فرضت الوثيقة نفسها علي مجمل الجدل السياسي في إسرائيل، في ظل تنفيذ حكومة شامير لسياسة القبضة الحديدية التي بطشت بالجميع أطفالا ونساء ورجالا.
    وعلي الصعيد الفلسطيني، تبودلت الآراء كذلك. فمن رافض مشكك بأهداف المقال الذي نشر إلي قابل متحمس له.
    لكن المفاجأة الكبيرة لقيادة م.ت.ف كانت ترحيب قيادات الداخل المتحمس بما نشر. وهذا الموقف كان حجر الرص.
    ليس هذا فحسب بل استندت قيادات الداخل للوثيقة لشن هجوم سياسي كبير طال القيادات الإسرائيلية والرأي العام الإسرائيلي لإظهار النوايا السلمية لمنظمة التحرير ولنفي التضليل الرسمي الإسرائيلي حول الطابع الإرهابي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والإصرار علي ان الانتفاضة حركة إرهابية، وليست مقاومة شعبية وشرعية للاحتلال؟
    وأثارت الوثيقة اهتماما كبيرا علي الصعيد العربي، فجرت اتصالات عديدة لتتحري أمرا واحدا : هل يعبر المقال عن وجهة نظر م.ت.ف الرسمية أم لا.
    في ظل صمت الرئيس ياسر عرفات ازداد النقاش حدة داخل الساحة الفلسطينية ومؤسساتها، وراحت الجهات الأوروبية الرسمية المهتمة بما طرح تتصل مباشرة أو من خلال سفارات ومكاتب م.ت.ف تدعوني فيها لزيارتها لمناقشة ما نشرت. ومنها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والنروج والسويد وفنلندا.



    اوروبا الشرقية

    وقرر الرئيس ياسر عرفات أن يقوم بجولة سريعة يزور خلالها بعض دول أوروبا الشرقية قبل التوجه إلي مقره في بغداد. أراد عرفات ان يجس النبض ويستطلع الآفاق قبل أن يقدم علي خطوة علنية. وكان يعلم أن بعض دول شرق أوروبا مثل رومانيا ويوغوسلافيا كانت علي صلة بالغرب وبإسرائيل. ولذلك فان جس نبض قادتها حول ما نشر قد يساعده علي تحديد بوصلة التحرك السياسي.
    وشعر الرئيس بأهمية ما نشر وتأثيره منذ اللحظة الأولي لهذه الزيارة.
    ففي مطار بلغراد حيث كانت الترويكا الحاكمة في استقباله سأل الرئيس اليوغوسلافي عما نشر وهل يعبر عن موقف م.ت.ف أم أنه رأي شخصي؟
    فدعاني الرئيس للاقتراب قائلا: انهم يسألون عن مقالك وهم معجبون جدا بما كتبت. صافحتهم وبادرني الرئيس اليوغوسلافي بالقول: ما نشرته جيد جدا ويفتح الطرق نحو السلام. أكمل وتابع مثل هذه الكتابات.
    فانتهزت الفرصة لأقول (ولأول مرة ) شكرا سأتابع لكن يجب أن أقول انها أفكار الرئيس عرفات.
    وابتسم عرفات ابتسامة عريضة وتوجهنا نحو قصر الضيافة.
    بعد دقائق معدودة أبلغ الرئيس أن وزير خارجية الاتحاد السوفييتي يريد أن يكلمه هاتفيا. وأنه ينتظر علي الخط.
    التقط الرئيس الهاتف وراح يشرح له تطورات الأوضاع داخل الأراضي المحتلة وفظاعة الممارسات الإسرائيلية ضد شعبنا. وطلب منه المساعدة بالتحرك دوليا لوقف العدوان علي شعبنا الأعزل.
    وفجأة نظر الرئيس لقاعة الجلوس وطلب مني الاقتراب. اقتربت فقال لي بحيث يسمع شيفردنادزة كل كلمة: بسام أنت كتبت إيه في المقالة معالي الوزير يسأل عن المقالة؟ نظرت اليه بدهشة سرعان ما تلاشت لأنني فهمت قصده. فهو يريد أن يقول لشيفردنادزة انه لا يعلم ماذا كتبت، وانهم إذا كانوا مهتمين بما نشر فليتحركوا لضمان الثمن: الدولة الفلسطينية المستقلة.
    وقال الرئيس لشيفردنادزة انه سيناقش الأمر لاحقا وسيري ما هو موقف القيادة.
    وكذلك في رومانيا، كان هنالك اهتمام كبير.
    وخلال رحلة العودة الي بغداد، كما هي عادته، انكب علي ملفاته محاولا إنجاز عمله الشاق قبل الوصول إلي بغداد ليتفرغ لإدارة شؤون الانتفاضة.



    اجتماع في بغداد

    ما ان وصلنا مقره حتي أصدر تعليماته بدعوة أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس المركزي لـ م.ت.ف للاجتماع في بغداد خلال ذلك الأسبوع.
    فكرت بالأمر. لقد أصبح الموضوع جديا، فهذه الخطة الأولي التي يتخذها الرئيس ليحضر النقاش داخل المؤسسات الفلسطينية كي تتحول الأفكار التي طرحت في الوثيقة إلي موقف رسمي.
    لقد اقتنع الرئيس بأن هذا البرنامج سيفتح الطريق أمام اعتراف دولي وربما مفاوضات سياسية.
    كانت حسابات الرئيس دقيقة، فبعد ترك المجال لنقاش علني بين مؤيد ومعارض، وبعد أن أعطي فرصة لردود الفعل الدولية والإقليمية والعربية،وبعد أن أيقن أن القيادات الفلسطينية داخل الأرض المحتلة تؤيد ذلك بكل قوة، وتعتبر الموقف دعما سياسيا هائلا في المواجهة مع العدوان الإسرائيلي.
    بعد كل هذا قرر أن ينقل النقاش لمؤسسات م.ت.ف وكان واضحا أن هدفه هو التوجه للمجلس الوطني الفلسطيني في نهاية جولات النقاش في المؤسسات الرسمية، للتصويت علي برنامج سياسي جديد يتضمن المضامين التي نشرت في الوثيقة أي التفاوض علي حل سياسي يؤدي لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة علي الأراضي التي احتلت عام 1967 مقابل الاعتراف بإسرائيل وحقها بالوجود خلف حدود آمنة ومعترف بها.
    وما ان بدأت الاجتماعات في بغداد حتي أصدر لي الرئيس أمرا بالتوجه للإمارات لأجري اتصالات مع المسؤولين حول دعم الانتفاضة ماديا.
    وتوجهت للإمارات حسب تعليماته.
    وكان واضحا أن الرئيس لا يريد أن أحضر تلك الاجتماعات لأنه يعلم أنها ستكون صاخبة وأن النقاش قد يتحول الي نقاش مؤذ.
    حينما عدت من الامارات أحمل التبرعات للانتفاضة، كانت الاجتماعات قد انتهت.وانتخي بعض الأصدقاء ليحذروني من الأجواء السائدة، ليقدموا لي النصيحة بعدم الوقوع في هذه الأفخاخ حرصا علي تاريخي النضالي.
    خلاصة الموضوع أن الرئيس أنهي النقاش باقتراح تشكيل لجنة من أعضاء المجلس المركزي للتحقيق معي في ملابسات هذا المقال وتبعاته.
    كانت تلك احدي طرقه في تجاوز الأزمات ودثر الخلافات.
    طبعا لم يتصل بي أحد ولم يحقق معي أحد.
    وانهمكنا في العمل إلي أن قرر الرئيس العودة الي تونس لعقد اجتماعات تمهيدية لعقد المجلس الوطني الفلسطيني.
    بدا واضحا أنه مصمم علي عدم التردد كي لا تفلت الفرصة من يده. ورغم معرفته بأن لا شيء ملموس ماديا حول ما سيجنيه الشعب الفلسطيني، إلا أن حاسته أشارت الي أهمية إقرار هذا التوجه السياسي الجديد ليشكل منصة انطلاق جديدة، لفرصة جديدة تفتح أمام الفلسطينيين أبواب الأمل وقد تتوج انتفاضتهم بالاستقلال والحرية.



    الي ستوكهولم

    في الأسبوع الأول من كانون الاول (ديسمبر) عام 1988 اتصل بي الرئيس ياسر عرفات وقال:
    توجه للمطار فورا.
    لم يفاجئني الرئيس بهذا الطلب. فقد تعودت علي أسلوبه في العمل ولذلك كنت أضع جانبا حقيبة صغيرة الحجم تحتوي ما احتاجه لسفرات قصيرة.
    في أغلب تلك الزيارات الخاطفة التي كان يقوم بها الرئيس ياسر عرفات، ويطلب منا التوجه للمطار لمرافقته، لم نكن ندري ما هي الوجهة وما هو الغرض.
    تلك الأمور كان يستعرضها الرئيس معنا بعد إقلاع الطائرة ويعود ذلك لأسباب عديدة، منها الظرف السياسي وتطوراته السريعة ومنها أسلوبه في العمل الأمني والمحافظة علي سرية تحركه ووجهة ذلك التحرك. وغالبا ما كان يعطي قائد الطائرة تعليمات في اللحظة الأخيرة.
    وصلت مطار تونس علي عجل لأجد أن الرئيس ياسر عرفات كان قد وصل ووصل آخرون ممن سيرافقونه، وكان المرافقون منهمكون بنقل حقائبه، وحقائب أعضاء الوفد للطائرة الصغيرة التي كانت تقف علي بعد عشرات الأمتار من قاعة الشرف التي كان يغادر منها ويستقبل فيها أثناء أقامته بتونس.
    صافحته وسألته مبتسما: خيرا إن شاء الله الي أين نتوجه؟
    فاجابني سنتحدث عندما نقلع. نظر الي ساعته وسأل الكابتن عدنان هل كل شيء جاهز. أدي الكابتن عدنان التحية قائلا: نعم سيدي.
    أشار الرئيس بيده لأعضاء الوفد قائلا تفضلوا لنذهب .
    سرنا مشيا علي الأقدام نحو الطائرة وصعدنا جميعا قبله وبقي هو ليلقي تحية الوداع علي مجموعة من القيادات التي جاءت للمطار لتوديعه.
    وحال صعوده للطائرة جلس الي مقعده المعهود قائلا لقبطان الطائرة: علي بركة الله. أغلق الباب بإحكام ودارت المحركات وما هي إلا لحظات حتي كنا في أعالي الأجواء. لحظات مضت قبل أن يسمح قبطان الطائرة بفك أحزمة الأمان. عندها سارع الرئيس طالبا من أحد مرافقيه إحضار ملفاته.
    تناول ملفا منها وشرح للوفد طبيعة المهمة التي نتوجه لها.
    رئيس وزراء السويد وجه دعوة للرئيس ووفده لزيارة ستوكهولم لإجراء حوار حول السلام مع وفد من قادة الجالية اليهودية الامريكية.
    وان الوفد الأمريكي اليهودي والذي ترأسه السيدة ريتا هاوزر علي اتصال وتفاهم مع وزير الخارجية الأمريكية شولتز .
    وان رئيس الوزراء السويدي ووزير خارجيته سوف يرعيان هذه اللقاءات وسيكونان علي اتصال مع الإدارة الأمريكية حول الحوار .
    كانت العلاقة بين م.ت.ف. والولايات المتحدة متوترة جدا علي ضوء رفض الإدارة الأمريكية منح الرئيس ياسر عرفات تأشيرة لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة لطرح مبادرة سلام.
    وتأزمت المشكلة بإصرار الولايات المتحدة علي رفض منح التأشيرة.
    وكنت قد كتبت مقالا في نيويورك تايمز تعليقا علي ذلك تحت عنوان امنحوا السلام تأشيرة .
    وقررت الأمم المتحدة علي ضوء ذلك الرفض أن تعقد جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة بمقرها في جنيف، في الثالث عشر من كانون الاول (ديسمبر) لإتاحة الفرصة للرئيس ياسر عرفات لإلقاء خطابه حول الشرق الأوسط أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
    نظر الرئيس للوفد المرافق له بعد هذه المقدمة وكأنه يسأل ما هو رأيكم؟
    وبدأ الحديث حول الاحتمالات وخلص الجميع الي أن رئيس وزراء السويد ما كان ليقدم علي هذه المبادرة إلا في ضوء موافقة (ولو ضمنية) من الإدارة الأمريكية.
    وان هذه الزيارة تحمل في طياتها إمكانيات سياسية قد تتحول الي إمكانيات كبيرة اذا نجحت. عندها تناول الرئيس من ملفه مشروع اتفاق كان قد أعده عضو اللجنة المركزية لحركة فتح خالد الحسن أثناء لقائه بالوفد اليهودي الامريكي قبل شهرين من ذلك التاريخ.
    وطلب من أعضاء الوفد أن يقرأوا ورقة العمل ليبلوروا رأيا ويقترحوا أية تعديلات يرونها ضرورية.
    انكب أعضاء الوفد علي قراءة الأوراق فيما راح الرئيس يتابع ملفاته ويضع ملاحظاته علي كل ورقة، ويوقع علي الأوراق ذات الضرورة الملحة.
    وبعد انغماسه بقراءة ما احتواه الملف من أوراق والتي كان يضع بعضها جانبا (ربما لأنه غير متأكد من دقتها). كان يجيل النظر في الجو خارج نافذة الطائرة، وكان يأخذها فرصة للتفكير بما لا يمت بصلة للأوراق التي اختزنها ملفه.
    ثم يعود للطائرة، يهز قلمه بين أصابعه الدقيقة، كأصابع لاعب بيانو، ويحرك ساقيه بطريقة توحي بأنه متوتر، لكنها كانت عادته.
    كنا نطير للسويد، بناء علي دعوة من رئيس وزرائها، في بداية ديسمبر من العام 1988، أي بعد أسبوعين تقريبا من اجتماع كامل هيئة المجلس الوطني الفلسطيني، (أعلي سلطة تشريعيه للشعب الفلسطيني)، في الجزائر بين 13 و15 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه.
    كان ذلك الاجتماع تاريخيا.
    فقد احتدم النقاش علي مدي يومين حول اقتراح يتبني برنامجا سياسيا جديدا لمنظمة التحرير الفلسطينية، هدفه الاستراتيجي إقامة سلام مع دولة إسرائيل، علي أن تقام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة علي الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
    كان ذلك مشروع تحول تاريخي، ويشكل مشروع قرار بمساومة تاريخية لم يسبق لأحد أن تجرأ علي طرحها. وكان المشروع ينص علي أن التفاوض علي هذا الحل السياسي هو الأسلوب لتحقيقه. وصوت أعضاء المجلس الوطني بأغلبية 87% لصالح المشروع. وبذلك أصبح لمنظمة التحرير الفلسطينية برنامج سياسي جديد خياره الاستراتيجي السلام والتسوية السياسية علي أساس قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القراران 242 و 338 وينص علي حل الدولتين علي أرض فلسطين التاريخية واعتراف إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما البعض والعيش بسلام وتعاون واستقرار وامن.
    لقد سلح هذا الخيار الاستراتيجي الجديد، الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان) ياسر عرفات بقوة هجومية سياسية لا تقدر بثمن.
    وربما كان هذا سببا رئيسا في تحمسه للسفر فورا للسويد ليري مدي تأثير هذه الاستراتيجية الجديدة علي الموقف الأمريكي والأوروبي والعالمي بشكل عام. كنت أري استنفارا كاملا بين ثنايا وجهه ونظراته، واهتزاز القلم بين أصابعه. كان متحفزا كمن ينتظر جوائز الاوسكار أو نوبل، قلقا ومتفائلا دون أن يعبر عن ذلك.
    وفجأة أعلن قائد الطائرة أن علينا ان نربط أحزمة الأمان لأننا سنبدأ بالهبوط بعد عشرين دقيقة.
    وعاد الرئيس ياسر عرفات للطائرة بعد أن شرد بعيدا في تفكيره، قائلا لأعضاء الوفد:
    ماذا ترون ؟ سأل وهو يبتسم.
    هل هذا المشروع معقول أم تقترحون تعديلات ؟
    كانت هذه طريقته دائما في حسم الأمور، يصغي للجميع بكل انتباه. يصغي لكل ملاحظة أو اقتراح ويوحي لأصحابها بأنها هامة جدا وانه مهتم بها جدا. وينتقل ليسمع الآخرين.
    وفي نهاية الأمر، وبعد الاستماع المتنبه لكل حرف، يعود قلمه ليهتز بين أصابعه. ويغوص في عقله ويفكر. انه دائم التفكير ويغوص في الحسابات: حسابات الربح والخسارة فيما يتصل بقضية الشعب الفلسطيني أي قضيته الشخصية.
    كان دائما جريئا الي حد تقبل كل الملاحظات والانتقادات ويناقش دون ملل، ويستمع لوجهات النظر دون كلل لكنه في نهاية الأمر يزن الأمور ليعرف أين هي مصلحة الشعب الفلسطيني استراتيجيا.
    وهو طالما ابتعد عن الخطاب الحماسي في الاجتماعات الداخلية رغم انطلاقه بخطاب حماسي أمام الجماهير فقد كان يفرق بين هذا وذاك بنهج عملي تفوق به علي كل البراغماتيين.
    لم يفه بكلمة.
    لقد استمع. وهو يزن الأمور الآن.
    بدأت الطائرة بالهبوط نحو مطار ستوكهولم. تخطينا الغيوم هبوطا لتبدأ معالم الأرض تتضح. كان الجميع ينظر من خلال النوافذ لأرض السويد. بيضاء بيضاء في كل مكان تكسوها الثلوج : مزيد من الاقتراب نحو الأرض، بدت لنا المدارج التي عريت من ثلوجها لتتمكن الطائرات من الهبوط.
    بضع دقائق مرت قبل ارتطام دواليب الطائرة بمدرج المطار ثم هرولت بنعومة نحو موقع تقودها إليه عربة تكسوها كشافات حمراء وصفراء.
    قادتنا العربة نحو ركن بعيد تقف عند حافته مروحيتان... لا بل ثلاث.
    وهرول مستقبلون نحو سلم الطائرة يرتعشون من البرد.
    تحية سريعة وسلام سريع وكلام سريع، فيما يهرول الجميع نحو المروحيات.
    كان البرد شديدا. ولم نكن قد احتطنا لذلك. فلم نكن نعرف الي أين نتوجه عندما دعينا لمرافقة الرئيس في تلك الزيارة.
    دخلنا إلي داخل المروحيات بأسرع ما يمكننا لتجنب البرد القارس. وبدأت محركات المروحية الأولي بالدوران غير منتظرة المروحيتين الأخريين وانطلقت.
    كانت المناظر خلابة وتحاشت المروحية الطيران فوق وسط مدينة ستوكهولم لكننا كنا نراها، يا لها من مدينة ضخمة وجميلة.
    كان من الواضح أننا نتجه الي مكان في ضواحي ستوكهولم... خارج عن نطاق المدينة المزدحم. وهكذا كان. فقد هبطت المروحية بعد نصف ساعة في باحة قصر قديم، قلعة قديمة، كانت إحدي قلاع ملوك السويد القديمة.
    حجارتها قاتمة، يضيئها الثلج الذي يكسوها هنا وهناك.
    حدائقها يغطيها الثلج إلا بعض ورودها التي كانت أعناقها فوق الثلوج او رؤوس أشجار عالية كانت ربما، ترحب بنا.
    وبسرعة مماثلة لسرعة صعودنا للمروحية، أسرعنا نحو بوابة القصر.
    استقبال لطيف وأنيق يحف به دفئان: دفء المستقبلين ودفء القصر ـ القلعة. وتوجه كل منا الي الغرفة المخصصة له علي أن نلتقي في جناح الرئيس ياسر عرفات بعد عشر دقائق.
    التأم شمل الوفد في جناح الرئيس ودار حديث حول ما يمكن أن يبحث والفوائد السياسية من مثل هذا اللقاء.
    وعلق الرئيس بالقول: لن يكون هذا اللقاء لقاء عاديا. فالسويد ترمي بثقلها لإنجاح هذا اللقاء ولا يمكن لوفد من اليهود الامريكيين أن يلتقي بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية دون إبلاغ وزارة الخارجية الامريكية. لذلك علينا إعطاء الاهتمام الشديد لما سيدور البحث حوله. ودعونا لا نستبق الأمور، لنري ماذا يحملون معهم ؟
    ما كاد الرئيس ينهي كلامه حتي جاء من يعلمه بأن وزير خارجية السويد قد وصل للجناح وأنه ينتظر في غرفة الجلوس.
    نهض الجميع متوجهين نحو غرفة الجلوس. وأسرع الرئيس بمصافحة وزير الخارجية وعرف أعضاء الوفد الذين صافحوه بدورهم.



    غداء مع قادة يهود امريكا

    ارتسمت علي وجه الرئيس ابتسامة عريضة وهو ينظر الي وزير الخارجية وكأنه يقول له هات ما عندك .
    تحدث الوزير عن اهتمام السويد بإنجاح هذا اللقاء، وان الهدف هو الخروج ببيان مشترك يدعو إلي حل سياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن الفكرة مستمدة من البرنامج الجديد الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر.
    علق الرئيس قائلا: بيان مشترك بين منظمة التحرير الفلسطينية والسويد ؟ فأجاب الوزير : السويد ترعي هذا اللقاء. فعلق الرئيس مرة أخري. لكن هذه المجموعة من قادة يهود أمريكا لا تمثل جهة رسمية. فلا هي تمثل الإدارة الامريكية ولا هي تمثل الحكومة الإسرائيلية. كانت الملاحظة تحمل معاني أبعد من الكلمات. وفهم وزير الخارجية السويدي القصد، فأجاب باقتضاب: سيحضر رئيس الوزراء بعد قليل، وطلب مني أن أبلغك أنه يريد أن يلتقي بك منفردين. وكأن الوزير أراد بذلك أن يقول للرئيس ياسر عرفات ان الأمر أهم من مجرد بيان مشترك.
    وبالفعل اختلي رئيس وزراء السويد بالرئيس ياسر عرفات دقائق ثم خرجا سويا. فدعي رئيس الوزراء الجميع لغرفة الطعام. لقد رتب السويديون أن يكون اللقاء الأول علي مائدة الغداء.وقد رتبت أماكن الجلوس بطريقة ذكية بحيث يختلط الجميع لتبادل الحديث والتعرف علي بعضهم البعض. كان وصولنا لقاعة الطعام قبل وصول وفد اليهود الامريكيين.
    فتحت الأبواب بعد ثوان معدودات ودخل الوفد الامريكي برفقة وزير الخارجية السويدي، تصافح الجميع ثم جلسوا إلي مائدة الطعام.
    دار كلام عام حول الوضع السياسي وضرورة إيجاد حل للصراع.
    وقبل الانتهاء من وجبة الغداء اقترح رئيس وزراء السويد أن تلتقي مجموعة قليلة من الطرفين في غرفة الاجتماعات، للبدء بمناقشة الأمور بطريقة أكثر خصوصية وعملية.
    وتم ذلك. انسحب الباقون نحو غرفة الجلوس يتحدثون في أمور مختلفة. أربعة من وفد اليهود الامريكيين برئاسة السيدة ريتا هاوزر جلسوا قبالة الرئيس ياسر عرفات يحيط به ثلاثة من أعضاء الوفد: ياسر عبد ربه ومحمود درويش وأنا. راحت ريتا هاوزر تمتدح ورقة العمل السابقة وتقول انها صالحة للإعلان.
    أجاب الرئيس مرحبا بالنقاش وقال هنالك بعض النقاط بحاجة لتعديلات لذلك اقترح أن تصاغ هذه الملاحظات وتدرس.
    وانسحب الرئيس من الجلسة نحو جناحه فيما بقي البعض لدراسة الملاحظات. ولقد كلف اليهود الأمريكيون السيدة دورا كاس من اتحاد النساء اليهوديات الأمريكيات بصياغة تلك الملاحظات بعد مناقشتها مع الفلسطينيين.
    كان التعديل أساسا لينصب النص علي إقامة دولة فلسطينية مستقلة علي الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
    حملت الصياغة للرئيس الذي أبدي مزيدا من الملاحظات باتجاه إزالة أي لبس حول هدف إقامة الدولة الفلسطينية وسيادتها.
    وعدنا مرة أخري لجلسة الصياغة.
    في تلك اللحظة دبت حركة غير عادية أمام جناح الرئيس ياسر عرفات، كانت زيارة مفاجئة من رئيس وزراء السويد ووزير خارجيته للرئيس في جناحه.
    أبلغنا الرئيس لاحقا أن وزير خارجية الولايات المتحدة شولتز أبلغ السويديين بأن هنالك اهتماما كبيرا بهذا اللقاء، وأنه اذا تم الاتفاق ستدرسه الولايات المتحدة لتقرر فيما اذا كان الإعلان يمهد الطريق أمام اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء حوار جدي معها.
    اختلف الأمر الآن.



    3 شروط امريكية

    واستنفر الرئيس قواه السياسية. فهذه أول مرة تعرض فيها الولايات المتحدة عبر دولة كالسويد اتفاقا سياسيا.
    حمل رئيس وزراء السويد معه رسالة من شولتز تتضمن ثلاث نقاط يجب علي الإعلان أن يتضمنها وهي نبذ العنف والاعتراف بحق إسرائيل بالعيش وراء حدود آمنة ومعترف بها وبقرارات الشرعية الدولية.
    كان من الواضح جدا أن العمل تحول إلي اتصالات سياسية جدية وغاية في الأهمية.
    ولم يضع الرئيس الوقت. جمع الوفد وطلب صياغة رسالة فورية ليحملها رئيس وزراء السويد للإدارة الامريكية تشرح برنامجنا وأهدافنا واستعدادنا للسلام علي أساس الشرعية الدولية وقبولنا ضمن هذا الإطار بالنقاط الامريكية الثلاث. وجاء الرد الذي أثار الدهشة سريعا.
    اذ لم يتضمن رد الوزير شولتز أية إشارات ترفض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ولا ملاحظات حول مقدمة الرسالة التي حددت أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تحمل صفة الحكومة الفلسطينية المؤقتة الي أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة.
    لكنها طلبت أن يركز الرئيس ياسر عرفات في مؤتمر صحافي، علي البنود الثلاثة التي حملها رئيس وزراء السويد من الإدارة الامريكية. وتضمنت الرسالة وعدا بأنه في حال إعلان الرئيس ياسر عرفات في مؤتمر صحافي في ستوكهولم هذه البنود الثلاثة، فان وزير الخارجية الاميركي جورج شولتز سيعلن بعدها بنصف ساعة اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء حوار بناء معها لإقامة السلام في الشرق الأوسط.
    تبين بوضوح ماذا كان يقصد الرئيس ياسر عرفات، عندما قال لوزير الخارجية في اللقاء الأول: إعلان مشترك مع السويد ؟
    فالمجموعة الأمريكية لا تمثل حكومة إسرائيل أو الإدارة الأمريكية.
    وكأنه كان يطلب منه العمل علي إعلان مشترك مع هذه الجهات. وها هي الفرصة تلوح لإعلان متزامن بين منظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الأمريكية.
    لاحقا، وفي جناح الرئيس، دار نقاش هام كان واضحا منه أن الرئيس يريد أن يلتقط الفرصة وأن يكون مرنا لتبدأ ولأول مرة علاقة رسمية بين م.ت.ف. والإدارة الأمريكية. إنها أول ثمرة من ثمرات البرنامج السياسي الجديد الذي اقره المجلس الوطني الفلسطيني في 15 تشرين الاول (نوفمبر) من العام 1988.
    طلب الرئيس من ياسر عبد ربه أن يجري اتصالات مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن شرح التفاصيل وأهمية التطورات لم يكن ممكنا.
    تردد الرئيس، فقد كان حريصا علي أن تنال موافقة الأغلبية في اللجنة التنفيذية، حفاظا علي ديمقراطية اتخاذ القرار.
    وفجأة لمعت عيناه بالفكرة.
    وقال: لماذا لا نعقد مؤتمرا صحافيا الآن وهنا في ستوكهولم ؟ يمكننا ان ننهي العمل مع المجموعة الأميركية ونصدر إعلانا مشتركا، ونفصل بين هذا وبين اعتراف الولايات المتحدة بنا، وذلك بإعلان منا مطلوب في خطابي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي سيعقد بعد أسبوع في الثالث عشر من كانون الاول (ديسمبر) في جنيف.
    ونالت فكرته استحسانا وتقرر أن نقنع السويديين بذلك.( لأنهم كانوا تواقين لعقد المؤتمر الصحافي التاريخي في ستوكهولم).
    وتفهم السويديون وجهة النظر وأعلموا بان خطاب الرئيس أمام الجمعية العمومية سيكون خطابا يطرح مبادرة للسلام.
    وطلب الرئيس منهم أن يرسلوا وفدا لمتابعة كافة الأمور بيننا وبين الإدارة الامريكية الي جنيف.
    تم الاحتفال مساء بإصدار إعلان ستوكهولم للسلام بين م.ت.ف. وقادة المنظمات اليهودية الامريكية. وكان له تأثير ايجابي ضاغط.
    وغادرنا عائدين الي تونس.
    وفي تونس نال الرئيس موافقة أغلبية أعضاء اللجنة التنفيذية علي تحركه السياسي وعلي إعلان ستوكهولم للسلام، استنادا لبرنامج المجلس الوطني الجديد.
    وبدأ التحضير لاجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة وشكلت لجنة صياغة الخطاب الذي سيتضمن البنود (الشروط) الأمريكية الثلاثة التي أصر عليها جورج شولتز وزير خارجية أمريكا.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  12. #12
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    ريغان يوسط عرفات لتأجيل تحرير الامريكيين في طهران ليهزم منافسه كارتر


    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات




    ساد الفتور العلاقات الأردنية الفلسطينية، منذ ألغي المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته التي عقدت في العاشر من نيسان (ابريل) عام 1987، اتفاق عمان الشهير.
    وكان اتفاق عمان الذي وقعه الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، ينظم بشكل مشترك التحرك السياسي دوليا وإقليميا لإيجاد حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، قائم علي أسس قرارات الشرعية الدولية (قراري مجلس الأمن 242 و338) والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وتحول الفتور تدريجيا إلي جمود يكاد يشبه القطيعة.
    وفي العام 1989، أي بعد إطلاق مبادرة السلام الفلسطينية في كانون الاول (ديسمبر) من العام 1988، انشد المجتمع الدولي للمبادرة التي لم تكن مسبوقة في التاريخ السياسي الفلسطيني. واهتمت مصر (وهي أكبر دولة عربية ـ والدولة التي وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل)، بالمبادرة وراحت تحشد القوي العربية والإقليمية والدولية لتأييدها وإعطائها زخما، في محاولة لشق طريق نحو سلام فلسطيني ـ إسرائيلي. وفي هذا الإطار رأت مصر أنه من الهام والضروري ألا يبقي الجمود مسيطرا علي العلاقات الأردنية الفلسطينية وأن يتحول هذا الجمود إلي حركة، وان تدريجية، تعطي زخما إضافيا لمبادرة السلام الفلسطينية.
    عندما ألغي المجلس الوطني الفلسطيني اتفاق عمان، غضب الملك حسين، عاهل الأردن، وانعكس غضبه علي المؤسسات الأردنية، وأغلقت كافة القنوات المباشرة بين الأردن و م.ت.ف وراحت مصر، تحث الرئيس ياسر عرفات وقيادة م.ت.ف علي إعادة بناء الجسور مع الأردن. لكنها أيقنت، بعد وقت، أن كافة الأبواب مغلقة، وأن علي مصر أن تبادر إلي حركة سياسية ما، لتتحول إلي بداية إعادة بناء الجسور بين الأردن و م.ت.ف .




    مبارك لعرفات: المحتاجة غناجة!

    منذ احتلال إسرائيل لما تبقي من الأرض الفلسطينية في العام 1967، ألغيت من قاموسي الشخصي بعض التعابير ذات المضامين كتعبير عطلة نهاية الأسبوع أو تعبير إجازة وما زلت حتي الآن أعمل ليل نهار وعلي مدار الأسبوع وكذلك الفريق الذي يعمل معي.
    لكن القواعد الجديدة (منذ عام 1967) لم تمنع اختراقا حصل في فترة زمنية محددة تحت ضغط عائلي. والاختراق الذي أتحدث عنه الان تحول إلي حركة سياسية ساهمت في تعديل مسار سياسي في الشرق الأوسط.
    ففي شهر تموز (يوليو) عام 1989 أصرت عائلتي علي الذهاب إلي شاطيء البحر المتوسط، قرب الإسكندرية في مصر. وكان والد زوجتي يملك فيلا لطيفة تحيط بها حديقة واسعة في منطقة سيدي عبد الرحمن وهي منطقة قريبة من الحدود الليبية المصرية، وبعيدة عن الإسكندرية، ومياه شاطئها نظيفة، ورمال الشاطيء ناصعة البياض.
    وسر طفلاي (كرمة وعمر) سرورا عظيما، فقد كانت من المرات النادرة التي أقضي فيها، معهم، عدة أيام دون أن أكون منهمكا في عمل لا يتوقف. وسعدت بالتئام شمل العائلة في تلك البقعة الخلابة من شاطيء المتوسط.
    بعد أربعة أيام من الاسترخاء علي الرمال وسماع أغاني الطرب العربي، كنت أجلس علي شرفة الفيلا أشرب القهوة، عندما وصلت للبوابة الخارجية للمنزل سيارة شرطة مصرية. هبط منها ضابط مهذب، وسأل: الأستاذ بسام أبو شريف ؟
    فقلت له نعم، تفضل.
    شكرني، وقال انه علي عجلة من أمره، لأن لديه عملا يؤديه، وأبلغني أنه جاء ليبلغني رسالة فاقتربت منه.
    الرئيس عازمك علي الفطار غدا صباحا. الساعة السابعة والنصف صباحا، في مقره ببرج العرب .
    برج العرب تحتضن واحدا من المقرات الصيفية لرئيس جمهورية مصر العربية والموقع قريب من الإسكندرية.
    شكرته قائلا يشرفني ذلك .
    ابتسم وقال: سنأتي غدا في السادسة والنصف صباحا لنصطحبك إلي برج العرب. وغادر الضابط المكان فورا عائدا إلي عمله.
    وفي اليوم التالي عاد في السادسة والنصف ليصطحبني إلي برج العرب.
    كانت تلك المرة الأولي التي أزور فيها مقر الرئاسة المصرية الصيفي في برج العرب. ورحت أراقب المكان فيما تتحرك السيارة ببطء نحو هدفها. خالجني شعور بأنني أدخل معسكرا للجيش، نظيفا وأنيقا، الشجر والورد في كل مكان، والشوارع مغسولة والأرصفة لامعة الطلاء. وبين شارع داخلي وآخر تقف مجموعة من الحرس الجمهوري أو الانضباط العسكري بلباسها الجميل.
    أوقف الضابط السيارة أمام مبني بسيط وقديم، ودعاني للنزول.
    الباب قديم لكنه نظيف وقد طلي حديثا. وما أن اقتربت منه، حتي فتح فجأة وأطل منه الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس حسني مبارك للشؤون السياسية.
    أهلا أهلا بسام
    قالها بصوته المميز، عالي النبرة.
    عانقته وتوجهنا سويا نحو حديقة جميلة، رتبت علي طرفها طاولة خشبية قديمة أحاطت بها كراس من قش كتلك التي كنا نستخدمها ونحن أطفال.
    دعاني للجلوس واستأذن:
    سأعود بعد لحظات .
    لحظات قليلة مضت قبل أن تفتح الأبواب ليخرج منها عدد من ضباط الأمن وبعدهم الرئيس حسني مبارك.
    صافحني مرحبا وجلس علي كرسي القش الصغير.
    وأقبل علينا نادلان يلبسان ثيابا ناصعة البياض وسألا عما نريد أن نتناول. تم كل شيء بسرعة غير عادية واخلي المكان لإتاحة الفرصة للرئيس مبارك للتحدث.
    تحدثنا حول الأوضاع السياسية وحول الرؤية المستقبلية.
    وخلص الرئيس مبارك إلي الموضوع الذي دعاني من اجله.
    عايزك تروح لتونس وان تبلغ الرئيس ياسر عرفات الرسالة التالية:
    المحتاجة غناجة .
    فقلت له : عفوا لم أفهم ماذا تقصد ؟
    فقال: الرئيس عرفات يعرف ماذا أقصد. هذا مثل مصري وهو خبير في الأمثال المصرية.
    قل له : المحتاجة غناجة.
    فقلت له سأتوجه لتونس وأبلغه ذلك.
    تابعنا الحديث. وكانت علاقات مصر بليبيا تشهد تأزما حادا بلغ حد الصراع.
    فاستأذنته بأن أبدي الرأي بموضوع الصراع مع ليبيا فرحب فورا بذلك. قلت له، سيادة الرئيس لدي وجهة نظر قد لا تكون قابلة للتطبيق إلا إذا تبنيتها أنت. وهي أن التعامل مع ليبيا وتحديدا الرئيس معمر القذافي يجب ألا يكون باللكمات بل بالعناق. فنظر إلي مستفسرا دون أن يعبر عن ذلك بالكلام.
    فتابعت رأيي قائلا: مصر دولة كبيرة وتتحمل ما لا يمكن للدول الصغيرة أن تتحمله. وليبيا دولة غنية لكنها صغيرة. وهي بحاجة لمصر ورعاية مصر وربما حماية مصر لها. والكبير قادر علي تحمل الصغير.
    أعبط معمر القذافي بدل من أن تلكمه ، لأنه سيشعر أنه أصبح بمصر كبيرا، وأن حنان مصر يحمي ليبيا.
    وفي الوقت ذاته يمكن لمصر أن تبحث مع ليبيا إنشاء مشاريع اقتصادية مشتركة. فليبيا تملك المال الذي تحتاجه المشاريع المصرية.
    أبدي الرئيس حسني مبارك كل الاهتمام وركز علي ما أقول.
    وفجأة، نادي الرئيس حسني مبارك بصوت مرتفع طالبا حضور الدكتور أسامة الباز.
    هرع الدكتور أسامة الباز نحو المكان.
    فبادر الرئيس مبارك بالقول اسمع يا أسامة وجهة نظر بسام حول ليبيا . يقترح أن نعبط ليبيا بدلا من لكمها.
    وطلب مني أن اشرح وجهة نظري مرة أخري. ففعلت.
    وتبني الرئيس مبارك وجهة النظر فأصبحت سياسة رسمية كانت نتائجها خيرة وايجابية علي الجميع.
    غادرت في اليوم التالي سيدي عبد الرحمن للقاهرة، ومنها لتونس.




    طعام السحور الملكي

    وتوجهت فورا لمقر الرئيس عرفات الذي كان غارقا في العمل كالعادة.
    ونقلت له رسالة الرئيس مبارك.
    فوضع قلمه جانبا، ونظر إلي قائلا هو قال لك كده ؟
    فهززت رأسي تأكيدا.
    فكر الرئيس قليلا، وهو ينظر بعيدا. ثم نادي علي الكابتن عدنان وأصدر له التعليمات بترتيب سفره لمصر.
    أجريت اتصالات رسمية لترتيب موعد زيارة الرئيس عرفات للقاهرة.
    كان هذا رد الفعل الأول علي الرسالة التي نقلتها من الرئيس حسني مبارك للرئيس ياسر عرفات.
    وتم الأمر.
    مع بداية شهر رمضان المبارك هبطت طائرة الرئيس عرفات في مطار القاهرة. وتوجه الركب فورا لمقر الرئيس ياسر عرفات المعروف قصر الأندلس . في شهر رمضان تتبدل مواعيد اللقاءات لتنسجم مع تقاليد شهر رمضان المبارك.
    وكالعادة تضج مدينة القاهرة بالحركة بعد غروب الشمس، أي بعد الإفطار وكذلك الحركة السياسية، فالمواعيد واللقاءات ترتب عادة، بعد غروب الشمس.
    استقبل الرئيس حسني مبارك الرئيس عرفات ليلا وتناول البحث الجهود السياسية المبذولة لفتح الطريق أمام حل سياسي في المنطقة يستند لقرارات الشرعية الدولية.
    وركز الرئيس مبارك علي ضرورة حشد القوي العربية لمساندة منظمة التحرير الفلسطينية في سعيها لفتح طريق المفاوضات لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، جنبا إلي جنب مع دولة إسرائيل (حل الدولتين). ثم انتقل مباشرة للنقطة الجوهرية التي أراد أن يقنع الرئيس عرفات بها، وهي رأب الصدع في العلاقة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وطلب منه بذل الجهد في هذا الاتجاه وأن يعانق الملك حسين ويفتح صفحة جديدة معه، خدمة للمصالح العربية العليا وخدمة للمصلحة الفلسطينية العليا.
    وأضاف: انتم بحاجة لدعم كل الدول العربية، لذلك عليكم القيام بالجهد اللازم وألا تنتظروا الآخرين ليقوموا بذلك. (من هنا جاء المثل الذي حملته من الرئيس مبارك للرئيس عرفات، المحتاجة غناجة. أي أن الذي يحتاج للعلاقة عليه أن يبذل الجهد لاقامتها، أو إصلاحها).
    تقبل الرئيس عرفات رأي الرئيس مبارك بايجابية. فانتقل الرئيس مبارك للشروع العملي، فاجري اتصالا بالملك حسين، واقترح عليه أن يستقبل الرئيس ياسر عرفات لإجراء مباحثات صريحة ومباشرة حول الرؤية السياسية، والتحرك السياسي اللازم لشق طريق السلام عبر المفاوضات وعلي أساس قرارات الشرعية الدولية.
    فرحب الملك حسين بذلك.
    وبادر الرئيس مبارك بالقول، ما رأيك أن تتناولا طعام السحور سويا. (أي قبل بزوغ فجر اليوم التالي) فرحب الملك حسين وتم الاتفاق.
    عندما أنهي الرئيس مبارك اتصاله الهاتفي ابتسم الرئيس عرفات، ابتسامة المحب وقال: لكن لدينا مشكلة أمنية، فالمعلومات الأكيدة لدينا هي أن الإسرائيليين يرصدون حركة طائرتنا، وعبورنا أجواء خليج العقبة يجعل من طائرتنا هدفا في متناول الصواريخ الإسرائيلية.
    كان الرئيس مبارك متحمسا لرأب الصدع الذي كان قائما في العلاقات الأردنية الفلسطينية. أجاب بهدوء خلاص تتوجه للأردن بطائرة عسكرية مصرية ولم ينتظر أي تعليق، بل أصدر تعليماته بتهيئة طائرة عسكرية للتوجه إلي مطار عمان.
    وصلنا مطار عمان في الثالثة صباحا.
    وكان الملك حسين علي رأس المستقبلين، رغم أن الزيارة كانت زيارة عمل. ولم يكن مضطرا لاستقبال الرئيس ياسر عرفات علي أرض المطار. ولكنه أراد أن يعبر عن مدي اهتمامه وترحيبه بزيارة الرئيس عرفات.
    الدكتور أسامة الباز طار معنا إلي عمان وكذلك سفير فلسطين لدي القاهرة سعيد كمال.
    كان الملك حسين ظاهر السرور، ولباسه كان غير رسمي، مما أضفي جوا من الصداقة والشعور العائلي منذ اللحظة الأولي.
    ودعا الرئيس عرفات للصعود إلي سيارته في المقعد المجاور لمقعد السائق، وتحرك سريعا نحو مقعد القيادة، وانطلق نحو قصر بسمان وتبعنا نحن ضمن الموكب غير الرسمي. بدت المسافة قصيرة جدا. فالشوارع كانت خاليه تماما،في الثالثة والنصف، دخلنا القصر الملكي
    دعينا فورا لمائدة الطعام. كان الطعام بسيطا ويناسب الصائمين. لكن الدعوة للمائدة لم تكن للأكل فقط، بل أساسا للحوار فيما يتناول الصائمون طعام السحور الملكي.
    دار حديث هاديء ومسؤول حول ما يمكن عمله في ظل الظروف الراهنة وفي ظل موقف الحكومة الإسرائيلية المتعنت والمناور بشأن مفاوضات السلام في الشرق الأوسط.
    ولا شك أن الكلام لم يعبر صراحة عما يجول في خاطر كل طرف.
    فقد كان دبلوماســــيا ونبرة الشعور بالمسؤولية والحرص كانت عالية جدا، وأدلي أسامة الباز، أكثر من مرة، بدلوه مستهدفا تركيز النقاش حول اقتراحات محددة. لكن الكلام بقي عاما وعائما.
    كان الملك حسين دمثا ومنشرحا، وكذلك كان الرئيس ياسر عرفات.
    لكن توترا غير معلن كان يطل علي المائدة طوال الوقت.
    ويبدو أن الملك حسين شعر بذلك فعمل علي توسيع دائرة المتحدثين. إذ التفت فجأة وسأل سعيد كمال عن رأيه: رغم أن سعيد فوجيء بالسؤال، أجاب بلغة دبلوماسية لم يخف علي أحد، تشابهها مع لغة أسامة الباز الدبلوماسية.
    والتفت الملك مبتسما لي وقال:
    لنسمع رأي الأخ بسام.
    أجبته مؤيدا رأي الرئيـــــس عرفـــــات، مبلورا مشكــــلة كبيرة علينا جميعـــــا أن نواجهها وهي قوي الضغط في الولايات المتحدة، واختتمت بالقــــول: في نهاية الأمر القرار سيكون أمريكيا.
    استحسن الملك حسين والرئيس عرفات الأفكار الأخيرة مما شجعني أن اقترح تعاونا مشتركا وجادا في هذا الميدان وأن ننشيء مؤسسة مشتركة للتعامل مع الأمر عبر شبكة علاقات عامة منظمة مع قوي الضغط في واشنطن.
    انتهي اللقاء دون نتائج ملموسة أو قرارات، لكن النتيجة الكبيرة كانت كسر الجليد الذي تراكم علي العلاقات الفلسطينية الأردنية، وفتح باب جديد لاستمرار الحوار وربما التعاون.
    وعدنا للقاهرة مع طلوع الفجر وتوجهنا مباشرة لتونس.




    الفلسطينيون والخميني قبل ثورته

    قبل سقوط الشاه في إيران كانت التنظيمات المناهضة للشاه تنشط داخل وخارج إيران.
    ومنذ أواخر الستينيات بدأت هذه المنظمات والفصائل الإيرانية اتصالاتها بفصائل الثورة الفلسطينية التي منحتها الدعم والحماية.
    وراح عدد كبير من المجاهدين الإيرانيين يتوافدون علي معسكرات التدريب الفلسطينية.
    لكن أغلبية المتدفقين من المجاهدين الإيرانيين المناهضين للشاه توجهت لمعسكرات فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وهكذا نمت علي مدي السنوات علاقات وثيقة بين الفصائل الفلسطينية المقاتلة والفصائل الإيرانية المناهضة للشاه.
    وبرزت من بين هذه الفصائل في منتصف السبعينيات الحركة الدينية التي قادها آية الله الخميني من منفاه الطوعي بباريس.
    وأصبح واضحا أن حركة الخميني هي حركة منظمة يلتف حولها ملايين الإيرانيين. وتسارعت وتيرة الاتصالات بين قيادات فلسطينية وآية الله الخميني سواء كان ذلك في باريس حيث مقر الخميني أو في بيروت التي كان يزورها رجال الخميني تباعا للتشاور والبحث.
    من جانب الرئيس ياسر عرفات، كان أبو حسن سلامة هو المكلف بمتابعة الحركة الإيرانية وتلبية طلباتها ومد يد المساعدة لها ومن جانب الجبهة الشعبية كان الدكتور وديع حداد القيادي الذي يتابع العلاقات مع الحركة الإيرانية ويفتح أمامها كل آفاق الدعم الممكن.
    وكان آية الله الخميني يعتز بهذه العلاقة. ورغم لزومه الصمت أمام رجال الاعلام بباريس إلا أنه منح في العام 1978 مقابلة مطولة لمجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتحدث فيها عن استراتيجيته لتغيير النظام في إيران وتأسيس نظام إسلامي يحكم بالعدل ويمنع الظلم ويرعي الفقراء ويطور إيران عبر مداخيلها الضخمة التي كانت تنهب من الشاه وحاشيته الفاسدة.
    لم يحدد الخميني موعدا لقلب نظام الشاه في إيران لكنه بدا واضحا أن الأمر بات وشيكا.
    بعد عام من تلك المقابلة التي تحدث من خلالها للشعب الفلسطيني وفي 11 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1979 توجه الخميني إلي طهران حيث استقبله ملايين الإيرانيين وحمل علي أكفهم نحو مدرسة كبيرة، كان أتباعه من أعدوها له لتكون مقرا مؤقتا.



    مجازفة في سماء ايران

    وفي بيروت ما ان وصل الخبر إلي مسامع الرئيس ياسر عرفات حتي أصدر أمره باستئجار طائرة ليتوجه علي متنها إلي طهران.
    لكن شركة الميدل ايست اللبنانية لم يكن لديها آنذاك طائرة واحدة غير مشغولة علي خط من خطوط الطيران.
    فأصدر أوامره للإعداد للتوجه إلي دمشق علي وجه السرعة.
    وبالفعل توجه موكبه الضخم لأن عددا كبيرا من القيادات والكوادر رافقه إلي دمشق. غادر بيروت عبر البقاع إلي سورية. وفي دمشق أجريت اتصالات علي عجل وتمكن مكتبه من استئجار طائرة.
    حاولت الطائرة أن تأخذ إذنا بالتحليق فوق إيران والهبوط في طهران، إلا أن طهران كما يبدو كانت قد أغلقت مجالها الجوي وأوقفت اتصال برج المراقبة بالطائرات بعد هبوط طائرة الخميني. لذلك تعذر بشكل مطلق اخذ الإذن بالتحليق والهبوط في طهران.
    محاولات الاتصال دامت عدة ساعات، كان خلالها الرئيس ياسر عرفات ينتظر في مكتبه بدمشق نتائج تلك الاتصالات (مكتب كان يطلق عليه رقم 23)، كان يهز ساقه كعادته، عندما يستغرق في التفكير أو يكون علي وشك الإقدام علي خطوة هامة أو علي مجازفة خطرة.
    وعندما أبلغه الأخوة الذين كلفوا بمتابعة الأمر، أن لا جدوي من الاتصال مع برج مراقبة مطار طهران لأنه مغلق وأن عليه أن ينتظر حتي ينتهي إغلاق المجال الجوي الإيراني.
    وساد الصمت في مكتب الرئيس ياسر عرفات والكل ينتظر الكلمة منه. فكر الرئيس ياسر عرفات واستمرت ساقه بالحركة يمنة ويسرة. وفجأة كسر الرئيس الصمت وهب واقفا وقال لنتوجه للمطار. هل جهزت الطائرة؟ سأل الكابتن عدنان طياره الخاص. فأجاب الكابتن:
    ما ان نصل المطار حتي يكون كل شيء جاهزا للإقلاع، وتوجه الموكب إلي مطار دمشق الدولي.
    وفي قاعة الشرف في المطار جري نقاش بين مدير الطيران المدني وقبطان الطائرة من جهة وبين الرئيس ومرافقيه من جهة أخري.
    كان مدير الطيران المدني متمسكا بالقوانين. إذ لا يمكن لطائرة أن تقلع من مطار دمشق إلي مطار طهران دون إذن مسبق من مطار طهران ودون إقرار خط طيرانها مع الدول التي ستعبر أجواءها.
    بعد ذلك النقاش قال الرئيس ياسر عرفات : أنا أتحمل المسؤولية لنقلع فورا.
    وبالفعل أقلعت الطائرة وبعد ساعات دخلت المجال الجوي الإيراني.
    لم تمض دقائق معدودة حتي أحاطت طائرات مقاتلة من طراز أف ـ 15 بطائرة الرئيس. وراحت تميل بأجنحتها في أشارة تعني أن المقاتلات تطلب من الطائرة الهبوط الفوري.
    وعندما أطلقت المقاتلات طلقات تحذيرية في الهواء هب الرئيس عن مقعده واقترب من النافذة التي تطل علي المقاتلات وخلع الحطة وراح يحيي بها الطياريين الإيرانيين.
    وكان المقصود أن يعرف الطيارون أن الطائرة التجارية التي اخترقت المجال الجوي الإيراني كانت تقل الرئيس ياسر عرفات. ويبدو أن الطيارين خاطبوا مركزهم الأرضي وأبلغوه المعلومات.
    وبقيت المقاتلات تحيط بالطائرة صعودا وهبوطا، ومن الجانب الأيمن والأيسر، وبعد دقائق ساد فيها التوتر والترقب حرك الطيارون أجنحة طائراتهم بما يعني الترحيب. فقد ابلغوا قيادة الثورة الإيرانية بوصول الرئيس ياسر عرفات فجأة لأجواء إيران، دون إذن مسبق، فرحبت قيادة الثورة الإيرانية بأول زعيم يصل أجواءها بعد أن سيطرت علي إيران.
    ابتسم الرئيس ياسر عرفات وراح الجميع يهيئون أنفسهم للهبوط.
    هبطت الطائرة، وسارت علي المهبط بالاتجاه الذي حدد لها. وعندما توقفت وأوقفت المحركات كان عدد من القياديين في الثورة الإيرانية قد وصلوا وراحوا يقتربون من باب الطائرة الذي فتح ليطل منه الرئيس ياسر عرفات.
    تعانق الجميع وتحرك الموكب فورا نحو المدرسة الكبيرة التي كان يقيم فيها آية الله الخميني مؤقتا.
    والحقيقة أن المدرسة علي كبرها كانت تعج بالقيادة والكوادر والعلماء.
    كان الجميع منهمكا في عمل ما. والرسل تتحرك من والي مقر الخميني لتقديم التقارير أو لتبليغ الأوامر. خلية نحل لا تتوقف.
    خصص قادة الثورة الإيرانية جناحا واسعا للرئيس ياسر عرفات والوفد المرافق له.
    ورحب المستقبلون به أحسن ترحيب، وراحو يسألونه عن أوضاع الثورة الفلسطينية والأراضي المحتلة.
    خلال الحديث احضر المضيفون للرئيس ياسر عرفات والوفد المرافق له الطعام والماء قائلين لا بد أنها كانت سفرة طويلة.
    كان الأمر أبعد من إحضار الطعام لوفد لم يأكل منذ ساعات.
    كانت تلك مشاركة العيش والملح .
    وبعد نصف ساعة حضر أحد العلماء الشباب، واسر بكلمة في أذن القيادات الإيرانية الموجودة في جناح الرئيس ياسر عرفات.
    فنهض القياديون فورا وسألوا الرئيس ياسر عرفات أن يتفضل للتوجه إلي مقر آية الله الخميني.
    أمضي الرئيس ياسر عرفات مع آية الله الخميني ساعة كاملة، تناولا فيها أوضاع الشعب الفلسطيني وكفاحه ومستقبل إيران.
    وأكد الخميني أن إيران الثورة الإسلامية لن تدخر جهدا ولا مالا ولا سلاحا من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وكفاحه العادل. وقبل الوداع قال الخميني:
    بإذن الله سينتصر الشعب الفلسطيني أيضا كما انتصر الشعب الإيراني .
    وتوجه الرئيس ياسر عرفات والوفد المرافق له للمطار، واستقلوا الطائرة عائدين إلي دمشق. وهكذا كان الرئيس ياسر عرفات أول زعيم يدخل طهران ويلتقي بآية الله الخميني بعد قيام الثورة الإسلامية ووصول الخميني لطهران.
    لقد اتخذ الرئيس ياسر عرفات قرارا بالوصول لطهران، وكان مستعدا لتذليل أي عقبة تعيق ذلك. وتحمل مسؤولية المجازفة لأنه يعلم معني وأبعاد لقائه مع آية الله الخميني في تلك اللحظة. وهكذا كان، فقد حدد آية الله الخميني موقف الثورة الإيرانية الداعم لنضال الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل، وأصبح قوله سياسة لا يمكن أن يحيد عنها أحد.
    وتنامت العلاقات ايجابا بين الثورة الاسلامية الايرانية ومنظمة التحرير الفلسطينية من ناحية أخري.
    وقامت الثورة الاسلامية في مراحلها الاولي بمد يد الدعم للثورة الفلسطينية التي كانت قد قامت بدور داعم ومساند للفصائل الايرانية المناهضة لشاه ايران قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران.
    وكانت امواج بشرية ايرانية تهتف للثورة الفلسطينية وتندد بالولايات المتحدة واسرائيل.
    وقام آلاف من الثوريين الايرانيين بمحاصرة السفارة الأمريكية في طهران التي كانت تعج بالموظفين والدبلوماسيين. واعتبر الثوريون جميع من هم داخل السفارة آنذاك معتقلين.
    وحاولت ادارة كارتر أن تفك أسر هؤلاء عبر عملية إنزال في الصحراء القريبة انتهت الي فشل ذريع. وعندها راحت جهات دولية واقليمية عديدة تحاول التوسط للإفراج عن الدبلوماسيين لكن الجهة الاكثر قربا من الثورة الايرانية آنذاك كانت الثورة الفلسطينية التي لم تتحرك بهذا الاتجاه الا عندما طلبت دول اوروبية من الرئيس ياسر عرفات أن يجس نبض هذا الموضوع.
    لكن الرئيس ياسر عرفات كان حذرا جدا عندما أرسل من يجس النبض.
    فقد كان من شأن نجاح م.ت.ف. بأن تنهي احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين آنذاك أن يرفع مكانة م.ت.ف. ودورها في الشرق الأوسط خاصة بعد أن رفض مناحيم بيغن مشاركة م.ت.ف. في مباحثات السلام التي انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.
    كان عهد الرئيس كارتر علي وشك الانتهاء. وكان الحزب الجمهوري قد قرر ترشيح رونالد ريغان لمنافسة جيمي كارتر علي الرئاسة.
    وشهدت الولايات المتحدة حملات انتخابية شعواء. فقد كان كارتر قد بني رصيدا كبيرا بنجاحه في إتمام اتفاقية كامب ديفيد وكان من الصعب علي رونالد ريغان أن يطيح به.
    وعمل كارتر جهده الجهيد عبر حلفائه الاوروبيين لطرق كل باب ممكن للافراج عن المعتقلين في سفارة الولايات المتحدة بطهران.
    فقد قدر مستشاروه في الحملة الانتخابية أن مثل هذه الخطوة سوف تقضي تماما علي فرص رونالد ريغان في الفوز رغم الدعم المالي الكبير الذي قدمته كبريات الكارتيلات (خاصة المجمع الصناعي العسكري وكارتيلات النفط) لحملته الانتخابية.
    ولذلك راحوا يعملون لتأجيل أي افراج عن المعتقلين في السفارة الامريكية بطهران قبل الانتخابات حتي لا تصبح فرص ريغان في الفوز ضئيلة.
    وكان احد اصدقاء ريغان ومن كبار من أدار حملته الانتخابية أمريكي من أصل سوري من عائلة شاهين.
    فكلفه ريغان بالعمل علي تأخير الإفراج عن المعتقلين لما بعد الانتخابات.
    وكانت قد وصلت معلومات لمدراء حملة ريغان الانتخابية ولمسؤولي الحزب الجمهوري أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المؤثرة في الوساطة للإفراج عن المعتقلين، وأنه إذا أراد ريغان أن يقنع المنظمة بتأجيل الوساطة فان عليه أن يقطع لها وعودا سياسية.
    واعتبر ريغان أن شاهين هو الأنسب بسبب جذوره العربية للقيام بهذه المهمة.
    مايك بسيسو أمريكي فلسطيني الأصل كان يعمل لدي شاهين الذي لم يكن يخاطب الرئيس ريغان إلا باسمه المختصر روني لقربه الشديد منه وعلاقته الحميمة معه. وكان يقضي عطل نهاية الاسبوع عائليا في مزرعة رونالد ريغان.
    استدعي شاهين مايك بسيسو ورسم معه خطة التحرك ومصاريف تلك الخطة وأرسله الي بيروت في مهمة استطلاعية مع منظمة التحرير الفلسطينية.
    اتصل مايك بسيسو بي ولم يفصح عبر المكالمة ما الذي يريده لكنه طلب موعدا للقائي لأمر غاية في الاهمية.
    وعندما حضر لمكتبي الكائن آنذاك في كورنيش المزرعة ببيروت الغربية أدركت أن الموضوع هام.
    فالرجل يحمل رسالة من رونالد ريغان يطلب فيها تأجيل الوساطة للافراج عن المعتقلين في سفارة الولايات المتحدة بطهران مقابل وعد بفتح ابواب البيت الأبيض لمنظمة التحرير الفلسطينية عند فوز رونالد ريغان .
    قلت له أمهلني بعض الوقت فعلي أن أتحدث بهذا الأمر مع قادة آخرين دون أن اسميهم .
    وقبل مغادرته مكتبي اتفقنا علي الاتصال مساء.
    توجهت لمكتب الرئيس أبو عمار وأبلغته بالموضوع. فنظر الي وملء نظراته علامات دهشة واستفسار، فقلت له هذا ما قاله الرجل.
    وطلب مني أن أحدد له موعدا في الواحدة بعد منتصف الليل في منزلي العائلي. أحضرت مايك بسيسو في الثانية عشرة والنصف ليلا. ورحنا ننتظر وصول الرئيس ياسر عرفات.
    عند الواحدة تماما دخل منزلي عدد من مرافقي الرئيس ياسر عرفات علي رأسهم فتحي الذي أصبح لاحقا نائب قائد القوة البحرية الفلسطينية في غزة.
    وقال لي الرئيس قادم بالمصعد. فقد قفز المرافقون الدرج قفزا وسبقوا وصول المصعد الي بيتي.
    دخل الرئيس مبتسما ومحييا، فهب مايك بسيسو يصافح ويعانق يكاد نفسه ينقطع من هيبة اللقاء.
    فطلب منه الرئيس أن يجلس وأشار للمرافقين فخرجوا من الغرفة.
    روي مايك للرئيس ما روي لي، وكان الرئيس قد أخرج من جيبه دفتر الملاحظات الأخضر الذي يدون فيه ملاحظاته الهامة فقط اثناء لقاءاته السياسية أو غيرها.
    وراح يدون ما يقوله مايك.
    وعندما انتهي مايك من الكلام نظر الرئيس ياسر عرفات له قائلا سنري .
    وتحرك الرئيس باتجاه الباب للخروج ورافقته مودعا. توقف والتفت الي وقال استفسر عن إمكانية الحصول علي رسالة رسمية بهذا المعني .
    وغادر المكان.
    سألت مايك حول هذه الإمكانية فأجاب سأستفسر ثم أجيبك.
    وافق ريغان علي إعطاء الرسالة لكنه لم يف بوعده تحت مختلف الأعذار. ولكن عندما طلبت اسرائيل ضوءا أخضر من ريغان لاجتياح جنوب لبنان عام 1982 لمسافة أربعين كيلو مترا شمالي الحدود بينها وبين لبنان، قال ريغان لشارون الذي كان وزيرا للدفاع اذا كان الموضوع حماية بلداتكم افعلوا لكن بسرعة وإذا فشلتم فعليكم التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية .
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  13. #13
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    تكفلّ بمستلزمات العديد من اولاد رؤساء قتلوا او رحلوا وكان دائما امينا علي عائلاتهم


    (12 ـ 15)


    بسام ابو شريف




    افريقيا بأسرها تستقبل مانديلا والصورة والعنوان لعناقه عرفات


    14/05/2008
    بسام ابو شريف أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب ، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي في العام 1972. واثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك. وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد.
    تلك المصافحة التاريخية قصمت عري العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت بالتحاقه بياسر عرفات كمستشار له في العام 1987. ولم تكن تلك الانتقالة هي بداية عهد الرجل بياسر عرفات، ولكنها جعلته مقرباً من الزعيم الاسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً اليه لدرجة اتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات) الصادر اخيراً عن الديمقراطي في رام الله. وقد خص المؤلف القدس العربي باعادة نشره علي صفحاتها في حلقات.
    والكتاب مقاربة علي عدة مستويات، ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق. انه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت الي مرتبة الأسطورة.. حقيقة اسطورية اسمها: ياسر عرفات!





    الإفراج عن نلسون مانديلا في 11/2/1990 كان حدثا تاريخيا ومؤثرا الي ابعد حد من الناحيتين السياسية والعاطفية المعنوية.
    فقد قضي في السجن أكثر من ربع قرن وتحول إلي رمز إفريقي عالمي لمناهضة العنصرية من أجل الحرية وحقوق الإنسان.
    عندما أبرقت وكالات الأنباء علي عجل نبأ الإفراج عنه، كنت في مكتب الرئيس بتونس (يوغورتا) أتابع العمل معه والعمل لا ينتهي ولا يتوقف في مكتب الرئيس عرفات.
    فقمت بابلاغه بالنبأ فورا. توقف عن قراءة أوراق ملفه اليومي ونظر الي قائلا:
    هذا حدث عظيم وبداية تحول استراتيجي في جنوب القارة الإفريقية، ولا شك أنه سيعكس نفسه علي الأجواء السياسية العالمية باتجاه حل المشاكل العالقة في مناطق مختلفة من العالم.
    هززت رأسي تأييدا وقلت لنفسي يجب أن نربط قضيتنا بطريقة ما بهذا الحدث، فطالما شبهنا النظام في إسرائيل بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
    غادرت مكتب الرئيس وأنا أفكر بالأمر وخطر لي أن أفضل بداية هي أن يكون الرئيس ياسر عرفات أول مهنئي نلسون مانديلا علي الخروج من السجن واستعادة حريته، وأن يؤكد لمانديلا أن كفاحه وكفاح شعبه هو جزء لا يتجزأ من كفاح الشعوب لنيل حريتها وحقوقها، وأن كفاح شعبنا من أجل الحرية والاستقلال هو كذلك أيضا.
    ولكن كيف الاتصال بنلسون مانديلا؟
    لقد خرج من السجن فكيف نعثر عليه؟
    لا شك أنه توجه فورا لمعانقة أنصاره وأبناء شعبه في سوثيو مدينة الفقراء السود. هكذا فكرت.
    توجهت علي عجل الي مكتبي (القريب من مكتب الرئيس) لأبحث عن رقم هاتف صديق في جوهانسبرغ.


    مانديلا وعرفات

    الصديق كان سكوت ماكلاود مدير مكتب مجلة التايمز في جنوب افريقيا. وكان سكوت قبل نقله الي جنوب أفريقيا، مدير مكتب مجلة التايم في الشرق الأوسط، وربطتني به علاقة صداقه متينة علي مدي الأعوام الطويلة التي قضاها متنقلا بين بلدان الشرق الأوسط. ومن أفضل من سكوت ماكلاود ليرشدني الي مكان وجود نلسون مانديلا في تلك اللحظة، فاتصلت به هاتفيا علي الفور، لحسن الحظ كان سكوت في مكتبه وبعد التحية طلبت منه أرقام هواتف يمكن أن تقودني الي نلسون مانديلا.
    فأجابني سكوت ان مانديلا توجه الي بيته في سوثيو برفقة زوجته بعد احتفال شعبي وأبلغ المراسلون أنه يريد أن يرتاح وأن ينام قليلا لأنه كان متعبا جدا. وزودني سكوت بعدة أرقام هواتف يمكن ان توصلني به ومنها هاتف مبيكي الذي أصبح رئيسا لجنوب أفريقيا بعد اعتزال مانديلا الرئاسة.
    اتصلت به وكان غاية في اللطف والانفعال العاطفي. وأعجب جدا بالفكرة، وزودني برقم هاتف منزله في سوثيو وقال لي انه يرتاح في المنزل لكنني متأكد أنهم سيوقظونه ليكلم الرئيس عرفات.
    هرعت بعدها عائدا لمكتب الرئيس، الذي انتقل من مكتبه الواسع في الطابق الأرضي من مقره في يوغورتا الي مكتبه الصغير، قرب غرفة نومه، في الطابق العلوي من المبني.
    وهو ينتقل عادة الي مكتبه الصغير هذا عندما يريد أن يختلي الي نفسه أو يختلي مع أوراق ملفه، أو تحضيرا للقاء يريده أن يكون مكتوما وخاصا.
    صعدت للطابق العلوي ودخلت مكتبه الصغير.
    كان منكبا علي ملفه ولم يتوقف عن ذلك حينما دخلت. وشرحت له الفكرة وأنني سأرتب الاتصال خلال دقائق. وكعادته، كان يتابع أوراق ملفه، ويستمع لما أقول. وعندما أنهيت شرح الفكرة نظر الي مبتسما وقال فكرة رائعة. فهبطت الدرج مرة أخري وتوجهت نحو غرفة الاتصالات وطلبت الرقم. حاولت عدة مرات لأن خط الهاتف كان مشغولا. ولكن في آخر الأمر تمكنت من الاتصال. رد علي احدهم ثم تناولت زوجة مانديلا السماعة. ورحبت بفلسطين كثيرا وقالت لي سأوقظه حالا.
    صعدت الدرج راكضا وقلت للرئيس، زوجة مانديلا ستوقظه للتحدث معك.
    وضع الرئيس قلمه جانبا وانتظر متحمسا، فيما أنا انتظر صوت مانديلا. وجاء صوته بحة خفيفة، حييته وقلت له:
    أيها البطل الرئيس ياسر عرفات سيكلمك.
    وامسك الرئيس بالسماعة ودار الحديث لدقائق، وانتشر الخبر بعد ساعة في كل أنحاء العالم.
    كان حدثا مهما أن يتصل الرئيس ياسر عرفات وهو قائد لحركة تحرر وطني، وتمكن من تحويل قضية فلسطين الي قضية عملاقة وأصبح هو عملاقا تحرريا عالميا استنادا لقضية شعبه العادلة، وان يتحدث الي عملاق آخر من عمالقة التحرر الوطني ومناضل عالمي ضد التفرقة العنصرية ولتحرير شعبه من نير النظام العنصري.
    ولطالما شبه المحللون والمؤرخون جنوب أفريقيا في ظل النظام العنصري بإسرائيل.
    هكذا تلاقي العملاقان واتفقا علي اللقاء في اقرب فرصة وكأنه يقول أحسنت فعلا.
    خرجت من مكتبه الصغير مرتاحا لنجاح الجهد وعدت لمكتبي.
    واتصلت بصديقي سكوت ماكلاود لأشكره، فكان هو الآخر سعيدا لنجاح الجهد. وابلغني أن القادة الإفريقيين سوف يجتمعون في بلد إفريقي مجاور ليستقبلوا مانديلا لتهنئته بالحرية وكسر القيود التي كبلته لأكثر من عقدين من الزمن. ووعدني بإعلامي عن المكان حال اتخاذ القرار.
    أنهيت بعض الأعمال الملحة وتوجهت لمكتب الرئيس، أبلغته بما سمعته من سكوت ماكلاود. وقلت له إن منظمة التحرير الفلسطينية عضو في منظمة الوحدة الإفريقية، واعتقد انه من الضروري ان تكون هناك عندما يستقبل القادة الأفارقة نلسون مانديلا.
    هز رأسه موافقا. وطلب من سلمان الهرفي (مسؤول افريقيا في الدائرة السياسية ) أن يتابع الموضوع، ليعرف أين ومتي سيتم اللقاء، وإبلاغ سكرتارية منظمة الوحدة الإفريقية موافقة الرئيس علي المشاركة في استقبال نلسون مانديلا.
    هبطنا في مطار لوساكا عاصمة زامبيا في 15/2/1990 حيث تجمع الرؤساء الأفارقة لاستقبال العملاق نلسون مانديلا. الجميع كان ينتظر وصول مانديلا من جنوب افريقيا.
    وضع الزامبيون منصة خشبية علي ارض المطار، قبالة المكان الذي ستقف فيه الطائرة التي تقل نلسون مانديلا، ليقف عليها رؤساء افريقيا، تحيه لمانديلا والتقاط الصور التاريخية، التي ستسجل الحدث الكبير.
    كان الجميع يعلمون أن الإفراج عن مانديلا هو المقدمة الضرورية لبداية إنهاء نظام الابارتهايد النظام العنصري في جنوب أفريقيا.
    تقدم الرئيس نحو الموقع الذي تجمع فيه الرؤساء الأفارقة (لم يتمكن الجميع من الحضور) وصافحهم ووقف معهم يتبادلون الحديث انتظارا لمانديلا.بقيت أنا علي مقربة من تجمع الرؤساء أتحدث مع عدد من الصحافيين الذين جاؤوا لتغطية الحدث. وكان بينهم صديقي سكوت ماكلاود مدير مكتب مجلة التايم الأمريكية في جنوب افريقيا.
    قال سكوت: انه حدث هام.
    أجبته الحدث الهام هو لقاء مانديلا وعرفات.
    ضحك سكوت قائلا: أنت تبالغ دائما بأهمية عرفات. إن افريقيا بأسرها مجتمعة اليوم لاستقبال مانديلا وهذا هو الحدث.
    فأجبته ضاحكا: هذا صحيح لكن العنوان سيكون مانديلا وعرفات.
    وسألني فورا: أتشارطني علي هذا؟
    قلت له بالطبع.
    وكان الشرط دعوة عشاء.
    كان الاستقبال عاطفيا جدا وعزفت الموسيقي الافريقية وقام مئات من الشابات والشبان بتقديم عروض للرقص الشعبي من مختلف أنحاء افريقيا. وكانت جميعها رقصات الفرح والاحتفال.
    غادرنا لوساكا في اليوم نفسه ولم أتمكن لذلك من حسم الشرط الذي اتفقت عليه مع صديقي سكوت ماكلاود.
    لكنه اتصل في اليوم التالي من جوهانسبرغ ليقول لي: لقد كسبت الرهان الصورة والعنوان كانا لعناق عرفات ومانديلا.


    خصلة نبيلة

    ربطت الرئيس عرفات علاقات ود واحترام مع عدد من القيادات العالمية. واكتسب ياسر عرفات مزيدا من الاحترام والتقدير بسبب إخلاصه ووفائه لأصدقائه، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعرض لها هؤلاء الأصدقاء في بعض الأوقات والظروف الصعبة هنا تعني الكثير. فقد تعرض بعضهم للاغتيال وتركت عائلاتهم دون راع.

    وبعضهم تعرض لهجمات وانقلابات وشرد.
    لكن الرئيس ياسر عرفات كان دائما وفيا لأصدقائه وأمينا علي عائلاتهم وبذل كل ما أمكنه (ضمن امكانياته) لمساعدة هذه العائلات وأصدقائه. خصلة الوفاء هذه ميزة من ميزات شخصية ياسر عرفات. وهو يشعر دائما بالمسؤولية تجاه شعبه وأصدقاء شعبه ومن وقف مع شعبه في نضاله من اجل الحرية والاستقلال.

    ورغم تساؤلات البعض عما يدفعنا لدعم هذه العائلات وهؤلاء القادة، استمر ياسر عرفات في الوفاء لأصدقائه ودعمهم، لأنه كان يعلم أن هذه خصلة نبيلة، تجعل من قضية شعبه ومنه شخصيا رمزا للتضامن من أجل الحرية والاستقلال.

    أحد عوامل تحوله الي عملاق عالمي كان التزامه بدعم الأحرار في العالم كلما تمكن من ذلك وحسب إمكانياته المتاحة.

    ذو الفقار علي بوتو صديقه قتل، وترك عائلة مشردة، حرص الذين اغتالوه علي إذلالها وحرمانها من كل الحقوق.
    وكانت ابنته بينازير طالبة في الجامعة فتكفل بكل ما يلزمها.
    أولاد لومومبا، كنيت كاوندا، وغيرهم.

    انه الفارس النبيل الذي لا يرضخ لميزان قوي جائر، ليبتعد عن أصدقائه وعائلاتهم. بل يتحدي الجميع، كروبين هود، لينصف المظلومين حسب قدراته.
    والعلاقة التي ربطت ياسر عرفات بعائلة غاندي علاقة حميمة ومثيرة ولها معان كبيرة. فقد كان معجبا جدا بالمهاتما غاندي حين كان طالبا.
    جواهر لال نهرو، كان زعيما من زعماء العالم الناهض، عالم دول عدم الانحياز، الذي أرسي أسسه وأقام صرحه عام 1960 كل من جوزيف بروس تيتو العملاق (يوغوسلافيا) واحمد سوكارنو العملاق(اندونيسيا) وجمال عبد الناصر العملاق(مصر) وجواهر لال نهرو العملاق (الهند).
    وقد غاب العمالقة جميعهم عن الحياة وبدأ بالبروز عمالقة آخرون منهم ياسر عرفات، وانديرا غاندي، وفيديل كاسترو ومانديلا.

    في ظل الصراع بين معسكري الشرق والغرب (حلف الناتو وحلف وارسو) قرر هؤلاء العمالقة الخروج من دائرة النفوذين الشرقي والغربي وان يشقوا لشعوبهم وشعوب العالم طريقا ثالثا أسموه طريق عدم الانحياز أي عدم الانحياز للشرق أو للغرب وعدم الزج بشعوبهم ومصالحهم في أتون الصراع الذي أطلق عليه فيما بعد:
    الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتيي ومن يقود من الدول التي انضوت تحت اللواء الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، والولايات المتحدة والدول التي انضوت تحت لوائها لمواجهة الدول الشيوعية التي اعتبر الغرب أنها خلف الستار الحديدي.

    مؤسسو حركة عدم الانحياز ضموا للخطة الأولي مليارا ونصف مليار من البشر ليقولوا كلمتهم في هذا الصراع. كانوا ينادون بشن المعارك ضد الفقر والتخلف ومن اجل التنمية الاقتصادية، ومحو الفقر، ورفع مستوي التعليم ومحاربة الأمراض، والسلام العالمي.

    كان لقاء القمة في باندونغ (اندونيسيا) ولقاء القمة بريوني حدثين ضخا زخما لا حدود له لهذه الحركة الجديدة، فراحت الدول المستقلة حديثا والمتعثرة اقتصاديا، تنضم تباعا لهذه الحركة النبيلة.
    توفي جواهر لال نهرو في الرابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1964. وبدأت حقبه جديدة في الهند: حقبة انديرا غاندي، التي قادت بشجاعة الأمة الهندية من الفقر المدقع الي إنشاء الصناعة وتطويرها والي تبوء الأمة الهندية دورها في السياسة العالمية: دور يوازي ثقل هذه الأمة عددا وثروة وامكانات.


    انديرا غاندي

    معظم ما كتبه جواهر لال نهرو في السجن أو خارجه كان موجها لانديرا غاندي.
    انديرا غاندي كانت ابنة نهرو.
    وكان نهرو مهتما طوال الوقت بتثقيف ابنته وتوعيتها، منذ نعومة أظافرها، حول مباديء سامية: الحرية، الاستقلال، حق تقرير المصير، حقوق الإنسان، التنمية الاقتصادية.
    وكان هو قد درس في كلية هارو الشهيرة (انكلترا) وتخرج من جامعة كمبريدج (انكلترا) قبل أن يعود للهند وينتخب رئيسا لحزب المؤتمر ويصبح أول رئيس وزراء للهند عام 1947، بعد استقلالها.

    مؤلفات نهرو جميعها كانت مهداة لابنته انديرا، التي خلفته في رئاسة الحكومة بعد أن انتخبت رئيسة لحزب المؤتمر ولكتلة المؤتمر البرلمانية في العام 1964.

    رفضت انديرا أن تستلم رئاسة الحكومة عام 1964 بعد وفاة والدها.
    فقد شعرت بفراغ كبير وإحباط شديد بعد وفاة نهرو الذي أنزل بالأمة الهندية حزنا قاتلا وخيمت علي الهند موجة من الحزن لم يسبقها سوي تلك الغيمة من الحزن التي خيمت علي الهند عندما توفي المهاتما غاندي.
    فقدت زوجها فيروز غاندي، الذي توفي شابا وفقدت والدها وأصبحت وحيدة مع ولديها.

    رفضت في البداية كما قلنا تولي المسؤولية السياسية لكنها عادت وقبلت في العام 1966. ومنذ تلك اللحظة ظهرت شخصية انديرا غاندي وبرزت عندها كل المواصفات والقدرات التي زرعها ونماها والدها نهرو. وأصبحت أول امرأة تقود امة بأكملها وتحولت في شتي أنحاء العالم رمزا للنساء المكافحات من اجل حقوق ومساواة المرأة بالرجل.

    وفي العام 1971 انتصرت في الانتخابات انتصارا كاسحا وأقصيت لاحقا تحت تأثير اتهامات بالفساد. لكنها خاضت معارك قضائية وعادت للحكم عام 1977.
    وأجرت انتخابات في العام 1980 لتفوز فيها فوزا منقطع النظير وكرست بذلك قيادتها للهند تكريسا ديمقراطيا قويا.

    وراح أعداؤها يخططون للتخلص منها وتحطيمها فاغتالوا ابنها الأكبر بتفجير طائرته الصغيرة التي كان يقودها في أجواء نيودلهي.
    ثم اغتالوها هي عندما أطلق النار عليها حرسها الخاص (من الهندوس)***.

    وكانت قبل اغتيالها بأيام قد جمعت عائلتها راجيف ابنها الثاني وزوجته وأطفاله وأعلمتهم أنها تخشي من المؤامرات التي تحاك ضدها وأوصتهم بالانتباه وحذرت أحفادها من اللعب خارج أسوار المنزل. ثم أملت عليهم تفاصيل الجنازة التي تريدها لنفسها في حال اغتيالها.

    وكنت انا قد نبهتها ونحن خارجان من مكتبها في نيودلهي في العام 1984 من خطورة التحرك وحدها ودون حماية عسكرية. عندها نظرت الي وقالت انا لا اخشي الموت. لقد انتخبني الشعب بأغلبية كبيرة وهذا يعطيني ثقة بالنفس لا حدود لها.

    امرأة عظيمة المواهب وتملك طاقة لا حدود لها. درست في جامعة الشاعر والفيلسوف الهندي الكبير طاغور واكملت تعليمها في جامعة أكسفورد بانكلترا. وقادت الهند نحو مستقبل أفضل وأدخلت الهند نادي التصنيع والحاسوب.

    تلك هي المرأة التي أعجب بها الملايين وأعجب بها ياسر عرفات وأعجبت هي بياسر عرفات.

    منذ السبعينيات ربطت ياسر عرفات بأنديرا غاندي علاقة متينة صلبة علي أسس سياسية واضحة: الحرية والتطور والنمو للشعوب.
    ونمت العلاقة لتصبح حميمة علي صعيد شخصي وعائلي.
    فقد وجد الاثنان، كل منهما في الآخر، الجانب الذي يفقده. رأت فيه الرجل المكافح بشرف وصلابة من اجل حرية شعبه، كما كان والدها، ورأت فيه القائد الذي تتمني أن يصبح علي شاكلته ابنها، ورأي فيها الحكمة والصلابة والقوة والاستقلال وكرامة امة بأكملها.
    الحميمية في العلاقة كانت لا تخفي علي أحد، عند السلام واثناء الحديث وأثناء الطعام.

    وكان ياسر عرفات أحد القلائل من بين أصدقائها، الذي أدخلته عرينها. وأصبح ياسر عرفات يعامل وكأنه أحد أفراد أسرتها.
    كان عرينها ممنوعا علي الكثيرين فقد كانت تخشي علي أحفادها وعلي ابنها، تحميهم وتعمل جاهدة لينهلوا من العلم والحكمة ما نهلت منه هي، وكان ياسر عرفات مصدرا من مصادر المعرفة والحكمة.
    وأصبح يلقب داخل البيت من قبل أبنائها وأحفادها العم .

    وأصبحت انديرا غاندي بالنسبة لعرفات، مصدرا من مصادر الحكمة والنصح، ومناقشة التطورات وبلورة المواقف والقرارات، وكذلك هو بالنسبة لها. وظهر ذلك جليا في مجموعة دول عدم الانحياز وفي ألازمات التي واجهتها انديرا غاندي وواجهها هو.
    فقد واجهت انديرا غاندي عواصف خطيرة مع الباكستان وفي كشمير وبنغلادش وسريلانكا.

    وواجه هو عواصف وأزمات في الأردن ولبنان وبالطبع مع الإسرائيليين.
    اغتيالها أصابه في الصميم ولم أره حزينا كما رأيته عندما تلقي الخبر.
    ومنذ جنازتها ظل يقوم بزيارة قبرها ليروي الشجرة التي زرعها أمام ذلك القبر وينحني بإجلال ويقف مفكرا، متذكرا أمامها لدقائق عدة.


    ألذ طعام في حياتي

    غياب انديرا الأليم، عمق العلاقة الحميمة مع عائلتها. فالعم ياسر عرفات تحول إلي القريب الوحيد لهم. فهو صديق والدة راجيف، وجدة الأحفاد (أولاد راجيف).
    واستمر الجميع ينادونه العم. حتي راجيف، كان يناديه العم عندما يكون معه في جلسة خاصة.

    وعندما أصبح راجيف رئيسا للوزراء، ازدادت زيارات ياسر عرفات للهند ووثق العلاقة بينهما وبين الفلسطينيين.
    كان يعلم أن راجيف يشعر بالوحدة القاسية بعد رحيل أمه، وأخيه، ومن قبلهم رحيل أبيه وجده.

    كان يشعر بأنه أصبح وحيدا في مواجهة أعاصير الهند وتناقضاتها الداخلية المعقدة. ولا شك أن الحديث مع ياسر عرفات، الذي وضعت أمه انديرا ثقتها فيه، أعطاه المزيد من الثقة بالنفس وبث فيه روح الشجاعة لمواجهة عواصف الهند، وللسير بخطي ثابتة في السياسة الخارجية لدولة كبيرة كالهند.
    أثناء أحدي زياراته لراجيف والهند أقيم احتفال كبير لإلقاء الكلمات قبل أن يضع ياسر عرفات حجر الأساس لقاعة جامعية كبيرة تبرع بها ياسر عرفات باسم الشعب الفلسطيني للجيل الهندي الجامعي.

    وكانت الهند تمر آنذاك بموسم زراعي سيئ فقد أتي الجفاف علي المزروعات.
    وراح الخطباء الواحد تلو الآخر يلقون الكلمات ويؤكدون علي التلاحم بين الشعبين الهندي والفلسطيني.

    وعندما جاء دور الرئيس ياسر عرفات انهال المطر الغزير من غيوم كانت ملبده لأيام دون أن تفك أسر المطر. وتتابع المطر الغزير... غزير جدا لدرجة أن السرادق المقام في العراء أمام موقع القاعة لم يصمد أمام المطر الغزير.
    وتعالت الهتافات وتعالي الشكر وردد الحضور اسم ياسر عرفات.
    وعلي مائدة العشاء في تلك الليلة، تبودلت كلمات الترحيب والتحية كما هي العادة، فبدأ راجيف كلمته بالقول: ان ياسر عرفات خير وبركة علي الهند والهنود، فقد جلب لنا المطر والخير، وهو عزيز علي الهنود وعزيز بعمق علي قلوب عائلتي وقلبي أنا.
    احتفال العائلة بعيد ميلاد راجيف كان دائما احتفالا عائليا محصورا بأقرب الأقارب والمقربين.

    ورافقت الرئيس، مرة، لحفل ميلاد راجيف في بيت العائلة.
    كانت تلك هي المرة الأولي التي ادخل فيها بيت العائلة. فقد كنا دائما ضيوفا ننزل في قصر الضيافة الرسمي وتقام كل النشاطات في ذلك القصر. تلك الزيارة كانت خارقة للعادي. والعادي كان دائما ارفع مستوي من الاستقبال.
    كسر الهنود، المعروفون بحرصهم علي الحفاظ علي التقاليد والبروتوكول في تلك الزيارة التقاليد والبروتوكول.
    فاستقبال كبار الضيوف (الرؤساء والملوك) يتم في باحة القصر الجمهوري وليس علي ارض المطار وإذا بهم قد اعدوا له استقبالا رسميا علي ارض المطار وفي باحة القصر الجمهوري. كان ذلك مؤثرا للغاية.

    بعد أن سار موكبنا من المطار إلي القصر الجمهوري، استقبل الخيالة ممتطين أحصنتهم، بلباسهم الأحمر والذهبي الرائع، استقبلوا الرئيس وأحاطوا بالسيارة التي تقله من الجانبين وقادوها بنسق جميل نحو مدخل القصر، حيث اصطف حرس الشرف والفرقة الموسيقية فعزفت الفرقة السلامين الوطنيين الفلسطيني والهندي، واستعرض الرئيس يرافقه رئيس الهند حرس الشرف ودخلنا للقصر.
    كان ذلك جميلا وأنيقا ومؤثرا.
    وهمس في أذني أحد الوزراء الهنود الملكة اليزابث لم تحظ بذلك .

    جلس راجيف إلي جانب الرئيس عرفات في إحدي قاعات الاستقبال الملحقة بجناح الرئيس، وتحدثا قليلا وتم إطلاع الرئيس علي الخطوط العريضة لبرنامج الزيارة والمباحثات.
    ثم استأذن راجيف للذهاب إلي مكتبه، ووجه الدعوة للرئيس لحضور عيد ميلاده بصوت شابه الهمس.

    لم يكن برنامج الوفد يشير إلي أي نشاط في الليلة الأولي من الزيارة. لكن الرئيس طلب مني أن أحضر نفسي لمرافقته إلي بيت العائلة لحضور عيد ميلاد راجيف. ففعلت.
    ما ان دخلنا المنزل، حتي اندفع أطفال راجيف، وهم يصرخون ويضحكون، نحو ياسر عرفات مرددين العم. العم
    عانقهم وعانقوه، فيما راجيف وزوجته سونيا يبتسمان بسعادة حقيقية وقلبهما مفعم بالفرح.

    عانقت سونيا وراجيف ياسر عرفات وشكراه بكل تهذيب علي مجيئه.
    كان احتفالا بسيطا لكنني أقول إن ألذ أكل ذقته في حياتي كان ذلك الأكل (الهندي بالطبع) الذي تناولناه علي مائدة سونيا وراجيف في بيتهما العائلي.


    دمعتان خجلتان

    كانت الجلسة دافئة للغاية ودار حديث ذو شجون، وتناول العديد من المواضيع، وانتقل المتحدثون من وضع الهند الداخلي، للسياسة الخارجية، لوضع الشعب الفلسطيني والأمم المتحدة.
    كانت جلسة تفكير بصوت مرتفع وكان راجيف يستمع بكل انتباه وكأنه يريد ألا يفوته حرف مما يقوله ياسر عرفات.

    وتجلت حكمة ياسر عرفات تلك الليلة، وظهرت مميزات شخصيته السياسية الملمة بقواعد الصراع العالمي والإقليمي، وبتكتيكات الصراعات المحلية.
    كانت الجلسة أشبه بمجلس عائلي. وربما خطرت فكرة في ذهن راجيف تلك الليلة. ربما تذكر جلسات العائلة السياسية مع انديرا غاندي التي رحلت وتركته وحده بعد أن رحل أخوه أيضا ووالده من قبل( (والده فيروز غاندي كان صحافيا وملما إلماما واسعا بالسياسة والصراعات الدولية والإقليمية).
    كانت جلسة دافئة ورائعة، غادرنا بعدها بيت عائلة غاندي نحو مقرنا الرسمي في القصر الجمهوري.

    وقبل مغادرتنا الهند قام الرئيس عرفات يرافقه كافة أعضاء الوفد بزيارة قبر المرأة العظيمة انديرا.
    (القبر كان رمزيا بطبيعة الحال، فقد نثر رماد جسدها فوق النهر من طائرة صغيرة).

    روي ياسر عرفات الشجرة التي زرعها أمام قبرها، وأحني رأسه دقائق (ولا شك انه كان يراها في تلك اللحظات).
    ثم رفع رأسه وبدأ بالتحرك.

    نظرت إلي وجهه ولمحت دمعتين خجلتين في مآقيه.
    غادرنا الهند بعد أن تكللت الزيارة بنجاح كان متوقعا ووقعت فلسطين والهند عدة اتفاقيات تعاون في ميادين مختلفة.
    صعق خبر اغتيال راجيف الرئيس صعقا. كان الخبر صاعقا لدرجة انه لم يصدق. لكنه كان حقيقة.
    انه قدر هذه العائلة لقد تحملت هذه العائلة مسؤولية تاريخية في بلد مليء بالتناقضات، وهم يدفعون الثمن.

    ونكبت عائلة غاندي مرة أخري. أعداؤهم أعداء الهند اغتالوا راجيف ليجتثوا عائلة غاندي من جذورها. فوجود رجال أو نساء من هذه العائلة كان يحطم فرص هؤلاء في الفوز بالانتخابات وحكم البلاد. فعائلة غاندي العريقة في الثقافة والأخلاق والعلم كانت تحظي بتأييد شعبي واسع خاصة بين الفقراء وما أكثرهم في الهند.

    فشعرت سونيا أنها أصبحت بلا حماية ولا مستقبل وأن أولادها الآن في خطر.
    وتذكرت ليلة جاءت انديرا غاندي لتقول لهم انها تشعر أن حياتها مهددة. وكيف أعطتهم تفاصيل جنازتها كما تريدها أن تكون. تذكرت كيف نبهت أحفادها ألا يلعبوا خارج أسوار المنزل.

    كانت انديرا تتوقع أن يغتالوا أحفادها أيضا. وبطبيعة الحال ابنها راجيف، رغم أنها لم تقل له هذا. لكنها كانت ذكية فركزت الاهتمام علي أولاده ليفهم أنهم جميعا مستهدفون.

    سونيا، عاشت جوا أليما منذ أن تزوجت راجيف وسكنت معه الهند.
    فقد كان أعداء حزب المؤتمر وأعداء بيت غاندي يشهرون دائما سيف العنصرية، بالتركيز علي أن سونيا ايطالية وليست هندية. والهدف كان تجريد أبناء راجيف من الصبغة الهندية الخالصة لحرمانهم من أي مستقبل سياسي، وزاد رعبها الآن وقد اغتالوا راجيف ويهاجمونها لأنها ايطالية الأصل، سيحاولون اغتيال أولادها.

    فحملتهم بعد انتهاء فترة الحداد وغادرت الهند رغم معارضة قادة حزب المؤتمر، الذين أرادوا لها أن تقود الحزب بعد اغتيال راجيف.
    أرادت سونيا ان تخلو لنفسها وان تفكر. فقد سيطر رعب احتمال اغتيال أولادها عليها: فحضنتهم وغادرت لتفكر بذهن صاف.




    سونيا تلجأ لـ العم

    في خضم تلك التدافعات الذهنية والعاطفية برز أمام عينيها العم .
    سعدت جدا، فقد وجدت امامها أبا وعما وصديقا وحكيما فشدت الرحال لتقابله ولتأخذ النصيحة منه. واثناء رحلتها، لامت نفسها لأنها لم تفكر باللجوء اليه للنصيحة والرأي.

    لا يمكن أن تصف الانعكاسات العاطفية علي وجه ياسر عرفات عندما زارته سونيا. كانت مزيجا من عاطفة نبيلة. الحزن علي من رحل، القلق علي من بقي منهم قيد الحياة، الرغبة ببسط جناحيه لحمايتهم، الرغبة في الانتقام من قتلهم والحنان، كلها في اطار من الشعور بالثقة والرغبة في السير للإمام لمواجهة كل الإخطار مهما كانت.

    فبدا قويا صامدا متماسكا ليبث ذلك في سونيا. لقد كان يعلم تمام العلم ما تشعر به وما تخشي منه، ومدي التردد الذي تعيشه.
    بكت سونيا دموعا خجلة حارة دون أن تتكلم. كانت دموعها كلاما بليغا. لخص كل ما أرادت أن تقول.

    ابتسم ياسر عرفات مشجعا وقال: آل غاندي شجعان ولدوا ليواجهوا الصعاب ويتحملوا المسؤولية. وأنت سونيا غاندي عليك ان تتماسكي فأنت تحملين الراية الآن. وتصرفك سوف يكون مرشدا للأولاد. شرحت سونيا للرئيس وجهة نظر قيادة حزب المؤتمر وفسرت له مخاوفها ولم تتردد في ذكر ما يستخدمه أعداء حزب المؤتمر ضد الحزب وضدها أي أصولها الإيطالية.

    أصغي الرئيس بكل اهتمام لكل كلمة قالتها. فقد كانت صادقة ولا تطمح لمنصب وتريد أن تحمي أولادها. وعندما انتهي الكلام قال الرئيس لها يا ابنتي يا سونيا لا يمكن لإنسان أن يهرب من قدره لقد تزوجت راجيف غاندي وأصبحت أم أولاده. وعائلة غاندي لم تهرب من قدرها أبدا بل خططت وعلمت وربت أولادها للتجاوب مع هذا القدر.

    وعائلة غاندي قادت الهند وتحملت المسؤولية ودفعت ثمنا باهظا لذلك. انها عائلة متميزة ارتبطت بتاريخ الهند النضالي وارتبط تاريخ الهند النضالي بها.
    هذا قدرك لا تهربي منه كوني شجاعة كجدة الأولاد انديرا.

    أنت تتحدثين عن الأولاد. اهتمي بتربيتهم وتعليمهم وستصبحين رئيسة وزراء الهند يوما ما. شئت أم أبيت وعندها يجب ألا تعرقل خطواتك إيه اتهامات أو هجمات أو استغلال حول أصولك الإيطالية.

    أنت الآن زعيمة بيت غاندي فلا تترددي لحظة واحسمي أمرك.
    واعلمي أن لك أصدقاء وسأكون دائما وأبدا جاهزا للمساعدة قدر المستطاع.
    هزت رأسها كأنها تقول سألتزم بما تقول أيها العم .
    وهكذا كان.
    وانتخبت رئيسة لوزراء الهند في شهر ايار (مايو) من العام 2004.
    ياسر عرفات محاصر في مكتبه مطوق بقوات الاحتلال يبتسم فرحا لنجاح سونيا، ويتصل بها مهنئا بالانتصار الكاسح، وثقة الشعب الهندي وحزب المؤتمر والأحزاب المؤتلفة معه بها.
    الرئيس عرفات، سعي ويسعي باستمرار لحشد مزيد من التأييد العالمي للقضية الفلسطينية ورفعة شأنها. والمعادلة كانت واضحة له:
    القضية الفلسطينية قضية عادلة ومسلحة بقرارات دولية عديدة لكن العالم الذي ينشعل بمشاكله أغمض العين وسد الأذن ولم يحرك ساكنا في وجه ما فعلته وتفعله إسرائيل.
    وكان عليه كقائد أن يخلق واقعا جديدا علي أرض فلسطين (القتال والنضال) وان يحشد الدعم العربي والعالمي لحقوق هذا الشعب.
    وفي قرارة نفسه كان يدرك أن هذه القضية العملاقة وهذا الشعب المكافح العملاق سوف يرفع من شأنه كلما رفع هو بجهده وحركته واتصالاته من شأن الشعب والقضية. فالترابط كان جدليا في ذهنه وفي قرارة نفسه.
    فقد بذل الشعب الفلسطيني علي مدي عقود تضحيات كبيرة بالدم والمال والأرض، ولابد لقيوده من إن تنكسر ولا بد أن ينال حريته واستقلاله.
    والمعادلة الراسخة هذه جعلت من ياسر عرفات فلسطين ومن فلسطين ياسر عرفات في قلبه وقرارة نفسه.
    والهند كانت مكسبا كبيرا للشعب الفلسطيني عندما وقفت دون تردد إلي جانب الحق الفلسطيني.
    وخاض ياسر عرفات المعترك السياسي في تلك المنطقة من آسيا.
    فحشد تأييد المتعارضين للحقوق الفلسطينية.
    الصين وباكستان والهند وسيريلانكا وبنغلادش.
    وكم من تناقضات وتعارضات بين هذه الدول لكنها أجمعت علي تأييد الحق الفلسطيني.
    لكن سونيا غاندي،آثرت عدم القبول، قبول مسؤولية الهند كرئيسة للوزراء. وفضلت أن تعين نموهان سنغ رئيسا للوزراء حرصا علي نجاح حزب المؤتمر في إدارة دفة الحكم، بدل الخوض في معارك جانبية حول أصولها الإيطالية.
    لكني علي يقين أن سونيا غاندي رئيسة حزب المؤتمر ورئيسة كتلته البرلمانية تقوم بتحضير أولادها لتبوء مركز الصدارة في الحياة السياسية الهندية.




    *** ملاحظة : لم يكن من الهندوس .. ذلك الذي اغتال أنديرا:
    جريمة اغتيال أنديرا غاندي عندما طالب حزب أكالي دال السيخى بمنح الحكم الذاتي لإقليم البنجاب في ثمانينات القرن الماضي
    حاولت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي إضعاف شعبية حزب أكالي دال في الإقليم بتشجيع المنافس الرئيسي له وسط السيخ وهو الواعظ الأصولي السيخى سنج بندرانوال.
    وسرعان ما أنفلت بندرانوال من سيطرة أنديرا غاندي عندما بدأ أنصاره في شن هجمات إرهابية ضد الهندوس في البنجاب.. واضطر الجيش الهندي إلى اقتحام المعبد الذهبي في 5 يونيو 1984 وتم قتل ألف شخص من السيخ من ضمنهم زعيمهم بندرانوال. وكانت إحدى نتائج هذه الأحداث اغتيال رئيسة الوزراء أنديرا غاندي في 31 أكتوبر 1984 بواسطة أحد أفراد حرسها الخاص الذي ينتمي إلى طائفة السيخ


    أسامة الكباريتي
    التعديل الأخير تم بواسطة أسامة الكباريتي ; 14-May-2008 الساعة 06:04 AM
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  14. #14
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    تعديلات عشية انعقاد مؤتمر مدريد في كلمة الوفد الفلسطيني لتأكيد قيادة منظمة التحرير

    ( 13 ـ 15 )


    بسام ابو شريف

    15/05/2008

    عرفات يحذر من الغزو العراقي والشيخ سعد يحوّل مجري الحديث


    ما أن انتهت الحرب الإيرانية العراقية، بعد إعلان آية الله الخميني الاستسلام ووقف الحرب، حتي بدأت المشاحنات السياسية بين العراق والكويت. فقد طالب العراق بدفع قيمة النفط الذي استخرجته الكويت من حقل عراقي (أو حقل مختلف عليه).
    وكان العراق قد رصد الكميات التي استخرجتها الكويت من ذلك الحقل. لكن الكويت رفضت دفع الأموال التي يطالب بها العراق. وحاول العراق استخدام الضغط السعودي والخليجي لحل هذه المشكلة.
    لكن كافة الجهود فشلت وكان اخرها (قبل أن يغزو العراق الكويت)، المؤتمر الذي عقد في جدة بتاريخ 31 تموز/ يوليو 1990 وحضره ولي العهد الكويتي رئيس الوزراء الشيخ سعد الجابر.
    واستدعي الرئيس صدام حسين سفيرة الولايات المتحدة لدي العراق غلاسبي وبين لها طبيعة الخلاف العراقي ـ الكويتي، وطلب منها أن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لحل الخلاف، لأن عدم حله قد يعني مزيدا من المشاكل التي قد تتفاقم الي حد الصدام العسكري.
    ونقلت غلاسبي علي الفور الرسالة لواشنطن، التي طلبت منها أبلاغ الرئيس صدام حسين، أن السياسة الأمريكية في الخليج هي سياسة عدم التدخل في الخلافات القائمة بين دوله.
    ووقعت القيادة العراقية في الفخ الذي نصبته لها واشنطن. فقد اعتبرت القيادة العراقية جواب واشنطن، ضوءا أخضر للتصرف حيال الازمة مع الكويت وأنها لن تتدخل في هذا الشأن.
    وكان للقيادة العراقية أسبابها لتصديق واشنطن. فقد دعمت واشنطن بغداد بشكل مباشر وغير مباشر أثناء حرب الخليج مع إيران، مما جعل القيادة العراقية تقتنع بأن واشنطن اعتمدت بغداد قوة إقليمية في المنطقة. ولم تنتبه القيادة العراقية الي المخطط الذي استهدف إضعاف إيران أولا، والعراق ثانيا. وان عين واشنطن لا تري في المنطقة سوي الهيمنة علي منابع النفط خدمة لمصالحها الاستراتيجية. فبدأت بغداد تعد العدة وتهييء لغزو الكويت في حال إصرار الكويت علي عدم دفع عائدات النفط الذي استخرجته إبان الحرب بين إيران والعراق.




    الكويت ضد وساطة عرفات


    الرئيس ياسر عرفات كان يتابع ما يدور بحذر شديد. فقد كان يدري حجم الانعكاسات السلبية علي المنطقة (وعلي قضية فلسطين بشكل خاص)، التي ستنجم عن استخدام الحل العسكري، لفض خلاف نفطي.
    وعندما شعر عرفات بأن الخلاف أصبح ساخنا جدا، قرر أن يرمي بثقله وثقل فلسطين لمنع نشوب حرب بين العراق والكويت.
    فقد كان الضغط السياسي لإيجاد حل سياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد بلغ أوجه، إذ بدا واضحا للعالم أن الحكومة الإسرائيلية تماطل ولا تريد إيجاد حل سياسي، رغم المبادرة التي أطلقها الفلسطينيون لإيجاد حل يستند لقرارات الشرعية الدولية.
    وكان جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا قد أعلم الإدارة بالموقف الإسرائيلي، ولم يتردد في أحيان كثيرة من التلميح والتصريح تعليقا علي مواقف الحكومة الإسرائيلية السلبية.
    وكان من الضروري المحافظة علي الزخم والضغط الدوليين. وهذا لن يكون ممكنا في حال نشوب حرب بين العراق والكويت. اذ ستصبح هذه الحرب شغل العالم الشاغل وسيتلاشي زخم الضغط الدولي علي إسرائيل.
    قرر الرئيس عرفات ان يتحرك بسرعة في رحلات دبلوماسية مكوكية بين بغداد والكويت، في محاولة لنزع فتيل الحرب. فطلب لقاء عاجلا مع الرئيس صدام حسين. فاستقبله في الليلة ذاتها.
    ودار بينهما حديث جاد، وحاول الرئيس عرفات ان يبين للرئيس صدام حسين مخاطر الحل العسكري.
    وطلب منه منحه فرصة ليحاول إيجاد حل أو آلية حل لهذه المشكلة.
    واختتم صدام حسين قوله لعرفات:
    قل لهم نحن طلاب حق ولا نريد سفك دماء عربية. نريد حقوقنا لا أكثر ولا أقل. وإذا رفضوا فعليهم أن يعلموا أن الكويت تصبح في قبضتنا في أقل من ساعتين .
    توجهنا للمطار وطرنا نحو الكويت.
    وصلناها فجرا.
    توجهنا الي قصر الضيافة لنأخذ قسطا من الراحة، وانتظارا للموعد الذي حدد للرئيس عرفات لمقابلة أمير الكويت.
    خلال ذلك كنا نتابع التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية.
    وما ان حان الموعد، خرج الرئيس عرفات من غرفته وتوجهنا في موكب لقصر أمير الكويت.
    كان قد سبق لي أن زرت الكويت مرات عديدة والتقيت بالمسؤولين مرات عديدة، لكنني لمست هذه المرة أن توترا ما كان يسود الأجواء. كان إحساسا سرعان ما تأكد من مجريات الحديث القصير الذي دار بين الرئيس عرفات وأمير دولة الكويت.
    لاحظت بسرعة أن وزير خارجية الكويت لم يكن موجودا، خلافا للعادة. وربما كان هذا سبب بداية الإحساس لدي، بأن الجو متوتر.
    تماما كما بذل الجهد مع الرئيس صدام حسين، لمنع الاحتكاك العسكري، بذل الجهد مع أمير الكويت لإقناعه بتشكيل لجنة لإيجاد حل أخوي للمشكلة.
    بقيت صامتا طوال الوقت، لكنني كنت أراقب بدقة خلجات الوجوه، وأصغي لكل كلمة تقال.
    وسرعان ما توصلت للخلاصة:
    الكويتيون لا يريدون تسوية المشكلة سياسيا، لأنهم يعتقدون أنهم علي حق وان العراق يحاول ابتزازهم. كما خرجت بخلاصة، أن الأمير لا يريد من الرئيس عرفات أن يتدخل.
    انتهي الاجتماع بعد نصف ساعة. وغادرنا الديوان الأميري لنتوجه لديوان رئيس الوزراء، ولي العهد الشيخ سعد الجابر، الذي كانت تربطه بالرئيس عرفات علاقة حميمة منذ أن كان عرفات يعمل في الكويت كمهندس بعد تخرجه من جامعة القاهرة.
    كان حديث الرئيس عرفات واضحا ومباشرا. لكن بدا واضحا أن القرار الكويتي كان واضحا أيضا.
    وتحدث الشيخ سعد، حول آخر محاولة لإيجاد حل في المؤتمر الذي دعت لعقده السعودية في مدينة جدة.
    وعندما حذر الرئيس عرفات من انعكاسات نشوب حرب بين العراق والكويت، أجابه الشيخ سعد، الخبراء يقولون إن العراق لن يتمكن من غزو الكويت إلا بعد مرور أربعة أيام. وستتدخل خلال الأيام الأربعة قوي أخري للدفاع عن الكويت.
    أجابه الرئيس، الخبراء مخطئون، ولكن منع الحرب هو الأساس.
    حوّل الشيخ سعد الجابر الحديث للاستفسا عن الانتفاضة وأحوال الشعب الفلسطيني وكأنه يقول:
    انتهي حديثنا عن العراق.
    وخرجت مكتئبا.
    فالحرب واقعة لا محالة.
    جاء أخي الدكتور أسامة ليودعني وسألني بقلق: ماذا سيحصل؟
    فأجبته باختصار ستقع الحرب.
    فاكفهر وجهه ككل فلسطيني يعمل في الكويت.
    وتوجهنا الي تونس.
    ووقع المحظور وغزا العراق الكويت في 2 آب (اغسطس) 1990.




    القاهرة تعبّد طريق الحرب


    وارتكبت أعمال بعيدة كل البعد عن الأخلاق العربية، ويندي لها الجبين ومنذ تلك الخطوة تفاقمت الخلافات في العالم العربي، مما مكن أعداء الأمة العربية من استغلال تلك الظروف للهيمنة علي المنطقة ونفطها وثرواتها وموقعها الاستراتيجي.
    وهذا ما كان يخشاه الرئيس ياسر عرفات، ولمنعه بذل كل الجهد لإبعاد الحرب والتوصل لحلول سياسية تبقي الحد الأدني من وحدة الموقف العربي.
    ولم يكل ولم يتعب، بل راح يحاول إيجاد حل سياسي، حتي بعد غزو العراق للكويت. ذلك أن الولايات المتحدة بدأت بحشد القوات والاستعداد لشن حرب علي العراق تحت عنوان تحرير الكويت، لكنها في الحقيقة تستهدف العراق وثرواته النفطية.
    وراح الرئيس عرفات يعمل ويتصل ويتنقل من عاصمة عربية لأخري دون كلل في سباق مع الزمن لمنع نزول قوات أجنبية علي الأرض العربية لشن حرب علي العراق. وذلك بالبحث المعمق في ورقة عمل لحل سياسي للمشكلة يبدأ بانسحاب القوات العراقية فورا من الكويت.


    كانت السعودية مترددة ترددا كبيرا في اللجوء للحل العسكري وبقيت تمانع نزول قوات أمريكية علي أراضيها واستخدام مطاراتها من قبل الأسطول الجوي الأمريكي.
    وبذلت الولايات المتحدة كل ما في جعبتها من وسائل لإقناع السعودية لدرجة أن ديك تشيني (وزير الدفاع الأمريكي آنذاك) أمر بالتلاعب بصور ملتقطة من الأقمار الصناعية، تظهر أن دبابات العراقيين تتجه نحو السعودية.
    وزعم أن هنالك خططا عراقية للزحف علي السعودية للوصول للبحر الأحمر.
    وفي آخر زيارة للرئيس عرفات للسعودية في محاولة لإقناعها بالحل السياسي، أوقفت طائرة الرئيس عرفات علي المدرج لنصف ساعة تقريبا، لتتمكن طائرة تشيني من الوصول لقاعة التشريفات قبل وصول عرفات لها. فقد كانت الولايات المتحدة تسابق الزمن أيضا.
    كانت تريد شن الحرب علي العراق لأهدافها الخاصة (الهيمنة علي النفط)، ولذلك عملت لإفشال كافة الجهود العربية لإيجاد حل سياسي، خاصة الحل الذي كان يدعو له ويعمل له ياسر عرفات.


    واستخدم ياسر عرفات كافة القنوات المتاحة له. سواء كانت قنوات مباشرة أو غير مباشرة.
    فقام برحلات مكوكية لإقناع القادة العرب، كما قام بجولات سريعة في أفريقيا وأوروبا لتشكيل رافعة دولية تدعم الحل السياسي.
    وطلب من رجال أعمال سعوديين (من بينهم عدنان خاشوقجي وحرب الزهير)، حمل الأفكار الأساسية للحل السياسي وورقة العمل السياسية للقادة السعوديين. وكان الأمير سلطان بن عبد العزيز متجاوبا مع العقل ويرغب في إيجاد حل سياسي، وأصبحت الرحلات الجوية مكوكية تم خلالها تبادل الملاحظات والتعديلات.
    وأوشكت جهود الرئيس عرفات علي النجاح. وتم الاتفاق علي عقد قمة طارئة في القاهرة بتاريخ 10 اب (اغسطس) 1990 لبحث الوضع وإقرار مشروع حل سياسي تلعب فيه الدول العربية، عبر لجنة تشكلها القمة الدور الرئيسي في الاتفاق موضع التنفيذ. وكان يتضمن إرسال قوات عربية لتحل محل القوات العراقية تمهيدا للتوصل الي حل نهائي.
    لكن الضغوط الأمريكية كانت أفعل وأكثر تأثيرا. وانتهت جلسات القمة العربية، دون أن يتمكن الرئيس عرفات من طرح الحل السياسي، عبر استخدام ملتو لقواعد النقاش في القمم وطريقة طرح الاقتراحات والتصويت عليها.
    فقد كان من المفترض أن تطرح مشاريع الاقتراحات (التي كانت متعددة) ليجري التداول بها، ثم طرحها علي التصويت.
    لكن النقاش بدأ باقتراح واحد وتم التصويت عليه علي عجل وأعلن رئيس الجلسة فوز الاقتراح ورفع جلسات القمة. مما أثار الرئيس عرفات الذي رفع صوته مخطئا الأسلوب واعتبره غير قانوني. وجري تلاسن حول هذا الامر، لكن الولايات المتحدة كانت الأقوي نفوذا.




    همسة جوليو اندريوتي


    وحسم الأمر: حرب علي العراق تشارك فيها قوات عربية تجمعت في منطقة حفر الباطن بالسعودية.
    وقرر الرئيس عرفات أن يجري آخر محاولة من خلال الاتحاد الأوروبي. فطلب مني التوجه الي روما وأن أنقل رسالة شفهية لرئيس وزرائها آنذاك جوليو اندريوتي، وكان يترأس في الوقت ذاته الاتحاد الأوروبي.
    كانت طبول الحرب قد بدأت تقرع واستكملت قوات التحالف استعداداتها وأصبحت جاهزة لتحديد ساعة الصفر.
    توجه الرئيس الي بغداد، فيما رحت ارتب أمور سفري الي روما لمقابلة رئيس الوزراء الإيطالي. كان الوقت يداهم الجميع والعد العكسي قد بدأ. ولم أجد في ذلك اليوم مكانا لي علي أي طائرة من الطائرات التجارية المتوجهة الي روما. فاتصلت بصديق لي (رجل أعمال إيطالي) وطلبت منه إرسال طائرته الخاصة الي تونس لتقلني الي روما. ففعل فورا. ووصلت روما.
    كان ذلك صباح 14 كانون الثاني (يناير) من العام 1991.
    كنت قد أجريت اتصالات لتحديد موعد. ولم يكونوا قد حددوه بعد.
    فتوجهت للفندق وهنالك التقيت بصديقي رجل الأعمال. وعندما علم هدفي من المجيء لروما، اتصل هو برئيس الوزراء وكان صديقا حميما له ورتب الموعد علي عجل.
    وقمت بالاتصال بسفيرنا في روما نمر حماد وأبلغته عن الموعد وعن المهمة العاجلة.
    ورغم شكه في القدرة علي تحديد الموعد بهذه السرعة، التقينا عند مدخل رئيس وزراء ايطاليا الذي استقبلنا بالترحيب.
    فنقلت الرسالة. قلت له اننا نسابق الزمن لمنع وقوع الحرب. واننا نقترح أن يتوجه وفد من الاتحاد الأوروبي (ترويكا) للعراق فورا وأن نبلور اقتراحا سياسيا تتبناه أوروبا وبعض الدول العربية لتطبيق حل سياسي فوري يبدأ بانسحاب القوات العراقية من الكويت.
    فكر اندريوتي مليا، وانطلق يشرح لي صعوبة الوضع (باللغة الفرنسية) وتجاوز بذلك المترجم أو استخدام اللغة الإنكليزية (التي لم يكن ضليعا بها).
    تعقيدات الوضع الدولي، أخذت جزءا هاما من حديثه وحول موقف ايطاليا التي تتمني ألا تحصل الحرب.
    ثم نهض من علي مقعده، وامسك بذراعي وتوجه نحو شرفة مكتبه.
    فتح الباب وخرجنا للشرفة المطلة علي الساحة الجميلة أمام مقر رئاسة الوزراء الإيطالية.
    قال لي هامسا بالفرنسية: قرار الولايات المتحدة هو الحرب. ولن تنجح مبادرتنا. كان الله في عون العراق.




    اغتيالان عشية الحرب


    شكرته. وتوجهت فورا نحو الفندق أنا وسفير فلسطين لدي روما نمر حماد. ما ان جلسنا حتي هز الغرفة رنين الهاتف. كانت سكرتيرتي من تونس، قالت لي وهي مبعثرة بين اللهاث والبكاء ان إطلاق نار حصل قبل دقائق في منزل الأخ أبو الهول (هايل عبد الحميد عضو اللجنة المركزية لفتح) فرحت اتصل بأرقام مختلفة في تونس الي أن علمت أن أبو الهول وأبو إياد (صلاح خلف) قد اغتيلا في منزل أبو الهول وان القاتل تحصن في الطابق العلوي وهو يحتجز زوجة وأطفال أبو الهول.
    فقلت لسفيرنا يجب أن أعود فورا لتونس. ولكن قبل ذلك سأكلم الرئيس ياسر عرفات في بغداد.
    اتصلت وأبلغته النتائج فطلب مني التوجه لتونس فورا وان انتظر تعليماته. وهكذا حصل.
    عدت لتونس، شاكرا صديقي الإيطالي الذي وضع طائرته مرة أخري تحت تصرفي لتعيدني الي تونس.
    عاد الرئيس ياسر عرفات لتونس فجر 15 كانون الثاني (يناير) 1991.
    وانغمس في العمل مرة أخري بعد مراسم دفن الشهيدين أبو إياد وأبو الهول.
    بعد مراسم الدفن تجمع القادة والكوادر في مكتب الرئيس، والكل يشعر برهبة الموقف. كان اغتيال أبو إياد وأبو الهول صدمة كبري للجميع خاصة بعد أن علم أن القاتل فلسطيني من أتباع أبو نضال، وكان قد أعلن توبته لينضم لحرس أبو الهول.
    وكان القلق يكاد يصيب الجميع بالاختناق حول الحرب المتوقعة علي العراق. ذلك علي الرغم من ان عددا من القيادات كان مقتنعا بأن الولايات المتحدة لن تشن حربا علي العراق. خشية من الخسائر البشرية.
    وكنت من الرأي الذي يري أن الحرب قادمة، لا محالة، وان الولايات المتحدة ستستخدم ترسانتها الجوية والصاروخية ولن تتيح للجيش العراقي خوض معركة، قد تنزل خسائر بشرية بصفوف الأمريكيين.
    غادرت مكتب الرئيس عائدا الي مكتبي. عند الفجر في يوم السادس عشر من كانون الثاني (يناير)، اتصل بي صديقي من فرنسا، وقال لي انه يتكلم من هاتف عمومي، وان الهجوم الأمريكي الجوي بالطائرات وصواريخ كروز سيبدأ فجر 17 كانون الثاني (يناير) وان الهدف هو بغداد وليست الكويت.
    هرعت لمكتب الرئيس وأبلغته المعلومة وكنت قد سجلتها كتابيا. فأرسل تلك الملاحظة فورا لبغداد.
    اعترض بعض القيادات علي إرسال المعلومة، لقناعتهم بان الولايات المتحدة لن تتجرأ في شن هجوم علي العراق.
    لكن الرئيس كان له رأي آخر: هنالك معلومة، ربما تكون مفيدة، وربما لا ويجب أن تعلمها بغداد.
    حسب المعلومة، الساعة الثالثة فجرا بتوقيت بغداد، كان موعد بدء الهجوم الصاروخي والجوي أي أن الهجوم سيبدأ منتصف الليل بالتوقيت المحلي لمدينة تونس. حيث كنا متجمعين في مكتب الرئيس.
    وقرابة منتصف الليل تحركت نحو جهاز التلفزيون، في مكتب الرئيس وأدرت المفاتيح لنشاهد قناة (سي.ان.ان).
    دقائق قليلة مرت علي منتصف الليل، فبدأ البعض يبتسم وترتخي أعصابه: المعلومة كانت خاطئة ولن تشن الولايات المتحدة حربا علي العراق. وفي تلك اللحظة بالذات شاهدنا مراسل سي.ان.ان. يقول سماء بغداد يضيئها اللهب .
    وانهالت الصواريخ والقصف الجوي علي بغداد.
    كان ذلك في السابع عشر من كانون الثاني من العام 1991.
    وانتهت كل محاولات وجهود الرئيــــس ياسر عرفات لمنع الحرب وإيجاد حل سياسي للصراع العراقي ـ الكويتي.
    وبدأت مرحلة جديدة.




    مؤتمر مدريد


    بعد انتهاء حرب الخليج الأولي القي الرئيس جورج بوش (الأب) خطابا في الكونغرس قوبل بترحيب شديد من قبل أعضاء الكونغرس جمهوريين وديمقراطيين.
    كان خطاب الانتصار.... خطاب تحرير الكويت.
    وخلال الخطاب صفق أعضاء الكونغرس للرئيس بوش وقوفا خمس مرات. لكن أطول وقفة تصفيق جاءت عندما أعلن الرئيس بوش انه آن الأوان لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي وإيجاد حل للقضية الفلسطينية.
    وهكذا أعطت الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر لبدء عملية سلام في الشرق الأوسط تستهدف: تحقيق الاستقرار والسلام استنادا لقراري مجلس الأمن 242 و 338.
    وبالتشاور مع روسيا تقرر أن ترعي الولايات المتحدة وروسيا مؤتمرا دوليا للسلام في الشرق الأوسط تحضره كافة الأطراف المعنية وعلي أن يعقد في مدريد العاصمة الاسبانية.
    في تلك الفترة كان اسحق شامير (يمين الليكود) يرأس الحكومة الإسرائيلية. وكان معارضا لأي عملية سلام تتم استنادا للقرار 242 أي انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967
    لكن إصرار الولايات المتحدة والرئيس بوش لم يمكن شامير من تبرير رفضه للمؤتمر برفضه لقرارات مجلس الأمن.
    بل استند لرفضه التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية التي اتهمها بالإرهاب. وأن إسرائيل لا تتفاوض مع الإرهابيين.
    ورد علي الرئيس بوش الذي وجه له رسالة بهذا الخصوص، يدعوه فيها لحضور مؤتمر مدريد بالقول إن حكومة إسرائيل ترفض التفاوض مع م.ت.ف ، لكنها علي استعداد لمفاوضة فلسطينيين محليين من الضفة وغزة لم تتلوث أيديهم بدماء يهودية.
    وزاد شامير في تعقيد الأمور باشتراطه موافقة الحكومة الإسرائيلية علي أسماء من سيشارك في المؤتمر من فلسطينيي الداخل.
    وسارعت الإدارة الامريكية وروسيا لإقناع قيادة م.ت.ف بان علي القيادة الفلسطينية الا تضيع الفرصة، كما يشتهي شامير.
    ورغم إصرار منظمة التحرير الفلسطينية علي مشاركتها المباشرة في مؤتمر مدريد تعاملت مع العقبات التي كان يضعها شامير (لإجهاض المشروع) بشكل واقعي.
    وازدحمت خطوط الاتصال بين واشنطن وموسكو وتونس للوصول إلي صيغة مرضية لمنظمة التحرير ولا يمكن لشامير الاعتراض عليها.
    وأبلغت الإدارة الامريكية رئيس وزراء إسرائيل بموافقتها علي مشاركة وفد فلسطيني يمثل الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، علي أن تلعب هي (أي الإدارة الامريكية) الدور الرئيسي في اختيار أعضاء الوفد وأنه إذا كان لشامير اعتراض مستند لحيثيات قوية فعليه أن يراجع الإدارة الأمريكية بهذا الشأن.
    وطلبت الإدارة الأمريكية من منظمة التحرير وضع لائحة تضم أربعين من أسماء الشخصيات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة ليجري اختيار الوفد من بين الأسماء الأربعين.
    وهكذا كان، وتشكل الوفد من شخصيات وطنية من الأرض المحتلة. وبدأت التحضيرات لعقد المؤتمر. وراح كل طرف معني يعد مداخلته للجلسة الافتتاحية للمؤتمر.
    وصادقت اللجنة التنفيذية علي الكلمة التي أعدت ليلقيها الوفد في الجلسة الافتتاحية. وفي الوقت ذاته كان عدد من أعضاء الوفد في الداخل منكبا لصياغة الكلمة.
    وقررت اللجنة التنفيذية إرسال عدد من القيادات والكوادر من تونس الي مدريد ليكونوا الي جانب جلسات المؤتمر الرسمية، وعلي اتصال دائم بالوفد القادم من الأرض المحتلة.
    وكنت احد الذين تقرر توجههم الي مدريد. لكن في اللحظة الأخيرة استدعاني الرئيس ياسر عرفات وطلب مني البقاء إلي جانبه لمتابعة مجريات المؤتمر. ولم أتردد بطبيعة الحال. لكنني علمت لاحقا أن عددا من قيادات فتح أصر علي عدم ذهابي الي مدريد. فقد كانت مجموعة منهم تبذل قصاري الجهد لإقصائي عن مركز الفعل، بعد أن تكللت الجهود السياسية والدبلوماسية والإعلامية بالنجاح في بلورة خطوة ملموسة هي الأولي منذ أن أطلقت مبادرة السلام في 13 كانون الاول (ديسمبر) من العام 1988 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
    كان البعض، الذي التحق متأخرا بركب المبادرة السياسية يظن أن العمل الدبلوماسي السري هو الذي سيدفع العملية للإمام. وارتكبوا الخطأ الكبير الذي يفصل فصلا تعسفيا بين السياسة والإعلام والدبلوماسية. فالاعلام كان سلاحا ماضيا في تلك الحلبة السياسية. والرأي العام كان قوة ضاغطة بكل معني الكلمة. ولم يكن بيد الفلسطينيين سلاح (في ظل مبادرتهم للسلام التي نبذت العنف) سوي سلاح الإعلام المرتبط بالخط السياسي والنشاط الدبلوماسي.
    وكانت الصيغة التي استندت لها هذه المجموعة من قيادات فتح، هي أنني استند للإعلام وأكثر من هذا الاستناد مما يضر بالحركة السياسية والنشاط الدبلوماسي.
    كان من المقرر أن تعقد الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد، بعد يومين من طلب الرئيس أن أبقي إلي جانبه.
    وفي صبيحة يوم الافتتاح اتصل بي الرئيس وطلب مني أن أتوجه فورا للمطار. وكما هي العادة توجهت فورا، وعلمت أننا سنتوجه للمغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني لمتابعة مجريات الافتتاح من هناك.
    رافق الرئيس في تلك الزيارة فاروق القدومي (أبو اللطف) وعبد الله حوراني وأنا.
    وما ان أقلعت الطائرة باتجاه المغرب حتي بادرني الرئيس بالقول، خذ هذا النص واقرأه بتمعن وقل لي ما هو رأيك.
    فقلت ما هو هذا النص.
    فأجاب انه نص الكلمة التي أعدتها مجموعة من الداخل ويقترحون أن تكون هي كلمة الوفد بدلا من الكلمة التي أعددناها ووافقت عليها اللجنة التنفيذية. قرأت الكلمة بإمعان. وكانت قد صيغت باللغة الإنجليزية.
    وعندما رفعت رأسي لأنظر للرئيس وجدته ينظر الي منتظرا تعقيبي علي الكلمة.
    فقلت له:
    هذه كلمة اعتذار عن كل نضالنا ونعلن توبتنا وكأننا ارتكبنا إثما. والكلمة لا تأتي علي ذكر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ولا علي قيادة الشعب الفلسطيني ولا تذكر حتي قرارات الشرعية الدولية المتصلة بأرضنا .
    فاروق القدومي (أبو اللطف) كان يصغي ويبتسم ثم ينظر إلي الرئيس.
    وكأنما جاء تعقيبي مطابقا أو شبيها لتعقيبه هو.
    طلب الرئيس من عبد الله حوراني ومن فاروق القدومي ومني أن نبدأ بصياغة تعديلات لإضافتها للكلمة لتسد كل النواقص التي نعتقد أن هنالك ضرورة لسدها.
    وشرعنا في بعض النقاط في حين أعلن قائد الطائرة بداية هبوطه نحو الرباط.
    كالعادة ضجت الطائرة بالحركة. الجميع يهيئ نفسه للهبوط.
    وما هي إلا دقائق حتي حطت بنا الطائرة وسارت متمهلة إلي أن توقفت قرب قاعة التشريفات في مطار الرباط.
    حرص الرئيس علي أن يكون الاستقبال سريعا لكسب الوقت، وتوجه فورا نحو قصر الضيافة الملكي حيث سيقيم الوفد.
    وطلب الرئيس من بعض مساعديه إجراء الاتصالات اللازمة لوصله بالدكتور نبيل شعث الذي كان مكلفا بالتنسيق مع الوفد القادم من داخل الأرض المحتلة. وكذلك مع الفريق الروسي الذي يشارك في الإشراف مع الفريق الأمريكي علي مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
    تم الاتصال، وأبلغ الرئيس الدكتور نبيل شعث الملاحظات حول الكلمة التي أعدت في الداخل وقال له ان لا بد من إضافة بعض التعديلات السريعة حتي لا تكون الكلمة كارثة سياسية.
    وقام عبد الله حوراني بإعطاء الملاحظات والتعديلات للدكتور نبيل شعث، وهي تشمل جملا مركزة حول الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقرارات الشرعية الدولية وتأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن قيادة المنظمة هي قيادة الشعب الفلسطيني وكذلك حل الدولتين.
    لم يكن قد بقي كثير من الوقت علي موعد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر. لكن الوقت المتبقي كان كافيا لإجراء التعديلات علي النص المقترح لكلمة الوفد الفلسطيني التي تقرر أن يلقيها الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد.




    من أهم اللحظات السياسية



    جلسنا في إحدي غرف الاستقبال ننتظر.
    بعد دقائق حضر للقاعة أحد مساعدي الرئيس ليبلغه أن الدكتور نبيل شعث يريد أن يكلمه لأمر هام.
    فتوجهنا جميعا إلي غرفة الاتصالات. أصغي الرئيس باهتمام لما كان يقوله الدكتور نبيل شعث. وفجأة علق قائلا ينسحبون ؟ بلهجة سؤال.... وطلب منه الانتظار علي الخط.
    واخبرنا أن نبيل شعث اتصل بالروس ليبلغهم حول التعديلات التي نريد إضافتها علي الكلمة. وكان قد أطلعهم علي نص الكلمة من قبل. ولا شك بأنهم أعلموا الفريق الأمريكي بمضمون كلمة الوفد الفلسطيني، وأن الفريق الروسي قام ببعض الاتصالات قال بعدها إنهم يخشون في حال إدخال هذه التعديلات أن ينسحب الوفد الإسرائيلي من جلسات المؤتمر .
    وقلت تعليقا علي ذلك: لم يذهب شامير الي مؤتمر مدريد لينسحب، هذه رغبة أمريكية. ولن يحرجوا أنفسهم مع الرئيس بوش. إضافة لذلك فنحن لا نعلم ماذا سيقول شامير في كلمته رغم أنني أتوقع أن تكون متطرفة ورافضة لمشروع السلام.
    اقتنع الرئيس بكلامي وكرر لنبيل شعث، رغم قلقه الشديد من انهيار المؤتمر.
    فقد كانت هذه أول خطوه ملموسة علي طريق البداية، في مسيرة لا شك ستكون طويلة نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
    وطلب الرئيس من نبيل شعث إبلاغ الوفد أن هذه هي تعليماته.
    وهكذا كان.
    جاءت كلمة الدكتور حيدر عبد الشافي بعد إضافة التعديلات لتضع الانتماء والأهداف بشكل واضح وحددت بما لا يرقي إليه الشك مكانة م.ت.ف كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وكذلك أن قيادتها هي قيادة كل الشعب الفلسطيني. كانت تلك اللحظة من أهم اللحظات السياسية. فبعد أن أصر شامير أسبوعا تلو الأسبوع علي عدم مشاركة م.ت.ف في المؤتمر وأن له حق الفيتو علي أي اسم يطرح للمشاركة في الوفد المشكل من شخصيات فلسطينية من داخل الأرض المحتلة.
    ها هو يستمع بأذنيه للوفد الفلسطيني يؤكد أن م.ت.ف هي ممثل الشعب الفلسطيني الشرعي وأن قيادتها هي قيادته.
    وفي اليوم التالي استقبلنا الملك الحسن الثاني. ودار الحديث حول الترتيبات التي سبقت عقد الجلسة الافتتاحية والتوقعات.
    وكان الاتفاق بين الرئيس والملك جليا. فالمعركة في هذه الفترة هي معركة سياسية إعلامية دبلوماسية، وان هدفها الأول هو تحويل الفكرة إلي مجري ملموس. أي بدء المفاوضات برعاية أمريكية روسية لتطبيق قرارات الشرعية الدولية.
    وهكذا بدأت معركة من نمط آ خر. فبعد حضور الحكومة الإسرائيلية الجلسة الأولي للمؤتمر ومتابعتها للجلسات، تحولت المعركة الي الاتفاق علي آلية أو آليات لمتابعة المفاوضات بشكل عملي وملموس.
    انتهي اللقاء وسار الرئيس جنبا إلي جنب مع الملك الحسن الثاني يتبعهم أعضاء الوفد. وعند المدخل الخارجي للقصر الملكي توقف الملك مودعا الرئيس وتقدمنا نحن للسلام. أوقفني الملك لحظة وقال للرئيس: من المفروض أن يكون بسام في مدريد للمعركة السياسية الإعلامية. فابتسم الرئيس وكأنه يقول هو كذلك .
    وغادرنا الرباط عائدين إلي تونس.
    توجهت إلي مكتبي لأعد نفسي للسفر إلي مدريد. تعذر وجود طائرة ذلك اليوم وتعذر وجود أماكن علي طائرتي اليومين التاليين.
    فاتصلت بصديقي تايني رولاند وطلبت منه إرسال طائرته الخاصة لتقلني من تونس إلي مدريد.
    فقام بإرسالها وما إن تأكدت أنها هبط
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

  15. #15
    ابن محطة يافا
    تاريخ التسجيل
    Mar-2008-13
    المشاركات
    3,745

    افتراضي

    دبابات اسرائيلية تغزو مدينة رام الله وتفرض الحصار الأول علي مقر الرئيس


    (14 ـ 15)


    بسام ابو شريف


    16/05/2008

    يوم سقطت طائرة عرفات فوق الصحراء الليبية


    في الثامن من نيسان (ابريل) 1993 استشهد شاب فلسطيني من أشجع الشباب. ورغم أن اسمه نادرا ما يذكر إلا أنه سيبقي في ذهني رمزا للشجاعة والفداء. انه الكابتن محمد درويش الذي كان يقود طائرة الرئيس ياسر عرفات، التي حاصرتها غيوم من الرمال وأفقدتها القدرة علي الاتصال والرؤية واصطدمت بتلال من الرمال في الصحراء الليبية. هذا الحادث كاد يودي بحياة الرئيس ياسر عرفات لولا مشيئة الله وشجاعة الكابتن محمد درويش التي لا يمكن أن توصف خاصة في اللحظة الحاسمة والخطيرة.

    علي يمين الكابتن محمد درويش في قمرة القيادة كان مساعده غسان ياسين، وهو رجل شجاع لم يتسرب إليه الخوف، يحاول أن يساعده في إدارة الدفة رغم إن الاثنين كانا يعلمان باستحالة إدارة الدفة بشكل طبيعي، كون الطائرة محاصرة بغيوم الرمال ولا يعرفان طبيعة الأرض التي سيهبطان فيها أو حتي علي أي علو يحلقان في السماء، فقد تعطلت كافه الأجهزة في تلك الأثناء. عندما أيقن الكابتن محمد درويش أنه أصبح مستحيلا عليه الاتصال بأي برج مراقبة، وأن الرؤية بلغت درجة الصفر اتخذ القرار الشجاع، سلم دفة القيادة لمساعده وطلب منه الحفاظ علي نفس العلو لحين عودته. وتقدم نحو الرئيس ياسر عرفات وأدي له التحية العسكرية قائلا:
    سيدي الرئيس، إننا معزولون تماما. فالعواصف الرملية تحيط بنا من كل جانب والرؤية معدومة، وكافة أجهزة الاتصال تعطلت. وتابع يقول فيما الرئيس ياسر عرفات يصغي له بانتباه:
    لا نعرف بالضبط أين نحن الآن. لكننا نعلم أننا فوق الصحراء الليبية وفي مكان ليس بعيدا من معسكر السارة (معسكر للقوات الفلسطينية أقيم بعد خروج القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982).

    توقف الكابتن محمد درويش عن الكلام لثوان ثم تابع يقول للرئيس: إننا مضطرون للهبوط اضطراريا دون أن نعلم ما هي طبيعة الأرض التي سنهبط عليها سوي أنها رملية. وقد تكون منطقة تلال رملية أو سهلا رمليا. لكن هذه العواصف الرملية قادرة علي تغيير طبيعة الكثبان الرملية في كل لحظة .

    نظر إليه الرئيس وحدق في عينيه وكأنه يقول: ماذا تقترح؟

    برباطة جأش وهدوء كاملين قال الكابتن محمد درويش للرئيس: يجب أن تنفذ تعليماتي فورا. عليك العودة للمقعد الخلفي فورا، وطلب من الإخوة الذين أحاطوا بالرئيس أن يجمعوا كافة البطانيات (أغطية صوفية) الموجودة في الطائرة. شد الحزام حول وسط الرئيس الذي انصاع لتعليمات الكابتن، ثم قام بلف البطانيات حول جسد الرئيس ورأسه. ثم طلب من الإخوة أن يحيطوا بالرئيس كدرع حماية بشري.
    وعاد الكابتن إلي قمرة القيادة، جلس إلي مقعده بهدوء، شد حزام الأمان ونظر إلي مساعده غسان نظرة مليئة بالثقة والايمان والتضحية بالنفس وقال له: غسان توكل علي الله. إننا نحاول حماية القائد والوطن، سنهبط مهما كانت الظروف لأننا لا يمكننا البقاء في الجو أكثر من دقائق. كما تري نفد الوقود تقريبا . أجابه غسان بالنظر إليه قائلا: توكلنا علي الله.

    خلال ثوان معدودات شرح الكابتن محمد لغسان خطته. سوف يهبط ببطء وتدريجيا دون أن يعلم متي سيرتطم برمال الصحراء أو تلالها. لكنه أبقي أنف الطائرة منخفضا حتي يبقي ذيلها مرتفعا. وذلك يعني أن صدمة الارتطام القاتلة سوف تتلقاها قمرة القيادة حيث يجلسان وليس الذيل حيث كان يجلس الرئيس مغمورا بالبطانيات والرجال الشجعان.

    سادت دقائق من الصمت الرهيب لا صوت سوي صوت المحركات وشخيرها عندما تلطمها العواصف الرملية وكأنها تحاول إيقافها عن الدوران.




    سحب الرمال المجنونة


    كانت أجهزة الطائرة واللوحة التي تزود قائدها بالمعلومات معطلة، فلم يكن الكابتن محمد يدري علي أي ارتفاع هو ومتي سيرتطم بالصحراء، وفجأة انتابه إحساس غريب بأنه اقترب من الأرض فخاطب الجميع كي ينتبهوا ويتمسكوا جيدا بمقاعدهم.
    وطلب من بعض الإخوة الشجعان الذين كانوا يقفون عند باب قمرة القيادة لمتابعة ما يجري أن يعودوا فورا للمقاعد الخلفية وأن يربطوا الأحزمة وأن يتمسكوا بالمقاعد بقوة.

    ما هي إلا ثوان حتي نزلت الطائرة. فقد هبط الكابتن بها وأنفها منخفض مما حطم غرفة القيادة وفتت جسم الطائرة إلي ثلاث قطع ـ الجزء الخلفي والوسط وقمرة القيادة المدمرة.
    واستشهد الكابتن محمد ومساعده غسان علي الفور. وكان مهندس الطائرة الروماني قد أصيب بسكته قلبيه أدت إلي وفاته قبل ذلك بساعة تقريبا.

    ليل الثامن من نيسان (ابريل) من العام 1993، ارتطمت طائرة الرئيس ياسر عرفات برمال الصحراء الليبية، واستشهد قائدها ومساعده ومهندسها، لكن العاصفة الرملية استمرت تولول حول أجزاء الطائرة التي بقيت، وهلة الصدمة والارتطام خيمت علي الطائرة بأجزائها الثلاثة.

    وتحرك الرئيس ياسر عرفات وأصدر أوامره للجميع بإخلاء الطائرة (او ذيلها) فورا خشية اندلاع حريق وراح الجميع يبحثون في الأجزاء عن إخوانهم الآخرين. وأصيب عدد منهم بجراح وبعضهم حاصرته قضبان الحديد الملتوية فلم يتمكنوا من إخراجهم.
    وخرج جميع من تمكن من الحركة من الطائرة ليواجهوا عاصفة الرمال التي بقيت تولول وزادت الظلام الدامس حولهم ظلاما.
    سحب الرمال المجنونة كانت تهب في كل اتجاه وتتلوي حسب ما تشتهيه الرياح.

    رافقت الرئيس ياسر عرفات في الثالث من نيسان (ابريل) في زيارة قام بها لليمن. ولقد طرنا من تونس لليمن علي متن طائرة الرئيس النفاثة (جت) وهي مجهزة تجهيزا حديثا كاملا بما في ذلك جهازا كومبيوتر إضافيان للاحتياط.
    وبعد انتهاء المباحثات طلب مني الرئيس ياسر عرفات ان أبقي في اليمن لمتابعة أمر اتفق عليه مع الرئيس علي عبد الله صالح. وغادر هو للسودان في زيارة مباحثات. وطلب مني العودة لتونس حالما انهي العمل المكلف به، علي متن طائرة تجارية.

    وبالفعل أنهيت العمل في اليوم التالي وغادرت بعد منتصف الليل الي تونس عبر باريس (طائرة ايرفرانس). وصلت تونس في الخامس من نيسان وتوجهت لمكتبي فورا، وأجريت اتصالا بالإخوة الذين رافقوا الرئيس للسودان فأبلغوني أنهم سيتأخرون قليلا لأن زجاج الطائرة النفاثة (الجت) قد تشقق ،وان الطيارين يصرون علي استبداله بزجاج جديد لأن الطيران سيصبح خطرا علي حياة الرئيس ان بقي الزجاج الأمامي للقمرة مشققا. وتبين أنه لا توجد قطع غيار لهذا النوع من الزجاج في السودان وجرت محاولة شرائه من الإمارات لكن الإخوة أبلغوا أن ذلك سيتطلب عشرة أيام من الوقت علي أقل تقدير. عندها قرر الرئيس ياسر عرفات استخدام إحدي الطائرات العسكرية التي كانت تابعة للقوات الفلسطينية المتمركزة في السودان، وهي من طراز انتونوف خضعت للصيانة قبل شهر، لكنها غير مجهزة بأجهزة حديثة كونها من طراز قديم استخدمت أثناء الحرب العالمية الثانية.
    وفي الثامن من نيسان (ابريل) أقلعت الانتونوف في طريقها إلي تونس عبر الصحراء الليبية. كما ذكرنا لم تكن الطائرة مجهزة بأجهزة حديثة. إذ كان من الممكن لقبطان الطائرة أن يري علي شاشته أن عواصف رملية عاتية تزحف نحو مسار الطائرة قادمة من مصر وأماكن أخري من الصحراء. فاستمر في الطيران حسب الخطة المرسومة. ولم تقم الأبراج التي كان علي اتصال بها بإبلاغه بالعواصف الرملية الا بعد فوات الأوان. إذ وجد نفسه وسط العواصف الرملية وانعدمت الرؤية تماما وتعطلت أجهزة الاتصال.




    الاقمار الاصطناعية الامريكية تراقب


    كنت أتابع عملي في مكتبي الكائن في حي المنزه السادس بمدينة تونس عندما تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد هواة الراديو، الذي أبلغني انه التقط بالصدفة نداء استغاثة من طائرة تقل الرئيس ياسر عرفات، وان الطائرة كانت فوق الصحراء الليبية، اعتقدت في باديء الأمر أن المكالمة استهدفت بث القلق والتشويش ولا تعدو في أحسن الأحوال كونها دعابة ثقيلة. لكنني قررت الاتصال بالمسؤولين الليبيين ليطمئن قلبي وعقلي. وبالفعل اتصلت هاتفيا بالأخ عبدالله السنوسي الساعد الأيمن للعقيد معمر القذافي وسألته عن أخبار طائرة الرئيس. فأجابني بقلق شديد: لقد فقدنا الاتصال بها ونخشي أن تكون في مأزق بسبب العاصفة الرملية الهوجاء التي ما زالت تجتاح المنطقة. لكننا نتابع بسرعة من خلال اقرب مطار ومن خلال قواتنا في الصحراء. كان الأمر صحيحا إذا.

    بعد نصف ساعة عاودت الاتصال بالأخ عبدالله السنوسي فأبلغني أنهم لم يعثروا عليها بعد، ويعتقدون أنها سقطت في منطقة صحراوية قرب السارة . (السارة كانت موقعا عسكريا لقسم من القوات الفلسطينية التي تم توزيعها علي عدد من الدول العربية بعد خروجها من لبنان في أيلول (سبتمبر) من العام 1982 .

    استنفرت إحساسي وأعصابي وعقلي وأحسست بقلق شديد علي مصير الرئيس ياسر عرفات. كان الخبر قد انتشر بسرعة النار في الهشيم. وبدأ المراسلون الصحافيون أجانب وعربا يتدفقون إلي مكتبي للاستفسار وتتبع الأخبار، اعتذرت منهم بعد أن أكدت لهم النبأ وعدت من صالون الاستقبال حيث كانوا يتجمعون، إلي مكتبي لأتابع الأمر.

    تجمع حولي في المكتب عدد من الأصدقاء والإخوة، وراح كل منهم يدلي بفكرة أو رأي أو توقع. فكرت مليا: إذا كانت الطائرة قد سقطت فان كل لحظة تمر هي لحظة ثمينة جدا. وتخيلت الوضع: طائرة صغيرة سقطت علي أرض صحراوية والعاصفة تلفها من كل مكان وتجعل رؤيتها ضربا من المستحيل، وتحرك أي شخص أو آلية سيكون عبثا طالما أن الموقع غير محدد بالضبط.

    وصلت في تفكيري إلي أن تحديد مكان الطائرة المتحطمة هو الخطوة الأساسية الأولي والضرورية لكل الطواقم التي لا بد أنها هيأت لعملية إنقاذ.
    تبادلت الرأي مع الإخوة الذين كان قد تجمعوا في مكتبي، ووافق الجميع علي أن هذه الخطوة هي الأولي والضرورية للبحث عن الطائرة.

    وقررت الاتصال بثلاث دول تملك القدرة علي تحديد مكان الطائرة: الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا.

    تحدثت هاتفيا مع مدير عام وزارة الخارجية البريطانية ثم إلي وزير الخارجية وأبلغتهم بما حدث وأننا نطلب مساعدتهم في تحديد موقع الطائرة.

    كما تحدثت مع وزير الخارجية الفرنسي وطلبت منه المساعدة علي تحديد الموقع وقلت له إن الطيران الفرنسي المتمركز في تشاد قد يكون القادر علي تحديد موقع الطائرة. وعدني الوزيران خيرا.

    لكن الاتصال الأهم كان مع الولايات المتحدة الأمريكية. فقد اتصلت بالرئيس جيمي كارتر عبر البيت الأبيض ولكن عبر خطه المباشر وكنت أعلم أن البيت الأبيض يقدم الخدمات لكل الرؤساء السابقين وأن جهاز أمن البيت الأبيض علي اتصال مع مفرزة الأمن لحماية الرؤساء السابقين. اتصلت بالبيت الأبيض وطلبت التحدث للرئيس جيمي كارتر لأمر عاجل وضروري. وبعد أن أخذوا كل المعلومات عني وكيف يكتب اسمي حولوني لمركز أمن البيت الأبيض، الذي أعاد الأسئلة وتأكد من هوية السائل. وطلب مني الانتظار لحظات. ما هي إلا لحظات حتي ردت علي الهاتف السيدة كارتر وأبلغتني أنه نائم.

    شرحت لها الوضع وخطورته فقالت بلطف انتظر سوف أبلغه. ما هي إلا ثوان حتي سمعت صوت الرئيس كارتر (الذي أعرفه منذ فترة من الوقت) يحييني ويسألني عما جري.
    أبلغته وطلبت منه استخدام نفوذه لدي البيت الأبيض لإعطاء التعليمات للجهات المسؤولة لتقوم الأقمار الاصطناعية الأمريكية (التي تراقب ليبيا حتما) بتحديد موقع الطائرة بدقة. وأبلغته المعلومات الأولية حول الموقع التقريبي حسب اعتقاد الإخوة الليبيين. أجابني الرئيس كارتر سأحاول جهدي فورا وسأكلمك بعد ربع ساعة.

    الجميع كان متوترا وقلقا. ولا أحد يدري ماذا جري وما هي نتائج تحطم الطائرة. وتتدافع الأفكار ويزداد التوتر والقلق.
    خلت الربع ساعة دهرا، كانت يدي تمسك بسماعة الهاتف طوال الوقت انتظارا. ورن جرس الهاتف. التقطت السماعة بسرعة. كان الرئيس كارتر المتحدث. وأبلغني بالإحداثيات التي أعطتها له الجهات المسؤولة. شكرته جزيلا. ورحت أحاول الاتصال بالأخ عبد الله السنوسي الذي تعذر لفترة من الوقت. لكن في نهاية الأمر تمكنت من مكالمته وأعطيته الإحداثيات.

    قال لي: هذا جيد لكن العاصفة ما زالت تهب والرؤية معدومة ولا نستطيع التحرك في المنطقة. وأبلغنا معسكر القوات الفلسطينية في السارة (وهي الأقرب للموقع الذي يظن أن الطائرة سقطت فيه) بالإحداثيات.
    ورحنا ننتظر علي أحر من الجمر. وانتبهت فجأة إلي فتاة تجلس قرب مكتبي كانت مراسلة البي بي سي في تونس، وقد دونت كل التحركات التي قام بها مكتبي والاتصالات التي أجراها. فسألتها كيف دخلت الغرفة؟ فأجابت مبتسمة: هذه لحظات تاريخية أردت أن أكون شاهدة.


    ماذا جري في الموقع؟

    ماذا كان يدور في موقع سقوط الطائرة.
    عندما ارتطم انف الطائرة بكثبان الرمل تمزقت إلي ثلاث قطع كما ذكرنا. وبقي الجزء الخلفي أقل تحطما من الأجزاء الأخري.
    قمرة القيادة دمرت واستشهد فيها الطيار ومساعده. والتف الحديد الملتوي علي ساق ماهر مشعل الذي بقي أسير ذلك الحديد الملتوي الي أن حرره منه رفاقه.

    فقد أصدر الرئيس أمرا بإخلاء الطائرة تحسبا من حريق قد ينتشر اثر ارتطامها. وحاول بعض الإخوة الذين كانوا قادرين علي الحركة تحرير ماهر مشعل من قضبان الحديد التي التفت علي ساقيه عبثا. عدد من الإخوة أصيبوا بجروح مختلفة. وعندما اطمأن الجميع أن النار لن تشتعل فيما تبقي من الطائرة (إذ قام الكابتن محمد بالتحليق حتي آخر قطرة وقود)، أمر الرئيس الجميع بالعودة إلي ذيل الطائرة خشية هجوم ثعالب الصحراء التي تقودها رائحة الدم. وطلب من الإخوة تفقد ما تبقي من ماء وطعام. لم يكن هنالك الكثير. فقد نجت من الكارثة زجاجتا ماء وأربع برتقالات. وتقرر أن تستهلك بحرص شديد وكميات قليلة خشية أن يطول الوقت قبل وصول فرق الإنقاذ.

    ومعروف أن الرئيس ذو خبرة واسعة ومطلع ومعلوماته العامة بحر واسع. فهو يحمل دائما في جيوبه الصغيرة سكينا سويسرية، وبوصلة، وإبرة خياطة، وخيطانا، ومشعلا كهربائيا صغيرا (لوكس) وغيرها من الأدوات المفيدة لأي جندي أو كشاف في حالة الضرورة، علي ضوء ذلك الضوء المنبعث من المشعل الكهربائي الصغير راح يتفقد رجاله واحدا واحدا.

    وانتبه أن فتحي قد أصيب بجرح بالغ مما أدي إلي اقتلاع جلدة رأسه. فطلب فورا زجاجة ماء وراح ينظف الجرح من الرمال العالقة، وعندما تأكد من نظافته من الرمال قام بإعادة تثبيتها بمهارة المهندس.
    عندما أتم فحص رجاله واطمأن عليهم تحدث بهدوء للجميع. قال لهم: لا ندري كم سيطول بقاؤنا هنا ولكن علينا دائما أن نحسب حساب الأسوأ، لذلك علينا أن نكون حريصين في مثل هذه الحالات التي يفتقد فيها الأكل والماء، علينا أن ننتبه إلي ما لدينا إلي أقصي درجة. وطلب من الجميع إلا يبولوا في الصحراء بل في زجاجات الماء الفارغة لأن المجموعة قد تضطر لاستخدامها.
    ورتبت مناوبات الحراسة خشية مهاجمة الموقع من وحوش الصحراء خاصة أن هنالك جثتي قائد الطائرة ومساعده وجثة المهندس الروماني بين الحطام دون دفن.

    ما ان وصلت المعلومات للقوات الفلسطينية في معسكر (السارة) حتي انطلقت مجموعات محمولة بسياراتها الصحراوية نحو الموقع. كان الأمر صعبا جدا. فقد بقيت الرؤية معدومة ومصابيح السيارات لا تنير أكثر من سنتيمترات معدودة. كانت القافلة تسير ببطء شديد وتتوقف لتتأكد من الاتجاه باستخدام البوصلة. ساعات مضت دون أن تتمكن القافلة من تلمس أي دليل علي موقع الطائرة. فقد اخفت الرمال كل اثر ومنعت الرؤية. وكاد الأمر يسقط في يد الرجال.
    وفجأة برز بدوي من بين أمواج الرمال المتطايرة. عما تبحثون يا رجال؟ وأجاب أكثر من ضابط عن طائرة سقطت منذ ساعات في هذه المنطقة. وتطوع البدوي لإرشادهم للموقع. وهكذا كان. فقد استخدم انفه وأذنيه وقادهم نحو الموقع في ظل عواصف الرمال. هرع الجميع وبدأت عملية الإنقاذ. (ما جري في الموقع نقلا عن أخوة كانوا علي متن الطائرة).


    أنا بخير يا بسام!

    في مكتبي في المنزه السادس بتونس كان الجو متوترا وقلقا لأننا لم نكن نعلم ما يدور. لكننا كنا ننتظر. مئات المكالمات الهاتفية للاستفسار، عشرات المقابلات الإذاعية والتلفزيونية حول ما حدث وماذا إذا........ ومن سيخلف الرئيس عرفات.

    وفي خضم ذلك قال لي فادي الصفدي احد الأصدقاء: لا توجد أي وسيلة الان للوصول لطرابلس الغرب ولذا علينا استئجار طائرة خاصة، لنكون جاهزين للانطلاق لطرابلس. وأردف لدي إحساس أنهم أنقذوا أبا عمار . فقلت له هذه فكرة حسنة.
    وأجري فادي اتصالاته، وطلب طائرة خاصة صغيرة من شركة طيران إيطالية، وصلت مطار تونس بعد ساعتين. خلالها أجريت اتصالاتي مع الإخوة الليبيين الذين لم يكونوا متأكدين في البداية من وصول فرق الإنقاذ. ولكن في الساعة الأخيرة أعلموني أن الفرق وصلت وأنهم يتهيأون لاستقبال أبو عمار في مستشفي طرابلس.
    أجريت اتصالاتي مع عدد من قيادات فتح ومنظمة التحرير لأبلغهم أن طائرة خاصة تجثم علي مدرج مطار تونس جاهزة لنقلهم إلي طرابلس. حتي تلك اللحظة لم أكن أعرف ولا أحد يعرف مدي إصابة الرئيس.

    وبعد ساعتين من الوقت رن جرس الهاتف في مكتبي وكان المتحدث الرئيس بنفسه. قال لي بالحرف: الحمد لله أنا بخير يا بسام! وسقطت من عيني دمعة الفرح.


    العودة والحصار القاتل

    احدث فوز حزب العمل بقيادة رابين في الانتخابات الإسرائيلية نقطة تحول. ولعبت النرويج (بسبب العلاقات الجيدة بين قيادة الحزب الحاكم فيها وحزب العمل) دورا هاما في استضافة مباحثات سرية في العاصمة أوسلو أدت الي التوصل لاتفاق اسمي (اتفاق أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

    وفي الثالث عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1993 وقع الرئيس ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الاتفاق وتصافحا في البيت الأبيض بواشنطن.
    وانهمك الجميع في الإعداد لرحلة العودة بناء علي اتفاق اوسلو. وفي الأول من تموز من العام 1994 عاد الرئيس ياسر عرفات إلي فلسطين المحتلة وكانت محطته الأولي قطاع غزة.

    وفي الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1995 تم توقيع اتفاق جديد أطلق عليه (أوسلو 2) ليشمل الضفة الغربية بعد أن حط رحال الرئيس عرفات قبل عام في قطاع غزة.

    رغم العراقيل يمكننا القول إن تطبيق اتفاق أوسلو كان يسير للإمام وان كان متلكئا.
    لكن الانقلاب في الموقف الإسرائيلي الذي أدي إلي سفك الدماء والدمار جاء اثر اغتيال رابين علي يد متطرف من رجال الأمن الإسرائيليين، بتحريض من الليكود وتنظيمات يهودية متطرفة.

    ففي الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1995 وبعد إلقاء كلمته أمام مئات الآلاف من الإسرائيليين بتل أبيب أطلق رجل الأمن المتطرف النار علي اسحق رابين فأرداه قتيلا.
    وعاد الليكود للحكم بعد أن خسر العمل الانتخابات وأصبح نتنياهو رئيسا لوزراء إسرائيل، وبرهن عن التزامه بالسياسة التي رسمها اسحق شامير الرافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون أساسا للسلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

    نتنياهو بدأ بتطبيق سياسة شامير تدريجيا. أي تحطيم اتفاق أوسلو والعودة لإخضاع الفلسطينيين بالقوة العسكرية، وهيأ نتنياهو البنية اللازمة التي استخدمها شارون في إعادة احتلال المناطق الفلسطينية، عبر سفك الدماء والتدمير واقتلاع الشجر واعتقال جماعي للشعب الفلسطيني.




    الخليل تستقبل الرئيس



    بعد ضغط أمريكي علي حكومة نتنياهو المتطرفة، وافق نتنياهو علي تسليم أربعة أخماس مدينة الخليل لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان ذلك في الخامس عشر من شهر كانون الثاني (يناير) من العام 1997.
    كانت تلك هي الخطوة الوحيدة التي اتخذها نتنياهو ضمن إطار تطبيق اتفاقيات أوسلو.
    وانقطعت اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية قرابة سبعة أشهر.
    رافقت الرئيس في رحلة لاستلام أربعة أخماس مدينة الخليل. كانت بالنسبة لي أول فرصة لأري بأم عيني سلسلة المستعمرات الاستيطانية التي أقامها الإسرائيليون علي الأراضي الفلسطينية التي صادروها من أصحابها في الضفة الغربية.
    صعدنا الي طائرته المروحية وجلست قبالته، فيما استقل مرافقوه طائرة مروحية ثانية.
    اقلعنا من مطار المروحيات القريب من مقر الرئيس ياسر عرفات بمدينة غزة وشقت لنا الطريق الجوي طائرة مروحية عسكرية إسرائيلية. فقد كانوا وما زالوا هم الذين يحددون خط سير مروحية الرئيس ياسر عرفات حتي في سماء ارض فلسطين.
    طرنا فوق البحر بمسار دائري أدي بنا الي سماء تل ابيب وكانت أول مرة أشاهد فيها تل أبيب من الجو.
    كنا نتبادل الكلمات لكن بقي الرئيس ياسر عرفات مشدودا لمشاهدة المناطق التي نطير فوقها.
    دقائق مرت وإذ نحن نطير فوق أراضي الضفة الغربية. ابتسم الرئيس وقال لي وهو يشير بإصبعه هذه منطقة اللطرون ـ هذه منطقة رام الله واتجهنا شرقا. فأشار لي أن أري سلسلة المستعمرات الاستيطانية المحيطة برام الله قائلا:
    إنها مواقع عسكرية تهيمن علي بلداتنا وقرانا.
    وعبرنا الأجواء نحو غور الأردن فالبحر الميت ثم توجهنا إلي الجنوب الغربي باتجاه الخليل. وما أن اقتربنا من جبل الخليل حتي رأينا السلسلة المتواصلة من المستوطنات التي أقيمت علي التلال الفلسطينية وتطوق مدينة الخليل.
    انه المخطط: تطويق المدن والبلدات الفلسطينية بمستعمرات استيطانية عسكرية لمحاصرتها دائما وللتوسع اللاحق ثانيا.
    حامت المروحية فوق مدينة الخليل واقتربت من مبني المقاطعة هناك حيث كان من المفترض أن تهبط المروحية. لكن احتشاد مئات الآلاف لاستقبال الرئيس ياسر عرفات أجبر الطيارين علي الهبوط في مكان مجاور.
    هبطنا علي الأرض وفتح باب المروحية ليطل الرئيس ياسر عرفات علي حشد من المستقبلين الذين عانقوه بحرارة وانهمرت دموع بعضهم من التأثير.
    سرنا خلفه لكنه اختفي بلحظة فقد ابتلعت آثاره الحشود. أنقذني من الورطة احد ضباط الأمن الوطني الذي حملنا بسيارته محاولا شق الطريق نحو مبني المقاطعة حيث الحشود الكبري التي تنتظر الرئيس ياسر عرفات ليلقي كلمته في يوم تحرير الخليل، علي الأقل أربعة أخماس الخليل.
    بشق الأنفس تمكنت من الوصول للمكان. كان الرئيس ياسر عرفات ممتلئا غبطة ويتذوق من خلال تحرير الخليل حلاوة إنهاء الاحتلال كليا ورحيله عن أرضنا بكاملها وتذوق حلاوة رفع العلم الفلسطيني علي أسوار القدس الشريف.
    وخلال رحلة العودة من الخليل الي غزة بعد أن أقامت المدينة له إفطارا حاشدا (رمضان) أطرق مفكرا فسألته ما الخطب ؟
    كانت لحظات مؤثرة.
    فقال: بشق الأنفس سلمونا أربعة أخماس الخليل وأري غيوما قادمة. إنهم لا يريدون السلام. سوف يتراجعون عن تعهداتهم ولن يحترموا الاتفاقات.
    وبالفعل أثبتت الإحداث واللقاءات التي تمت في واي ريفر بلانتيشين بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في 23/10/1998 أن الحكومة الإسرائيلية تريد أن تتنصل من التزاماتها، وبشق الأنفس وافق نتنياهو علي تقليص رقعة الانسحاب الثاني إلي 13% من أراضي الضفة بعد أن كان متفقا علي تسليم 35% من أراضي الضفة الغربية للسلطة كمرحلة ثانية من الانسحاب الإسرائيلي. وجاءت موافقة نتنياهو ووزير خارجيته شارون تحت ضغط من الرئيس كلينتون. لكن نتنياهو وشارون كانا يبيتان أمرا آخر.. هو عدم تنفيذ هذا الالتزام أيضا.
    ورفض باراك الذي هزم نتنياهو في الانتخابات الالتزام بالاتفاقات وراوغ في لقاءات كمب دايفيد ليتملص من التزامات إسرائيل.
    ولم تجد قمة شرم الشيخ.
    أما في طابا فقد كاد الوفدان المفاوضان ((1999 الإسرائيلي والفلسطيني أن يصلا لاتفاق لولا تخوف باراك من أن توقيع اتفاق في طابا سوف يسبب له خسارة الانتخابات.
    لكنه خسر الانتخابات رغم تقاعسه عن توقيع اتفاق طابا.





    شارون يدخل المسجد الاقصي



    وقبل خسارته الانتخابات سمح لأرييل شارون أن يدخل المسجد الأقصي الذي شكل خرقا خطيرا للأعراف إذ رافقه عدد كبير من الجنود ورجال الأمن والشرطة مما أشعل اشتباكات داخل الحرم القدسي بين المصلين والجنود المدججين بالسلاح.
    وشكلت تلك الزيارة بداية مرحلة جديدة من العدوان الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني.
    كان ذلك في الثامن والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2000.
    فاندلعت مظاهرات شعبية فلسطينية في كل أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة احتجاجا علي اقتحام شارون والجنود حرمة الأقصي. وقام الجيش الإسرائيلي بالتصدي للمظاهرات الشعبية والسلمية بالرصاص الحي والرصاص المطاطي وقنابل الغاز الخانقة.
    واستمرت المظاهرات والمصادمات الي أن فاز شارون في شهر شباط (فبراير) من العام 2001 بالانتخابات وأصبح هو رئيس وزراء إسرائيل. وعندها بدأ العدوان الهمجي علي الشعب الفلسطيني في كل مكان.
    فاستدعي شارون الاحتياط وزج بآلاف الجنود بآلياتهم ودباباتهم في معركة إعادة احتلال المناطق الفلسطينية بعد أن رفض تقرير ميتشل في شهر أيار (مايو) من العام 2001.وذلك بعد أن كان قد رفض خطة تينت من قبل.
    كذلك رفض شارون اقتراح الدول الثماني الكبري بإرسال مراقبين دوليين لإنهاء الصدام الدموي بين الفلسطينيين والإسرائيليين والإشراف علي وقف اطلاق النار. وكان ذلك في التاسع عشر من تموز (يوليو) من العام 2001.
    فقد كان لدي شارون مخططاته العدوانية التي أعد الجيش الإسرائيلي لتنفيذها ولذلك رفض كل المحاولات الامريكية والدولية لوقف الاشتباكات والعودة لطاولة المفاوضات.
    في تلك الأثناء أبلغتني مصادر إسرائيلية موثوقة جدا حول مخطط شارون لمحاصرة مقر الرئيس ياسر عرفات في المقاطعة ومداهمة مبانيها إذا لزم الأمر.
    اتصلت بالرئيس ياسر عرفات وطلبت رؤيته فورا، وتوجهت لمكتبه حيث كان قد تجمع عدد من القيادات السياسية والقيادات الأمنية. كان هناك محمود عباس (أبو مازن) وجبريل الرجوب (مدير الأمن الوقائي في الضفة الغربية آنذاك) ومحمد دحلان (مدير الأمن الوقائي في قطاع غزة) وإسماعيل جبر (الحاج إسماعيل) مدير الأمن الوطني في الضفة الغربية وغيرهم.
    فطلب مني الرئيس عرفات أن أتحدث بحرية أمام الجميع. ترددت قليلا لكنني سردت له المعلومات التي وصلتني وحذرت من خطورة هذا لأنه موضوع جدي. وأذكر أنني قلت له ان الدبابات الإسرائيلية ستقف علي مدخل مكتبك وليس خارج الأسوار.
    وحذرته من احتمال ترجيح كفة من يطالب من الضباط الإسرائيليين باغتياله أو ترحيله.
    وكما توقعت حسب المعلومات التي وصلتني حصلت الأمور. فعند فجر الثاني عشر من شهر كانون الثاني (ديسمبر) من العام 2001 قامت الدبابات الإسرائيلية بغزو مدينة رام الله وفرضت عليها منع التجول وتجمعت عشرات منها لتحيط بمقر الرئيس ياسر عرفات (المقاطعة).
    في البدء قامت تلك القوات باحتلال كافة المنازل المحيطة بالمقاطعة وحجز الأطفال والنساء والرجال في غرفة من غرف منازلهم واعتلوا أسطح البنايات بأسلحتهم المتوسطة وقناصيهم وراحت الدبابات تقصف المقاطعة دون توقف.
    وحلقت المروحيات العسكرية فوق المقاطعة وفوق محيطها.
    الأقصى يستنجد فهل من مُنجِد


    حسبنا الله ونعم الوكيل

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الحقوق لموقع ومنتدى المحطة